الأربعاء، 22 ديسمبر، 2010

الشريط - مقال تميم البرغوثي في الشروق يوم الثلاثاء 21/12/2010


بقلم:تميم البرغوثى

21 ديسمبر 2010 10:02:43 ص بتوقيت القاهرة

تعليقات: 4

الشريـط

أراه دائما، وإن تعمدت أن نسيانه ذكرنى به تعمدى، وإن صددت عنه وجهى تخيلته أمامى، وهو ليس عدوا علا أو حبيبا قلى أو رئيسا يحب الصور والنظارات الشمسية، إنما هو شاشة رفيعة على شكل شريط يدور على مبنى كبير وسط ميدان التايم فى مدينة نيويورك.

هو شريط أخبار، تمر على شاشته الأخبار مضيئة ثم تنطفئ، كذلك الشريط الذى تراه فى الفضائيات أسفل الشاشة، يمر وعليه عناوين الأحداث.

وقد تسأل لماذا يحتل خيالى هذا الشريط فى مدينة مليئة بالألوان والأصوات تَجَمَّع فيها كل لسن وأمة، وما الذى يثنى مثلى عن التملى فى تمثال قارورة الكولا العملاقة، أو ساعة سواتش العملاقة، أو الفتاة العملاقة التى تعلن عن ملابسها وتعلن ملابسها عنها، إلى غيرها من عماليق الميدان المضاءة الدوارة كالرادارات على رؤوس الأبنية.

أقول ما الذى يشد انتباهى إلى هذا الهامش الأفقى الأسود ذى الأحرف الصفراء الركاضة بلا توقف، فأقف أمامه عير مدرك موقع قدمى حتى ينبهنى أحدهم أننى واقف فى طريق السيارات.

إن موقع هذا الشريط الهامشى الضئيل دال، هو موقع الأخبار من الإعلانات، وموقع العالم من البال العام والخيال الجمعى للإمبراطورية وربما مر فى هذا الشريط، بين العمالقة المضيئة، خبر مقتل خمسة فلسطينيين، أو خمسين عراقيا، أو انقلاب فى هذا البلد أو ذاك.

نحن هامش هذا المكان، بل نحن هامش هامشه، وحين نكون فى المقدمة فنحن فى مقدمة لائحة اتهام ما.

كلما مررت بهذا الشريط الذى يختصر تواريخنا العامة والخاصة فى لمحة، فكرت أن أكبر كبير عندنا لا يعنى هنا الكثير، فلو أتيت بكرام الخلائف والإئمة والسلاطين والشعراء إلى هذا الميدان لعاملوهم أساسا على أنهم رجال غريبو الأزياء والأطوار، ثم انصرفوا عنهم إلى إعلاناتهم العملاقة.

وإن أنت جمعت الراشدين، والأمويين والعباسيين والصحابة والأئمة، والشعراء والكتاب والمغنين من عهد عاد إلى يوم الناس هذا، ثم أوقفت دونهم دليلا يشرح للناس من هم، لاجتمع عليك، ربما، عدد مساو لمن اجتمعوا على فتية سمر يرقصون الراب، أو مجموعة من الدعاة يلبسون تيجان من الورق الأصفر ويزعمون أنهم القبيلة الضائعة من أولاد يعقوب بن إسحاق.

وليس هذا فى حد ذاته مؤلما، فأن تكون غريبا هو أن تكون ضعيفا، خارج المتن فى أكثر الأحيان، لكن المؤلم فى الأمر، هو مركزية الولايات المتحدة عندنا على علاتها، فالناس عندنا منقسمون بين مقاوميها والمتعاونين معها تعتمد حياتهم وحياة بنيهم على ذلك، أما بين الجموع المارة فى ميدان التايم فنحن المارون فى الشريط لمحا، مواقفهم منا تتراوح بين مساند ومعاند، لكننا لسنا قضيتهم، إن أحبوا أو كرهوا فلأنهم استحسنوا أو استقبحوا بقدر ما علموا أو عُلِّموا، أما حياتهم فلا تعتمد على مواقفهم تلك.

ذهابهم للحرب فى العراق، كما قال رئيسهم فى القاهرة، كان اختيارا، لم يكونوا مهددين حقا، وكان الأمر تفضيلا ومفاضلة. وبالتداعى، يذكرنى هذا الشريط بحروبنا جميعا، لم نخض أيا منها تفضيلا كأن يجتمع مجلسنا ثم يقرر أن الحرب مفيدة فيدخلها، كل حرب فى القرنين السابقين، منذ دخول نابليون الأزهر فرضت علينا فرضا، حتى حين حارب بعضنا بعضا واستعان بالاستعمار، فإن خوفه من الاستعمار كان يجبره.

ثم ترى حروبنا خبرا فى شريط على بناية عندهم، وترى حروبهم ركام بنايات عندنا.

ثم يزيد الموضوع تعقيدا، أن هذه نيو يورك، وهى فى رأيى من حسان المدن، حاول أن تكرهها وستفشل، فكما يقول صديقى العزيز القصاص الكبير حسام فخر، هى أكبر مدن العالم الثالث.

ليست نيويورك مدينة الشقر المسلحين، عريضى الرقاب جامدى الوجوه، حتى تحسب أنهم يرفعون الأثقال على خدودهم، أمثال هؤلاء يرسلونهم إلينا، أما أهل نيويورك، فمثلى ومثلك، عرب وفرس وترك وصينيون ولاتينيون، وأفارقة، من شرق أوروبا، ثم من غربها ثم من سائر الولايات المتحدة.

وهذه المدينة بنيت للغرباء، فشوارعها مقسمة عرضا وطولا لتشكل معا خريطة من المربعات المرقمة، فيمكن تحديد أى نقطة فى المدينة برقمين، كأن آثار أقدام أهلها آلاف من الرسوم البيانية التى تكتب وتمحى كل ساعة، فلا يحتاج الغريب فيها إلى معرفة بل يرى فيها سبيله بسهولة جمة، ثم يجد فيها من يشبهونه، ممن يأكلون طعامه ويفهمون كلامه.

لذلك، حين ترى أن موقع أهلك فيها من امرئ القيس إلى يومك هذا، مرورا بأنبيائك وعارفيك وشعرائك، ليس إلا بضعة مصابيح تلمع ثم تختفى على شريط مهمل بين الإعلانات فإنك تحزن حزنين أو ثلاثة.

فنيويورك تزعم أنها ليست منهم، أعنى من الإمبراطورية، نيويورك تزعم أنها منا، أنها للمغلوبين المتعبين، بل إن شعرا بهذا المعنى هو المكتوب على قاعدة تمثال الحرية ليحيى الداخلين إليها «أرسلوا إلى متعبيكم وفقراءكم»، وهذا الشريط يذكرك أنها لهم لا لك، وأن هذه المدينة الحية مملوكة لواشنطن الرخامية.

لست أدعو لأن تهتم بنا أمريكا أكثر، لا والله، فقد لقينا من اهتمامها ما كفى ولو اهتمت أكثر أوشك ألا يبقى منا أحد، إنما أدعو ألا تكون مرجعا، ولا نموذجا، والزيادة من كل علم خير، فلنعرفها أكثر، ولكن لنهتم بها أقل.

لأنها بخيرها وشرها أمبراطورية أخرى، ولو مثلت تاريخنا، وتاريخ جيراننا، أعنى الأمم كبيرة السن من فقراء هذا الكوكب كالهند والصين، أقول لو مثلته فى صورة ميدان، لكانت الإمبراطوريات تمر عليه مرورا كالشريط، نلقى عليها نظرة عابرة، لنعرف الأخبار، ثم نلتفت إلى أشغالنا.



http://www.shorouknews.com/Columns/Column.aspx?id=358422

الثلاثاء، 14 ديسمبر، 2010

كل سنة وانا طيب

اليوم أتمّ عامي الثالث والعشرين على هذه الأرض. اعتدت أن يمر هذا مثل هذا اليوم من كل عام مثل باقي أيام العام، دون صخب أو ضجيج. فالحمد لله لقد نشأت في أسرة بعيدة عن ثقافة "حفلات" أعياد الميلاد ولا تقام عندنا تلك "الحفلات" إلا لمن هم دون الثامنة أو العاشرة وهي حين تقام لا تقام بانتظام أيضا فلا أذكر أنني احتفلت بعيد ميلاد سوى مرتين تقريبا أو ثلاث مرات. وبعد أن يتخطى المرء مرحلة الطفولة يصبح يوم عيد الميلاد يوما خفيض الصوت لا يميّزه إلا "كل سنة وانت طيب" الصادقة التي يتبادلها أفراد أسرتي الرائعين.

وعيد الميلاد في جوهره – الذي سأتحدث عنه بعد قليل – مناسبة طيبة، أمّا تحويلها لمناسبة اجتماعية "مَظـَاهـِـرية" يضيفها إلى أخواتها من المناسبات الاجتماعية التي يندثر معناها الحقيقي "الجوّاني" تحت غبار المظاهر المادية "البرّانية" حتى تصير عبئا على الناس، فتفرّق بدلا من أن تجمّع، وتبغّض بدلا من أن تحبّب. كنت أرى أيضا في احتفالات أعياد الميلاد تكريس للنرجسية فلم أكن أرى أي مبرر لتهنئة المرء على ما لم يتدخل فيه (أي وجوده) وكنت أرى أنه من الأفضل لي أن أتلقى التهاني على ما أنجزته يداي من نجاحات مادية ملموسة.

أما الآن وقد أدركت تلك المساحة – المُتجاهلة – التي تفصل بين الإنسان وبين إنجازاته المادية، تلك المساحة التي تؤكد تجاوز الجوهر الإنساني لعالم المادة. ذلك الجوهر الإنساني الذي يتجاهله الكثيرون حين يصرّون على الهروب منه ويلجؤون إلى الالتصاق بإنجازاتهم وأعمالهم المادية حتى يتم استيعاب جوهرهم الإنساني تماما في تلك الإنجازات التي مهما بلغ اتساعها يستحيل عليها استيعاب ذلك الجوهر الإنساني فتقيّده وتمنعه من التحقق الكامل. أما وقد أدركت ذلك المعنى فسوف أحتفل اليوم بعيد ميلادي على طريقتي وأعيد النظر في مدي تحققي الإنساني وأقول لنفسي "كل سنة وانا طيب"



باسم زكريا السمرجي

14/12/2010

جمال حمدان: درس في عشق مصر

الاهرام المصرية


السبت 3 فبراير 2007

‏سناء البيسي


خرست تماما وبلا تعليق علي المشهد القصير المرير الذي دارت أحداثه أمامي بعد النكسة عندما دخل الزميل الكاتب فهمي هويدي مدير تحرير عدد الجمعة وقتها يزف لمسئول التحرير بشري موافقة الدكتور جمال حمدان علي نشر مقال عن الأخطار التي تهدد قناة السويس في العدد القادم‏,‏ فهز المسئول رأسه لينهي ما لا يرغب في الاسترسال حوله‏:‏ إنشاء الله إنشاء الله التي استشعرت في طياتها نيته بمعني ابقي قابلني لو نشر‏,‏ وبعد خروج الزميل التفت المسئول ناحيتي مشوحا بعصبية من بيده الكشح والنشر‏:‏ جمال حمدان‏.‏ جمال جمدان‏.‏ تلاقيه يا ستي الدكتور اللي بيعالج أولاده وعايز يجامله علي حسابنا‏..‏

ومن المؤكد أن ردي البليغ بالصمت كان أكثر حصافة مما يجيش به صدري من غليان‏,‏ فقد كنت علي الجانب الآخر من بعد شهور انتظار علي أحر من الجمر قد بلغت المني أخيرا وحظيت بلقاء الدكتور حمدان في بيته‏25‏ شارع أمين الرافعي بالدقي بعدما عرفت كلمة السر بدق الباب مرتين والثالثة بعدهما بثوان فانفتحت صومعة الناسك تحت السلم إلي اليمين التي فوجئت بتقشفها وكأنها حجرة كشف في مستوصف بالأرياف فالكماليات لا وجود لها بل والضروريات أيضا والأرض خاصمت بساطها والستائر مسدلة معنويا والأثاث لشقة نوم العازب أو الطالب الريفي المغترب من أجل العلم‏,‏ بفراش راهب هندي مرقده المسامير‏..‏

الدوائر الكهربائية لا تصل بسلك تليفون أو شاشة تليفزيون أو حتي مروحة كهربائية‏,‏ ولكن وفقط ولا غير جهاز راديو لابد وأن يستعيد لقبه العتيق‏..‏ المذياع و‏..‏ وعينا بوتاجاز إنتاج المصانع الحربية لا يعرف فرن الصواني تطلان علينا من المطبخ الكئيب‏,‏ وكرة أرضية يتتبع فيلسوف الجغرافيا علي خرائطها الباهتة نبض نظرياته العبقرية في علوم الكون‏,‏ وحقيبة سفر لم تعرف الامتلاء أو السفر‏..‏ تلك كانت مفرداته المعيشية أما مفرداته الفكرية التي لا قاني بها الدكتور مرتديا الروب المهترئ وفي يده براد الشاي المشوه بالسناج كانت باتساع العالم كله‏..‏

جلست إلي صاحب موسوعة شخصية مصر بمجلداتها الأربعة التي يقف وراءها‏245‏ مرجعا عربيا و‏791‏مرجعا أجنبيا انصهرت جميعها في بوتقته لتخرج مقطرة تقطيرا‏,‏ مقدرة تقديرا‏,‏ بالغة الدقة والفطنة‏,‏ مشغولة ومطرزة خيطا خيطا علي الطريقة الحمدانية ليأتي طرحها خارقا بكل المقاييس‏,‏ ودائما ما تكون الفكرة مجرد بارقة قد لمعت في الذهن يجلس العالم المستنير يدونها ويمد منها الهوامش‏,‏ وتستطيل الهوامش وتتفهرس الصفحات لتغدو موضوع كتاب جديد‏,‏ وهو ما حدث مع كتابه الخالد شخصية مصر الذي مر بثلاث مراحل‏:‏ الصغير والوسيط والكبير‏,‏ وتبعه‏17‏ كتابا بالعربية وكتابين بالإنجليزية‏..‏ وعشرات بل مئات من المقالات والدراسات التي كان يعطي لنفسه أجازة بينها قد تمتد لعام كامل‏.‏

جلست إلي المستغني عن كل المغريات الذي كان يكافئ نفسه كل خميس بطبق مكرونة اسباكيتي علي ترابيزة متوارية بكازينو قصر النيل ويحلي بحتة جاتوه ويحبس بزجاجة كوكا كولا‏..‏ التقيت المتحفظ جدا الذي تسكن في حياته مأساة حب أو خيانة قد تكون سببا رئيسيا في تقوقعه وخصامه للجميع‏,‏ فقد ذكر في تلخيصها جملة عجفاء لا تشبع نهم أذن شهوتها الاستقصاء من أنه عاش يوما عصيبا كبر فيه فجأة أربعين عاما‏..‏ المتابع رغم عزلته لكل كلمة في خبر أو قصة أو مقال تنشرها الصحف‏,‏

وسعدت بقوله لي إنني أكتب كما نسيج التريكو الذي لو سقطت منه سهوا غرزة لتداعي السطر كله‏..‏ صاحب الميول الفنية الهاوي لسماع الموسيقي وأصوات أم كلثوم وعبدالوهاب ونجاة قال إنه تفوق يوما علي عبدالحليم حافظ‏,‏ ويشهد علي ذلك جمهور له في حفل قديم بفرع جامعة القاهرة بالخرطوم‏,‏ وكان أمهر لاعب كرة قدم في مدرسة التوفيقية‏,‏ وكان في تذوقه للفن حريصا في بعثته بانجلترا علي الذهاب لجميع المعارض الفنية‏,‏ فموهبته في الرسم قد زاملته منذ طفولته ليظل يرسم بها لوحات شخصية له ولمطربيه المفضلين يقتني بعضها الزميل حلمي النمنم ومنها بورتريه له ولنجاة وعبدالوهاب‏,‏ وكان يرسم أغلفة جميع مؤلفاته بل وخرائطها المعقدة التي يعلو بجبالها ويهبط لوديانها حتي يغيب عن الوعي وتسقط رأسه فوق غابات السافانا أو خليج في محيط‏,‏ ومضي يحكي لي عن صاحبة البنسيون التي كانت توقظه بندائها المميز مستر هامادان لكي يلحق بموعد الأوبرا المقدس لسماع الموسيقي الكلاسيكية‏.‏

غادرته بلا اكتفاء منه وذهبت يملؤني العجب من صاحب شخصية مصرية لم تعرف الحياة الفكرية والثقافية في مصر والعالم العربي في عصرنا الحديث مثلها‏,‏ من توافرت لديه مثل تلك الطاقة العقلية الهائلة التي تضعها في مصاف أكبر العلماء والمبدعين العالميين‏,‏ لكنه يقرر في لحظة صدق مع النفس ومع الآخرين تقديم استقالته من المجتمع والناس بعد أن قدم استقالته من منصب الأستاذ الجامعي وعاش لأبحاثه لا يريد أن يكون طرفا في عالم تغلب فيه قيم النفاق‏.‏ ولو لم يكن حمدان مستكفيا راضيا بعزلته وعما يقوم به لما نام علي سرير الشوك يحيطه صدأ الجدران بينما شريان الحياة الذي يمده بقوت العقل والجسد بواب عجوز قارب المائة لا يلبي النداء إلا من بعد أن ينبح الصوت ليأتي بجراية العيش والفول والجرنال‏…‏ ويقول جمال حمدان‏:‏ هناك أشياء كثيرة دفعتني لهذه العزلة التي فرضتها علي نفسي ولن أخرج حتي ينصلح حال المجتمع وإن كنت أتصور أنه لن يحدث أبدا‏!.‏

وأذكره كما اللحظة ذلك المساء التعس في الساعة الخامسة والنصف من عصر السبت الموافق‏17‏ من أبريل عام‏1993‏ عندما اتصل أحد جيران العالم الكبير بالأهرام ليخبرنا بالنبأ الأليم‏.‏ الدكتور جمال حمدان اتحرق في شقته بالدقي‏..‏ ومات‏!!..‏ أيوه‏..‏ مات من ساعتين والإسعاف رفضت تشيله‏,‏ وأهيب بأبنائي أصحاب الأقلام في نصف الدنيا محمد البرغوثي وجمال غيطاس وفنان الصورة محمد حجازي سرعة التغطية الصحفية للحادث المؤلم علي مسرح المشهد المأساوي‏,‏ وتصدر المجلة وبها الحقائق كاملة مدعمة بالصور النادرة لتغدو مرجعا لحياة وممات عاشق مصر الكبير الذي قال بنفسه‏:‏ إن بلادنا قد تخصصت في إهالة التراب علي عباقرتها وهم أحياء وتمجيدهم وهم أموات

وليس مشهد جنازته الصغيرة إلا دليل فاجع علي صحة ما قاله‏,‏ فلقد خرجت إحدي الصحف بخبر وفاته في ركن منزو يقول‏:‏ انفجار أنبوبة بوتاجاز في دكتور جغرافيا وكان الخبر مليئا بالأخطاء المطبعية والعلمية أيضا‏,‏ وبدون صورة فوتوغرافية واحدة‏,‏ والسبب في منتهي البساطة أن المحرر الذي كتبه مثل المسئول الذي أشرت إليه سابقا لا يعرفان قدر الرجل الذي مات ولا أصلا من هو‏,‏ هذا بينما التفت في جنازته صديق من المشيعين إلي جاره بعد زفرة ألم قائلا‏:‏ والله هذه جنازة تليق بمواطن شريف‏..‏ فلا مسئول‏,‏ ولا كاميرات‏,‏ ولا أضواء‏..‏ ولا يحزنون‏!!‏

المبدع المتخفي في ثوب الجغرافي ذهبت أفتش عنه في أحاديث أسرته‏..‏ فوزية المفتشة بوزارة التربية والتعليم‏,‏ وفايزة الشقيقة الصغري‏,‏ ود‏.‏ عبدالحميد أستاذ التاريخ بجامعة السوربون‏,‏ واللواء عبدالعظيم بطل أكتوبر‏,‏ والأديب محمد حمدان المنافس لجمال في شراء الكتب‏:‏ من شدة نبوغه حصل علي منحة تعليم بالمجان رغم عدم وجود المجانية وقتها‏.‏ كان يقول أنا عندي اللي يجعلني أغني منكم كلكم وسعيد جدا بهذا والأستاذ هيكل عرض عليه عقد بـ‏25‏ألف دولار شهريا لو قبل الكتابة فرفض‏,‏ وعندما تولي الدكتور عبدالعزيز كامل منصب وزير الأوقاف بالكويت عرض عليه التدريس في جامعتها مع تلبية جميع شروطه‏,‏

لكن رده الدائم كان‏:‏ إنه يسعي للشيء إذا أراده ولا ينتظر الشيء حتي يجئ‏,‏ وأخبره عبدالسلام جلود أن القذافي يطلبك بالاسم لتمسك أعلي مركز بجامعة طرابلس مع تلبية جميع طلباتك‏,‏ لكنه رفض وفضل حياته بعيدا عن الرفاهية والناس والشهرة بكامل إرادته‏..‏ شفافية لا حد لها‏.‏ ظرف وكوميديا من الدرجة الأولي‏.‏ أخلاق جدا‏.‏ حساس جدا جدا‏.‏ يفهم في الموسيقي أحسن من موسيقار عالمي‏.‏ يرسم‏.‏ يكتب الشعر‏.‏ خطه جميل‏.‏ يسمع عبدالوهاب ويحرص علي حفل أم كلثوم وينصت لنجاة ويردد أغنيتها أسألك الرحيلا

وكان يسمع شهرزاد ويصف محمد قنديل بأنه من أقوي الأصوات وأقدرها‏,‏ لكنه لم يأخذ فرصته التي يستحقها‏.‏ الأبناء علاء ونجوي ونهي علاقتهم بخالهم جيدة والبنات تحكي له مشكلاتهن‏.‏ كان كريما يعطي ما يأتيه للناس لإخواته البنات خذي اشتري عربية لبنت منهن‏.‏ لا أتذكر أن والده عاقبه مرة بالعكس كان دائما يفخر به‏,‏ لأنه متفوق‏..‏ حبيبي وأخويا ومثلي الأعلي‏.‏ كان ترتيبه الثالث في الأولاد وكنا أربع بنات بقيت منهن فايزة وبيني وبين الدكتور‏10‏ سنين عشنا مع بعض أحلي طفولة وكان دايما يقول لي يا فوزية أنا مبسوط كده‏,‏

وعمره ما كان انعزالي بالعكس كان بيجمعنا واحنا أطفال ويعمل لنا مسابقات في الشعر والرسم ويمنحنا الجوائز ويقعد معانا علي الغداء يحكي لنا الحواديت ــ الخمسينيات ــ ونتلم كل خميس نسمع الست‏,‏ وكنت في الأول أساعده في تبييض كتاباته‏,‏ ويوم ما استقال زعلنا وناقشناه لكنه أفحمنا بحجته‏,‏ وحاولت أزوجه لأجل نفرح بأولاده قال إنه خلاص اتجوز العلم‏..‏ جمال اتولد في بلدنا ناي بمركز قليوب وتبعد عن القاهرة بحوالي‏40‏ كيلو وأمي تعودت أن تلد كل أولادها هناك بجوار جدتي‏,‏ وكنا ننادي جمال كلنا باسمه الشهير بين أفراد أسرته وهو لولو‏,‏ ومن مدرسة شبرا بعدما استقر بنا الحال أخذ الابتدائية وكان ترتيبه السادس علي الجمهورية‏,‏

والتوجيهية أخذها من التوفيقية ومنها لقسم الجغرافيا بكلية آداب جامعة القاهرة وكان من أساتذته الأفذاذ الدكتور محمد عوض والدكتور سليمان حزين‏,‏ وبعد حصوله علي الامتياز في جميع السنوات سافر في بعثة لإنجلترا ودرس في جامعة ريدنج وأخذ الدكتوراه وموضوعها سكان وسط الدلتا‏,‏ وفي انجلترا كان إنسانا آخر يلتهم متع الحياة بعشق وحب‏.‏ قرأ كل ما وقع تحت يديه من روائع الأدب والشعر ودرس الموسيقي الكلاسيك حتي أصبح الخبير وكان عاشقا لتشيكوفسكي‏,‏

وفي انجلترا عاش قصة حب تحول فيها إلي عاشق مرهف‏,‏ ولقد رأيتهما معا جمال ومحبوبته الإنجليزية الباحثة في علم المصريات ــ كما يقول شقيقه عبدالحميد ــ كانا يقرآن معا ويسهران معا ويمضيان الأجازات معا‏,‏ وكانت الإنجليزية مفتونة بعبقريته وإبحاره المتعمق في المعارف العديدة‏..‏ وفجأة عاد جمال من انجلترا‏.‏ عاد صامتا ولم يفلح في إخراجه عن هذا الصمت أحد‏,‏ وعاش قادرا أن يحيا بجرحه‏,‏ واكتملت الضربة عندما تجاوزته الجامعة وقامت بترقية أستاذ مساحة آخر إلي درجة الأستاذية قبله‏,‏

وكانت هناك في الستينيات باحثة فرنسية التقت به لتولع بالحديث معه وندرك أنها وقعت في حبه‏,‏ وحاولنا إقناعه بمراجعة موقفه من الزواج والتفكير في من ترغبه‏,‏ لكنه رفض وأتي رفضه بإصرار غريب وعجيب‏..‏ رجع لمصر بعد الثورة ليفاجأ بالتغيير الذي تفاءل له لكنه للأسف وقع ضحية أهل الثقة فقدم استقالته بعد معركة نفسية ــ زاد من حدتها موقف زميلته الجامعية التي جمعت بينهما قصة حب أدارت لها الحبيبة ظهرها تخوفا علي مكانتها الجامعية ــ أثرت علي صحته وأصابته بمرض في الأمعاء الغليظة وفضل يتعالج في عيادة الدكتور أنور المفتي‏,‏

وكانت الاستقالة نقطة تحول في حياة جمال فبعدها اعتزل العالم ونظم حياته بصرامة وتغلب علي مرضه بتنظيم الغذاء والرياضة‏,‏ ولم يستسلم للإحباط فواصل عمله الرائد شخصية مصر‏,‏ وعندما منحته الدولة وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي عام‏1988‏ لم يتسلمه بنفسه وأتي الوسام إليه مع مندوب عند تشييع جنازته‏,‏ ومازلت أذكر بعد الثورة عندما سألته عن الوظيفة التي يرغب في شغلها فجاءتني إجابته الفورية‏:‏ وزير ولو مرة واحدة للشئون البلدية والقروية‏,‏ فمن يتولي هذه الوزارة يملك في يده نهضة مصر أو تخلفها‏,‏ فالشئون البلدية هي البنية الأساسية التي بدونها لا تستقيم حياة الناس في المدن‏,‏ والشئون القروية هي العمود الفقري الذي بدونه ينقسم ظهر مصر‏…‏

في حياته يذهب محمد حسنين هيكل إليه ويدق بابه مع مصطفي نبيل رئيس تحرير مجلة الهلال السابق فيدعوهما للدخول فهو أشد المعجبين بهيكل ولغته‏,‏ ويستأذن منهما لحلق لحيته التي توغلت لكنه يعود مسرعا كي لا يضيع وقتا بدون هيكل الذي طلب منه أن يخرج معهما للهواء الطلق فيعتذر حمدان لمرضه فيدعوه هيكل لمنزله للكشف عليه طبيا فيتشبث المستكفي بعدم الخروج مبادرا هيكل بسؤاله‏:‏
‏*‏ كيف تسكت علي ما يجري في مصر؟
‏-‏ وماذا تريد أن أفعل؟‏!‏

قال فارس بن حمدان‏:‏ لا تقل لي إن من يحترف الكتابة عادة لا يتقن الحديث‏,‏ ولكنك تتقن الكتابة الراقية والحديث المقنع أيضا‏,‏ أو أنه عادة لا يعرف التفاصيل من هو غارق في الكليات‏,‏ ولكنك تجمع بين المعرفة الدقيقة بالتفاصيل والكليات معا‏..‏ عادة لا يعرف الفيلسوف المسائل العلمية ولا يتقنها وأنت تعرف الفلسفة ولديك قدرة علمية كبيرة‏,‏ وعادة ما يكون المفكر السياسي غير محترف السياسة وممارسها‏,‏ ولكنك مفكر وسياسي في ذات الوقت فلماذا لا تقود أهل مصر في طريق الخلاص؟‏!‏

ويستمع هيكل بإنصات ثم يرد قائلا‏:‏ لقد جئت إليك حتي أسمع منك وأنت صاحب كتاب شخصية مصر لكي تفسر ما يجري‏,‏ وما تفسيرك لتدهور موقف مصر السياسي‏,‏ ولماذا رحب البعض بهذه الاتفاقية ــ كامب ديفيد ــ وهل تفسيرك حول المجتمع النهري والسيطرة المركزية للسلطة يكفي تفسيرا لما نشاهده؟

ويرد جمال حمدان في كلمات كالطلقات‏:‏ الطغيان هو الذي أوصلنا إلي هذه الحالة مما جعل قبول الرأي الواحد عادة ذميمة‏,‏ فالطغيان هو المعزوفة الحزينة للتاريخ المصري مما خنق كل مبادرة‏,‏ وتاريخنا يعتبر الحاكم إلها حتي يسقط‏,‏ وتاريخنا يضع الحاكم فيه نفسه فوق النقد حتي يرحل‏,‏ وهو التاريخ والجغرافيا حتي يأتي غيره‏..‏ ويضيف حمدان‏:‏ ومازلنا بعيدين عن التعليم الحقيقي الذي يجعل الشعب كله خلية متحركة ولا يرغب أحد رغبة حقيقية في أن يتعلم الشعب وعندئذ سيعرف حقوقه ويتعلم كيف يطالب بها وكيف يحصل عليها‏..‏ ولكن دعني هنا أسألك يا أستاذ هيكل‏:‏ ما هذا الذي خلفته وراءك في الأهرام؟‏!‏ وما هذا الذي يكتبه كبار الكتاب وكأنهم يحملون المباخر لكل قرارات السادات؟‏!..‏ ويرد هيكل‏:‏ لست مسيئا ولا أنا دكتور حسين فوزي أو الحكيم أو نجيب محفوظ‏.‏

ويكتب هيكل بعدها خطابا لجمال حمدان في‏28‏ من مايو‏1979‏ يقول فيه‏:‏ لم أتجاسر هذه المرة أن أطرق بابك علي غير موعد‏,‏ وهكذا فإني أكتب إليك لأقول إننا عدنا إلي القاهرة بعد غياب عدة أسابيع وكما اتفقنا قبل أن أسافر فإني أترك لك اختيار الوقت الذي تراه مناسبا لكي نلتقي مرة أخري ولست أعرف ما المواعيد المناسبة لك في الأسبوع القادم الذي يبدأ من السبت الأول من يونيو؟ لكنه يسعدني إلي أبعد حد أن أسمع منك‏…‏

ويظل اللقاء بينهما ممتدا والعلاقة بينهما حميمة والمناقشات خصبة وعبدالناصر فوق المنصة ليكون محمد حسنين هيكل أول من يدخل سرادق العزاء في العالم الجليل‏..‏ و‏..‏ تصل إلي الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين حكاية حرمان جمال محمود صالح حمدان من المعاش بسبب الروتين الذي لا تسمح لوائحه بمعاش إلا لمن قضي عشر سنوات فأكثر في الجامعة وكانت شئون العاملين بالجامعة قد أبلغت الدكتور بأنه لم يستوف المدة القانونية لذا لزم انقطاع المعاش‏,‏

فانبري الصديق بهاء يكتب مطالبا له بمعاش استثنائي فثار حمدان وغضب وخاصم بهاء حتي النهاية‏,‏ بينما كانت علاقتهما قبل ذلك ذات أواصر عميقة حتي أن حمدان كان يأتي لبهاء في أول وعكة صحية شديدة أصابته ومنع عنه الأطباء الزيارة‏,‏ كان يأتي إليه يوميا للسؤال عنه في ساعة محددة‏,‏ ونقلت السيدة ديزي زوجة بهاء له أمر الزائر المستديم ببذلته ذات الطراز القديم والذي تظنه أحد الموظفين القدامي فسألها عن اسمه فقالت‏:‏ جمال حمدان‏..‏ فهتف‏:‏ الدكتور جمال حمدان يا خبر أبيض أرجوك أول ما يحضر أدخليه علي الفور علي الأقل ليستريح‏,‏

وأتي بعدها الدكتور جمال واعتذر عن الدخول طالبا إبلاغ سلامه للأستاذ بهاء‏,‏ وكان من بين أوراق حمدان الحميمة خطاب من بهاء يقول له فيه‏:‏ لا تبخل بالزيارة حتي بدون سبب ولا أحتاج أن أؤكد لك هذا أبدا‏.‏ فما بالك إذا كان هناك سبب وإذا ما كان مكتبي بعيدا فبيتي قريب‏:11‏ ش هارون ــ الدور الخامس ــ شقة‏4(‏ ت‏:982463),‏ وكانت في أوراق العالم الراحل خطابات أخري ظل يحتفظ بها منها ما كتبه يحيي حقي في‏1981/12/2‏ يقول‏:‏ أنت كالنجم القطبي لا تتحول عن مبادئك وأصدقائك ليتنا نفلح في أن نسترشد بك ولكن هيهات‏,‏

ويكتب له أنيس منصور في‏1970/3/1:‏ أين أنت وحشتنا جدا ولكنك لست بعيدا في المكان فأنت في العقل والقلب معا‏..‏ هذا بينما الآخرون يحتفظون بخطابات وكتابات جمال حمدان لهم التي تشع تواضعا وتلهث بفرط المديح‏.‏ كتب لناشر كتبه الأستاذ يوسف عبدالرحمن زوج الدكتورة نعمات أحمد فؤاد الذي استمرت علاقتهما‏22‏ عاما يلتقيان فيها كل أحد وقام فيها بالنيابة عنه بتسلم جائزة التقدم العلمي في الكويت وقيمتها ما يوازي‏10‏ آلاف دولار قام بتفريقها علي أفراد أسرته‏..‏

كتب الدكتور جمال حمدان‏:‏ لظرف طارئ للغاية وبكل الأسف وكل الحرج هل يمكن أن أطمع في مائة جنيه‏(100‏ جنيه فقط‏)‏ مع حامله‏,‏ والتفسير يوم نتقابل وأكرر الأسف والاعتذار وفي خطاب آخر من بعد الديباجة والتحيات العطرة والسلام والسؤال‏:‏ معذرة عن المضايقة علي غير انتظار‏,‏ ولكن نظرا لظرف طارئ عاجل‏,‏ وإذا لم يكن في ذلك إحراج أو إرهاق‏,‏ وإذا كان لي أي استحقاقات طرفكم‏,‏ فهل أطمع وأستأذن في أن تتكرم مشكورا بإرسالها في أقرب فرصة‏,‏ ولو مع الأسطي فكري منعا لتعبك وإرهاقك‏..‏ أما إذا لم يكن لي استحقاقات فأرجو إهمال الأمر تماما واعتباره كأن شيئا لم يكن‏..‏ ولك الشكر ــ ثق ــ في الحالين علي السواء‏..‏ وأكرر الأسف للإحراج الطارئ راجيا لك وللجميع كل صحة وتوفيق وشكرا‏..‏ المخلص جمال حمدان‏.‏

الدكتور جمال حمدان لاعب الكرة الشراب في زمن الطفولة وبطل كرة القدم في الثانوية‏:‏ كان يمكن أن يصل بي الأمر إلي الاحتراف بصورة حقيقية‏,‏ ولكن هناك ظروف كثيرة أبعدتني‏,‏ جمال حمدان المستكفي الذي كتب تلميذه وصديقه محمود بسيوني في‏25‏ أبريل‏1993:‏ أخبرني أنه إلي جانب ما عرضته عليه ليبيا من العمل أستاذا في جامعة طرابلس فإن الرئيس العراقي أرسل إليه يطلب منه قبول العمل كوزير في الحكومة العراقية‏..‏ ولكنه رفض بحسم‏,‏ وقال إنه لن يغادر مصر وحتي لو عارض بعض سياسات حكامها فلن يكون ذلك إلا داخل مصر التي يعشقها بنضج وصدق وإيمان عميق‏.‏

ويكتب جمال حمدان عشرات الصفحات من خواطره أتوقف أمام كل منها لا لأنتقي حاشا لله وإنما لكي تأتي النهاية بما خف وزنه وغلا ثمنه من بدائع حمدان الذي يقول‏:‏ العرب بغير مصر كهاملت بغير الأمير‏..‏ سيناء ليست مجرد صندوق من الرمال كما يتوهم البعض وإنما صندوق من الذهب الأسود‏..‏ مصر كانت دائما شعبا محاربا‏,‏ ولكن دون أن تكون دولة محترفة حرب‏,‏ لأنها محارب مدافع أساسا لا محارب معتد‏..‏ إسرائيل ليست عنكبوتا‏,‏ ولكنها بناء ملئ بالثقوب يقوم علي أرض أكثر امتلاء بالحفر‏,‏ والعلل الأصيلة في مجتمعها هي نقاط قوة لنا في صراعنا ضدها‏,‏ ونقاط ضعف محققة لها‏,‏

ولكن إسرائيل لن تهزم بالنقاط كما يقولون في الرياضة‏,‏ وإنما تهزم بالضربة القاضية‏..‏ علي المسلم الذي يكتب عن العالم الإسلامي أن يضع نفسه في مكان غير المسلم‏,‏ خاصة الأوروبي المسيحي‏,‏ ليس فقط ليكون موضوعيا‏,‏ ولكن أيضا ليستوعب وجهة نظر الآخر‏..‏ نحن والأقباط شركاء وإنهم أقرب المسيحيين في العالم إلي الإسلام بمعني أو بآخر‏..‏ وكما أن مصر فلتة جغرافية فالأقباط فلتة طائفية‏..‏ انقذوا مصر من القاهرة والقاهرة من نفسها‏.‏

العالم الجليل عندما طلب قبل وفاته بشهر معلومة مهمة ليضيفها لكتابه عن الصهيونية ودولة إسرائيل جلبت له من واشنطن بجهاز الفاكس لترسل إليه في نفس اليوم فكتب يسأل عن كيفية حدوث المعجزة وعندما شرح له الأمر التكنولوجي المتداول بالأزرار قال وكأنه عباس بن فرناس الذي تحقق حلمه في أن يطير الآدمي بجناحين‏:‏ هي حصلت خلاص‏!!.‏

رحل جمال حمدان وحيدا وقد احترقت أطرافه بآثار إصابات من الدرجة الثالثة ليحق قول حافظ إبراهيم‏:‏ فما أنت يا مصر بلد الأديب‏,‏ ولا أنت البلد الطيب‏.

الثلاثاء، 7 ديسمبر، 2010

رحلة القمر

يتوسّد القمر غيمة وينام. يهنأ باكتماله بعض الوقت قبل أن يبدأ من جديد رحلته لينثر أجزاءه على العشاق؛ يرعى سهرهم، يدافع وحدتهم، يحمل حكاياهم إلى السماء فيسرّ بها إلى الطير كي تشدو بها أغانٍ تتراقص على أنغامها أكف الشمس الممتدة بأشعة الدفء وسر الحياة


باسم زكريا السمرجي

27/11/2010

ف المنام - مقطوعة شعرية بالعامية المصرية

لو شئ يزيد عن حدّه يترد بملل عكسه
وان زاد هوى عن حدّه يتأكد عليك حبسه
قـُصر الكلام...
أنا أصلي شفتِك ف المنام...
ماشية ف مظاهرة ويّا سرب من الحمام...
راسمين علم وإدين بتدعي ربها وخيال أميرة...
يبان عليها الحزن في كسرة عنيها
عازز عليها الذل...
لو تعرف طريقه تستريّح
حكم الزمان
مهما يداروها بتراب
ترسم جماعات الحمام صورتها في قلب السما
علشان ما تنساش أصلها






باسم زكريا السمرجي

2/12/2010

فيروز

فيروز...ذلك الصوت الذي قَبِل بالتدنّي من سماوات الحلم العلى ريحا طيبة تمر على المحبين تحمل أرواحهم على أجنحتها عائدة إلى حيث جاءت، إلى السماء. فتتخفف الأرواح من أحمالها الأرضية وتغتسل من أدرانها الدنيوية لتعود إلى الأرض أرواحا خفيفة نقية.

تتجاوز فيروز الحدود فتندك أمامها حصون الزمان والمكان. تنتزعني من صحراء الحقيقة الجرداء وتحلِّق بي في مروج الخيال حيث نقطة التلاشي فلا شيءَ إلا كل شئٍ. إنها احتيال الحلم على الحقيقة وظفـْر الخيال من الواقع


باسم زكريا السمرجي

17/11/2010

اللقاء الثاني

بالأمس كان اللقاء وكأن الأيام بيننا قد توقفت عن ممارسة ما اعتادت عليه من استئصال العشق من قلوب العشاق بمهارة وهدوء. بالأمس كان اللقاء وقد تداعت على عتبات نظراتها كل احتمالات الصمود. لم يقدر عليها الزمن. مازالت هي تلك الإشراقة العفوية لشمس رقيقة تحملها جناح الريح الحانية لتطوّف بها فتقتبس كل الموجودات من سناها الأبدي. مازالت هي تلك الطلـّة الخجول لذلك القمر المتدثر بأوراق الشجر حتى يزيد غموضُ ما اختفى منه جمالَ ما انكشف. إنها مازالت تلك التي إن تجلـّـت في الشمس كان منها الإشراق لا الإحراق وإن تجلـّـت في القمر كان منه الاختباء لا الاختفاء. وأنا مازلت أنا، أو ربما لم أزل، تغير فيّ كل شئ سواها. أسرع فيّ كل شئ لأحكام الزمان بالخضوع إلا قلبي الذي تحصن بالضلوع.

ثم ماذا بعد؟ كما كان قبل. يتطاول الزمان حتى يكاد يداني قطاف انتصاره، حانت منها التفاتة تعيد الزمان مسرعا إلى جحوره يجر أذيال انكساره



باسم زكريا السمرجي
19/11/2010

لماذا أكتب

لماذا أكتب؟ لا أدري حقا. هل هي حالة التوحّد التي تنشأ بين الكاتب والمكتوب حيث يقيد التجربة بقيد الأوراق ليطلقها من شاطئ الواقع إلى عباب الخيال تحملها سفن اللغة؟ هل هو صوت صرير القلم الشجي الذي يكاد يبزّ -إذ يبث شكواه نغما بين الناس - صوت نزف الناي ؟ أم تلك الحالة من النشوة التي يعتلي صهوتها الفؤاد فينطلق في فضاء الفتوحات الربانية يكتشف أسرار اللغة التي اصطفاها الله، يعيد بحرية ترتيب الأشياء، فالشمس يفصل بينها وبين التوقف عن الإحراق بعض الحروف والقمر يتمنّع على التناقص بلمحة من القلم؟ أم أن اصطياد التجارب المحلقة في سماء الذاكرة الضبابية واستدراكها لشراك الأوراق يُسهّل استدعاءها فيما بعد إن طلبها حنيني للذكريات؟ فرغم سنين عمري الثلاثة والعشرين أتـّقي برد الواقع بدثار من خيوط الحنين إلى ذكريات عشتها حتى إذا نفذت الذكريات والحقيقة لا تزال تلفح الفؤاد ببردها لجأت إلى خيوط الشوق إلى ذكريات لم أعشها، ويظل قلبي هكذا في مخضة الذكريات تراوحه دفعة حانية من كف فلاحة سمراء بسيطة بين الشوق والحنين، حتى يصعّد في ركام الحاضر إلى أن يرتقي إلى سماء الأحلام التي تقف قيود التوقيت على أبوابها خاشعة لا تقدر على التقدم وإلا احترقت. أم أن ما مايدفعني إلى الكتابة هو الالتزام الذي تفرضه الكتابة على الكاتب بالانتباه لكل ما حوله من الموجودات وتجاوز كياناتها المادية البرّانية والغوص في مكنوناتها الجوّانية للظفر بأسرارها الربانية؟ أم هو كل ذلك؟ أم هو لا شئ من ذلك؟ لا أدري. وعلى العموم لا يهم المهم أنني الآن أكتب



باسم زكريا السمرجي

15-11-2010

الأربعاء، 10 نوفمبر، 2010

تجربة البرادعي التي لابد أن تنتهي

هي محاولة مجتهد يعزيه في فوات الأجرين – إن أخطأ – تحصيل أجر المجتهد المخطئ، لا يدفعني إلى تلك المحاولة إلى حب تلك الأرض التي – ورغم كل شئ – عليها ما يستحق الحياة.

نصف قرن من الزمان – أي منذ قيام ثورة يوليو – غابت فيها الممارسة الديمقراطية عن الشعب المصري أو غاب الشعب المصري عنها، ولكن خفف من وطأة ذلك الغياب وأخفى بعضا من آثاره وجود مشروع القومي التحرري منذ قيام الثورة والذي فرض على الحكم بعض الممارسات الوطنية، وألهم أفراد الشعب التخلي قليلا عن ذواتهم و العمل من أجل قيمة الوطن. ولكن منذ بدابة خفوت صوت المشروع القومي – أي منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 – لم يبق للشعب المصري غير الاستبداد لا يردّه رادّ. وظلت أصوات الاستبداد تتعالى في مقابل خفوت الصوت القومي التحررى حتى تم اختصار إرادة مصر السياسية في حدودها الجغرافية وتحول المشروع القومي من السد العالي وبناء المصانع و تصنيع الأسلحة والمعدات الثقيلة على المستوى الداخلي، والدعوة إلى الوحدة العربية ومقاومة الصهاينة على المستوى الخارجي، تحول ذلك المشروع إلى مشروعات الطرق والكباري والصرف الصحي على المستوى الداخلي، وكيفيه مواجهة الخطر الشيعي و إرهاب حماس على المستوى الخارجي!!. وصاحب ذلك بالطبع عجز الدولة سياسيا مما استلزم تصاعد القوة الأمنية حتى صار الجهاز الأمني هو الجهاز المركزي المحرّك والمسيطر على جميع أجهزة الدولة.

كان المشهد السياسي في مصر يتكون من الحزب الوطني الحاكم، وأحزاب المعارضة التي إما كرتونية وإما نخبوية، بالإضافة إلى حزب الأغلبية الصامتة الذي لم يتوجه إليه أحد بالخطاب. لذلك كان لابد من صعود نجم حركة كفاية عام 2005 فلقد استنبتت نفسها من تربة الشارع المصري – التي لم يحوّلها تطاول الأمد عليها إلى أرض بور – وهي بذلك اكتسبت زخما كبيرا لم تكتسبه القوى المعارضة الأخرى التي لم تستطع أن تتوجه يوما إلى الشارع الذي هو ميدان العمل الحقيقي لكل السياسيين. غير أن حركة كفاية – كأي حركة رد فعل – غابت عنها الرؤية الجامعة التي تـُفضي إلى وضع خطط قصيرة وطويلة المدى يعمل الجميع وفقا لها حتى يصلوا إلى الهدف. أدي غياب تلك الرؤية أن يعمل الجميع وهم يحلمون بان النظام سيسقط غدا، ولمّا لم يحدث ذلك – وما كان ليحدث بالطبع – دخل الإحباط نفوس أفراد الحركة مما أدى إلى التخبط الذي أدى إلى انتحار التجربة. بقى أن نشهد لحركة كفاية بدورها البارز في تحريك المياه الراكدة ونشر ثقافة الاحتجاج في الشارع المصري بجوار إسهامها البارز في رفع سقف النقد حتى يصل إلى رئيس الجمهورية نفسه.

ثم بعد حركة كفاية انطلق في السماء نجم شباب 6 أبريل من الشارع أيضا ولكن هذه المرة من شارع الشباب وفضائه الإلكتروني لتنجح – بأساليبها المبدعة – أن تحشد شباب مصر عام 2008 بشكل غير مسبوق للمشاركة السياسية حتى وأن كانت تلك المشاركة بالتعاطف أو المتابعة. ثم لحق بشباب الحركة ما لحق بحركة كفاية ونضب معين الإبداع لديها وصارت تكرر نفسها مما أفقدها ميزتها النسبية – وهي الإبداع – وأدى بها إلى الفشل الذي أفضى إلى الإحباط ثم الدوران في نفس تلك الدائرة المفرغة التي دارت فيها كفاية من قبل.

هكذا كان الوضع قبيل ظهور الدكتور البرادعي
.

· جماهير أغلبها من الشباب بدأت في– على أقل تقدير- متابعة المشهد السياسي.

· نشطاء هدّهم الإحباط فتفرقوا إلى:

o فريق لجأ إلى طرق أبواب الغرب بحثا عن الحل الذي لن يأتي.

o وآخر أدمن الإحباط والألم – إما لمرض نفسي أو عيب عقلي – فاستمر في تكرار ممارساته التي أدت إلى الإحباط الأول بحثا عن إحباط جديد!!

o وهناك فريق استأنف العمل السياسي وهو فاقد للأمل، فصار يقوم بعمله كموظف الحكومة التقليدي يوقع في دفتر الحضور والانصراف، في المظاهرات أو سيارات الترحيلات.

· نشطاء ظلوا متمسكين بالحلم يسعون من أجله – على غير هدى – رغم الإحباطات متفائلين بغد أفضل.

· قبضة أمنية محكمة حلــّت تماما محل كل الحلول السياسية التي كان بإمكان النظام تقديمها لقوى الاحتجاج.

· الطرف الثالث وهم الأغلبية الصامتة التي تستميلها قوى المعارضة إلى المشاركة السياسية بخطابها، وتدفعها عن المشاركة السلطة الأمنية بقبضتها. وظلت حالة التعادل تلك بين خطاب قوى المعارضة وقوة القبضة الأمنية تفرض على ذلك الطرف الثالث أن يقف مشاهدا في انتظار الذي لن يأتي.



ثم بدأ الدكتور البرادعي في الظهور. بدأ على الساحة "الفيسبوكية" ثم أتى إعلانه عن نيته في الترشح لرئاسة الجمهورية لينقل ذلك الظهور على أرض الواقع، وتقبلت الجماعة الوطنية في مصر ذلك الظهور بترحاب شديد فالبرادعي 2010 مثل كفاية 2005 أتى ليكمل ما كان ناقصا في المشهد السياسي المصري وهو وجود البديل فلقد كادت أبواق الذين يدّعون ليل نهار أنه لا يوجد بديل عن الأب سوى الابن أو الاخوان أن تصمّ آذاننا، ولكن البرادعي أتى من حيث لم يحتسبوا ليطرح بقوة إمكانية وجود البديل من خارج ذلك المثلث (الأب – الابن – الإخوان ) بل من خارج المشهد السياسي تماما الذي تعمّد النظام تعقيمه منذ زمن طويل.

ظل ذلك الحشد في تزايد حتى وصل إلى ذروته يوم عودة الدكتور البرادعي إلى مصر يوم الجمعة 19/2/2010 وخروج المئات لاستقباله إن لم يكن الآلاف من مختلف طوائف الشعب المصري نخبته وعوامه، شيوخه وشبابه، نشطائه – الذين اعتادوا الخروج في مثل تلك التظاهرات – وشبابه العاديين – الذين كان ذلك الخروج الأول من نوعه لهم. خرجوا كلهم في مشهد مهيب كتب عنه الدكتور علاء الأسواني في مساحته الأسبوعية بجريدة الشروق يوم الثلاثاء 23/2/2010 مقالا بعنوان "مصر التي استيقظت". ومع الأمل الذي بثّته مهابة ذلك المشهد تم التجاوز عن مرور الدكتور البرادعي بسيارته مسرعا مخترقا ذلك الحشد دون أن يخرج ملوّحا لتلك المئات التي هتفت باسمه طوال النهار. فلقد كان الأمل كفيلا بغض النظر عن تلك الصغائر.

ثم بعد يوم المطار أتت حلقة العاشرة مساء يوم الأحد 21/2/2010 التي استضافت فيها منى الشاذلي الدكتور البرادعي في حلقة كانت خير دعاية لمشروع الدكتور البرادعي للتغيير، ولقد أتت ثمارها على أكمل وجه ويكفي أن نتابع معدل تزايد المنضمين لمجموعته على "الفيسبوك" بعد الحلقة، ذلك المعدل الذي بلغ 50 عضو في الثانية في بعض الأوقات. وبجوار معدل ازدياد أعضاء مجموعته على الفيسبوك ظل معدل شحن الأمل في ازدياد مضطرد حتى كتب عنه الدكتور محمد المخزنجي في جريدة الشروق يوم الخميس 11/3/2010 مقالا بعنوان "شجاعة الوداعة" يشبه فيها الدكتور البرادعي بغاندي.

ثم توجه رجال من خيرة النخبة الوطنية يوم الثلاثاء 23/2/2010 إلى منزل الدكتور البرادعي ليعلنوا من هناك تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير تحت رئاسته في تخلٍ أنيق عن الذات.

كل ذلك كان تمهيدا كفيلا بدفع مشروع الدكتور البرادعي إلى مقدمة المشهد وقد حدث ولكن لم يستثمره الدكتور البرادعي سياسيا بشكل سليم نظرا لتركيبته الشخصية كموظف مرموق لم يمارس السياسة بشكل مباشر بل ظل يعمل في أروقة الدبلوماسية الأنيقة طوال سنين عمره المديد، كما قال عنه أ. وائل قنديل في عموده بجريدة الشروق يوم الاثنين 8/11/2010

كانت كل تصرفات الرجل وتصريحاته تشي بتلك الطبيعة، غير أن سَكرة الأمل كانت دوما تُعمينا عن رؤية الحقيقة وتجعلنا نقرأ ما بين سطور الرجل ما كنا نتمنى أن يُصدِّر به سطوره نفسها. وآن الأوان الآن – بعد أن أعلن صراحة أنه لن يترشح لانتخابات الرئاسة وأن الرئيس القادم من الحزب الوطني – آن الأوان أن نعيد النظر في خسائر الدكتور البرادعي التي بدأت – في رأيي – بخسارة 6 أبريل. فشباب 6 أبريل المتـّـقد بالحماس وحب الوطن توقّع أن تكون مظاهرتهم السنوية ذلك العام مختلفة حتى وإن لم ينزل فيها الدكتور البرادعي – في قرار حكيم – فسوف يتلقون دعما معنويا منه وهو ما لم يحدث إلا على "تويتر" بجملته الشهيرة "إنه لأمر مشين" التي أصبحت مثارا للتندر والسخرية!! ليس ذلك فحسب بل إن منسق حملته الشعبية – الأستاذ الشاعر عبد الرحمن يوسف – أعانه في تحقيق تلك الخسارة الفادحة بأن كتب مقالا على الفيسبوك مهاجما لشباب 6 أبريل بعنف ونُشر المقال والشباب في الشارع يتلقون بشجاعة "مفرطة" هراوات الأمن المركزي. فكان طبيعيا أن ينفصل شباب 6 أبريل عن دعم الدكتور البرادعي وينسحبوا تماما من مشروعه مما أفقده قوى كبيرة كانت – إن تم توظيفها بشكل صحيح – ستكون رأس الحربة للتغيير في مصر.

خسارة أخرى خسرها الدكتور البرادعي بدون معونة من أحد وهي خسارة النخبة التي ارتضت أن تتخلى عن ذاتها و تعمل تحت رئاسته. واستبدل بهم الشباب. بالطبع التوجه للشباب والاتكاء عليهم محمود لكن الاستغناء بهم عن غيرهم – أمثال الدكتور حسن نافعة و الدكتور عبد الجليل مصطفى والأستاذ حمدي قنديل والدكتور علاء الأسواني والأستاذ جورج إسحق الذين ذبحوا ذواتهم على عتبات الدكتور البرادعي – مردود. وكذلك فقد الدكتور البرادعي كثيرا جدا من رصيده المعنوي الذي كان كفيلا بترسيخ مشروعه في قلوب الشعب المصري.

غير كل ذلك، فإن ما يحسب للدكتور البرادعي أنه أدخل إلى آتون المعترك السياسي فصيلا جديدا ونوعية جديدة من النشطاء وهم نشطاء الحملة الشعبية المستقلة لدعم البرادعي ومطاب التغيير الذين كان انضمام أغلبهم للحركة أول احتكاك مباشر لهم بالعمل السياسي. هؤلاء النشطاء "يتميزون" عن جميع النشطاء بنقص الخبرة السياسية، فأغلب الخبرة السياسية في بلدنا خبرة سوء قادت الكثير إلى الإحباط والتفتت، يتميز هؤلاء النشطاء الجدد أيضا بالتحقق الشخصي، فابتعادهم عن السياسة – مع قدراتهم الشخصية – أتاح لهم أن يرتقوا سلم النجاح الشخصي فنجد منهم المتفوقين أكاديميا وحاملي الماجستير والدكتوراة ونجد منهم أصحاب الأعمال والتجارات. وهذا التحقق الشخصي كان له دور كبير في أن يعملوا في السياسة باستقلالية تامة التي – مع مهاراتهم الشخصية وقدراتهم الإبداعية والإدارية – تمكنـّهم من إحداث التغيير.

إن الفرصة التاريخية التي أتيحت للدكتور البرادعي – وليس لمصر – أن يحتفظ التاريخ باسمه كنقطة تحول في تاريخ مصر بل وفي تاريخ الوطن العربي ككل ضيعها هو ولا يصح لنا أو لشباب الحملة أن يظلوا متعلقين بأذيال ثوبه فلقد ارتضى الرجل أن يكون "رقما" مضافا إلى المطالبين بالتغيير بمصر وفقط ، ولا يصح للمتحمسين للحملة أن يكونوا "رقما" مضافا إلى المحبطين في مصر، بل إن مسؤوليتهم تجاه أنفسهم وتجاه وطنهم تحتم عليهم أن يعدلوا المسار وينضموا للجماعة الوطنية بفكرهم الجديد – طبعا ليس كل فكر جديد متشابها – وإمكاناتهم اللا محدودة وتكون مجهوداتهم نحو جمع شتات القوى الوطنية خلف المطالب السبعة للتغيير ويكون دور الدكتور البرادعي معهم هو الدور الذي ارتضاه هو لنفسه – منظــِّـرا وداعيا للتغيير – لا ما تمنيناه له. فلقد اكتفى الدكتور البرادعي بدور "مولانا الوالي" في مسرحية "صح النوم" للسيدة فيروز، الذي كان ينام شهرا ثم يستيقظ ليُنفذ ثلاث معاملات لشعبه. ولا أود لشباب الحملة أن يكون دورهم هو دور "زيدون المستشار" – الذي لم ينفك يبرر ذلك النوم للشعب – وأرجو أن يكون دور شباب الحملة هو دور "قرنفل" التي سرقت الختم من الوالي وظلت هي تختم المعاملات وتنفذها في أثناء نوم الوالي ليصحو الوالي ويجد الساحة "اتغيرت واتعمرت"

عاشت مصر حرة للمصريين وبالمصريين




باسم زكريا السمرجي
10/11/2010

الأحد، 7 نوفمبر، 2010

نظرة إسلامية بين القومية والعولمة

إنَّ الكلمة المجرَّدة لا تعدو كونها حروفًا تصطفّ في ترتيبٍ معيّن ولا تكتسب معنى حقيقيًّا بذاتها، بل تأتي المناهج التفسيريَّة لتأوِّل الكلمة وتحوّلها من “كلمة” إلى “مفهوم”. والمناهج التفسيريَّة تختلف باختلاف المنطلقات الفكريَّة والثقافيَّة لأصحابها، ولا يخفى على أحد أنَّ القويّ هو من يفرض مناهجه التفسيريَّة، و يتلقَّاها الضّعيف بموضوعيّة متجرّدة على أنّها “علم” يَحتفي به، ويـُــنـَظـِّرُ له، ويجعل منه مركزًا لتفكيره. والمشكل ليس في أنَّ المناهج التفسيريَّة للغرب – وهو القويّ الآن – تستبطن النفعيَّة الماديَّة والنّظرة الاستعلائية لباقي البشر، المشكل في من يُذعنون ويرضون أن يكونوا مسوخًا حضاريَّة تتخلّى عن نفسها, وهي تظنّ أنَّها ستحلّق في سماءِ الغرب الرحيبة, فيهوون في أخدوده السَّحيق ضائعين منزوعي الشخصيَّة.

من تلك المفاهيم التي يدور حولها كثير كلام, تلك المفاهيم التي تتعلق بالإجابة عن السؤال الأزلي “من أنا؟” وأتناول في هذا المقال تناولاً مبسِّطًا مفهومي القوميَّة والعولمة, وأين – في رأيي – يقف الإسلام عقيدةً وحضارةً من هذين المفهومين.

القوميَّة

لكي نتناول مفهوم القوميَّة الذي يمثِّل الهويَّة الجماعيَّة، لابد أن نبدأ بتناول مفهوم الهويَّة الشخصيَّة، ولا أود أن أشغل القارئ بتعاريف الهويَّة في المعاجم العربيَّة والإنجليزيَّة، فهي إن تعدَّدت تتَّفق فيما عبّر عنه ابن حزم في كتابه “الفصل بين الملل والنّحل” بقوله: “إنَّ كلّ ما لم يكن غير الشيء فهو هو بعينه, إذ ليس بين الهويَّة والغيريَّة وسيطة يعقلها أحد البتة, فما خرج عن أحدهما دخل في الآخر ولا بد“, فأنا هو أنا ولا يمكن أن أكون غيري. وإن أردنا التعبير عنها بصيغة رياضية نقول أنَّ: “أ” هو “أ” ولا يمكن أن يكون غير “أ”, وهنا نرى أنَّ الهويَّة هي ما تخلق ثنائيَّة “أنا” في مقابل الآخر.

وبقدر بساطة وجمود مفهوم الهويَّة الشخصيَّة الذي يستعصي على التأويل، بقدر مرونة مفهوم الهويَّة الجماعيَّة الذي يستجيب للتأويل بل يستوجبه أيضًا، لذلك نجد تأويلات متعدّدة لهذا المفهوم, اخترت منها ما يربط الهويَّة بالذاكرة.

فالهويَّة الجماعيَّة “القوميَّة” هي محصّلة الذّاكرة الجماعيَّة لأناسٍ بينهم مجموعة من العوامل المشتركة مثل الأرض أو اللغة أوالدين أو اللون…إلخ.

وأقول أنَّ العقل البشري بطبيعته ليس عقلاً متلقيًّا موضوعيًّا بل هو عقل متحيّز يعمل بشكل انتقائي يكبـّر ويصغـّر ويـُـبرز ويستبعد. والذاكرة فرع على العقل فهي بالتالي ذاكرة انتقائيَّة أيضًا، والذاكرة الجماعيَّة – حين تؤسس لهويَّة جماعيَّة تثبت ذاتها وتطرد عنها الأغيار – تتجوّل في تاريخها لتنتقي منه أيّام عزّها ومجدها, وتنتقي منه ما تؤسس به دعائم هويتها، وتنظّر لفترات اندحارها وهزيمتها كفترات طارئة عليها. وهي تظل تستدعي تلك الهويَّة طوال الوقت خاصّة في أوقات الضّعف والهزيمة، لذلك يكثر الحديث عن الهويَّة في عالمنا العربي الإسلامي.

والهويَّة كما رأينا مفهوم استبعادي يحدد كنه الشيء ويطرد عنه ما ليس منه. وبداية ظهور الحديث عن القوميَّة كان في عصور التنوير الأوربي وتبدّت تجلياته في الثورة الفرنسية (1789 – 1799), ومن قبلها حرب الاستقلال الأمريكية (1775 – 1783)، ولم يكن ظهور ذلك المفهوم في تلك الأثناء مجرد ظهور بل كانت الدوافع القوميَّة هي المحركة للحدثين الهامين (الحرب الأمريكية والثورة الفرنسية)، فكان ظهور مفهوم القوميَّة كرد فعل مقاوم للأوضاع في أوربا في ذلك الوقت ونرى ذلك في مفهوم القوميَّة عند روسو (1712 – 1778) الذي يعبّر عنه بأنه التفاعل بين الشعب وعدو له ودور العامل العسكري في ذلك.

وبعد أن انطلقت القوميَّات كحركة مقاومة وبعد أن تغلَّبت على السلطة الكنسيَّة المهيمنة على أوربا، بدأت في الانقلاب على نفسها فكانت سببًا لحروب طويلة بين قوميَّات أوربا المختلفة تلك الحروب التي كان من نتائجها مثلا تفتّت الإمبراطوريّة النمساويّة. وهي لم تكف بالبقاء داخل أوربا بل امتدت لتتخطى الحدود الجغرافية لأوربا وتصير سباقًا في الاحتلال حتى أنكر جان فرنسوا ليتوارد (1924 – 1998) مفهوم القوميَّة باعتباره من مخلفات الجوانب المظلمة لعصر التنوير بينما ذهب الاقتصادي الأمريكي الكندي جون كينيث جالبرت (1908 – 2006) إلى الربط بين فرص السلام والقضاء على القوميَّة.

ولم يكن ذلك الحال في الغرب فقط بل نقل العدوى إلي شعوب الشرق والجنوب الاستعمار الغربي. وانطلقت في آسيا وأفريقيا الحركات الانفصاليَّة، وفي الوطن العربي انطلقت دعاوى الانفصال عن الخلافة العثمانيَّة – التي لسنا بصدد تقييمها ولا تقييم نظام الخلافة ككل الآن – وتأسَّس مفهوم القوميَّة العربيَّة لا لتجميع العرب – فالعرب كانوا متجمعين تحت راية الخلافة – بل لفصل العرب عن العثمانيين كخطوة أولى لتفتيت الوطن العربي ذاته إلى دول صغيرة يسهل النيل منها، وهذا ما فعله بنا الاستعمار الغربي قديمًا وتعيد الكرّة علينا الآن الإمبريالية الأمريكية عن طريق دعم تقسيم تلك الدول إلى دويلات تتخذ من القوميَّات العرقيَّة والمذهبيَّة والدينيَّة مبررًا لها.

وأرى هنا استطرادًا لا بد منه، فالدول العربيَّة والإسلاميَّة تحمل ذاكرة جماعيَّة وبينها مشتركات ثقافيَّة وفكريَّة وعضويَّة أيضًا تسوّغ الحفاظ على القوميَّة الإسلاميَّة غير أنَّ الاستعمار فرض على ذاكرتنا الجماعيَّة ما تبرزه وما تستبعده وما تنتقيه لـتـُـنـَّـقيه مما يـُتصَّور أنه ليس فيه، فمصر فرعونيَّة والعراق آشوريَّة والسودان إفريقيَّة و لبنان فينيقيَّة… إلخ.

العولمة

والعولمة هي مذهب سياسي واقتصادي يهدف إلى إزالة الحدود بين الدول وتحرير نقل البضائع ورأس المال من دولة إلى دولة, كما أنَّه ينطوي على بعد ثقافي أيضًا حيث يتفاعل بنو البشر مع بعضهم البعض ويفيدوا من ثقافاتهم المختلفة. والعولمة بهذا المفهوم أراها فطرة في الإنسان فالإنسان يميل إلى معرفة أبناء جنسه والتعرّف على ثقافاتهم المختلفة والتفاعل معها تأثيرًا وتأثّرًا، فرغم اختلاف الشعوب والثقافات إلا أنَّ الإنسان يبقى إنسانًا في كل مكان وزمان.

أما العولمة التي نحياها الآن ويرتبط بها “النظام العالمي الجديد” فهي آخر ما توصَّل إليه علم الاستعباد الحديث من آليَّات لتركيع الشعوب وهو – أي النظام العالمي الجديد – أداة الإمبرياليَّة الجديدة لتسخير الشعوب, ولقد أغناها – إلى حدٍ كبير – عن استخدام السلاح والحروب المباشرة التي لا يكتب لها فيها النجاح دومًا.

فذلك النّظام العالمي الجديد الذي يبدأ نظامًا اقتصاديًّا تسود فيه “قِيَم” رأس المال، وتصبح هي المحرّك الرَّئيسي للعالم، وتصير تلك القيم هي معيار النَّجاح والتقدم على المستوى الفردي والجماعي والوطني. وأصبحت المنفعة الماديَّة هي المطلق وكل ما حولها نسبي يُقاس مدى فاعليته بمدى إسهامه في تحقيق تلك المنفعة. وبهذا تنتقل العولمة من عولمة “أوراق بنكنوت” إلى عولمة ثقافيَّة تسود فيها المنظومة القيميَّة للقويّ ويضع هو معايير الصّواب والخطأ، والتقدّم والتخلّف، فيصير هو مركز العالم وفي إرضائه يتنافس المتنافسون.

وبذلك تتماهى الهويَّات جميعها وتصير صيرورات تفضي كلّها إلى الهويَّة الأمريكيَّة الحديثة ويُنظر إلى كل الحضارات السابقة كمحاولات ثوريَّة ظلت تسير على خطٍ مستقيم, ولابد أن تبلغ في النهاية النموذج الأمريكي.

وهذا ما طرحه المفكِّر الأمريكيّ “فرانسيس فوكوياما” في كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الخاتم” والذي نشر عام 1992, حيث بشَّرَ بسيادة الديمقراطيَّة الليبراليَّة الأمريكيَّة لتكون هي طريقة الحكم في العالم كله. وينكشف لنا تلقائيًّا ما في هذه النظريَّة من عنصريَّة غربيَّة, و”داروينيَّة” ثقافيَّة وحضاريَّة, تزدري الآخر وتسلب الإنسان خصوصيَّته الثقافيَّة الحضاريَّة وتحوّله إلى مجرّد “كائن حي” أحادي البُعد ماديّ النًَّزعة. ولا ألوم الغرب في ذلك قدر لومي لمن أذعن وتخلَّى عن ذاته وارتضى أن يكون مسخًا حضاريًّا لا معالم له.

المفارقة أيضًا في ذلك النظام العالمي الجديد أنَّ في الوقت الذي تتَّحد فيه قوى الغرب و”يتعولم”، يتفتَّت الشَّرق والجنوب بدعم ومباركة من الغرب وما العراق والسودان عنا ببعيد، ولا يعوز ذا لب مزبد بيان ليعرف الكامن وراء تلك المفارقة.

نظرة إسلاميَّة

قبل أن أبدأ في طرح تلك النَّظرة الإسلاميَّة أودّ أن أبيّن أمرين. الأمر الأوَّل هو أنَّ ما سوف أطرحه وجهة نظري، أبذل جهدي لأدعم أركانها غير أنَّها تحتمل الصواب والخطأ والنقد بل والنقض أيضًا. الأمر الثاني أنَّني أحاول أن أتجاوز في هذا الطرح ما يقع فيه كثير من الناس الآن حينما يتناولون قضايا الفكر الإسلامي، حيث يجعلون نصب أعينهم المواءمة و”تحسين صورة الإسلام عند الغرب”. أحاول أن أتجاوز هذا الفخ وأن أنطلق من منطلق إسلامي خالص عقيدة وحضارة.

يقف الإسلام – في رأيي – في المساحة المتوسّطة بين مفهومي العولمة والقوميَّة, فالقرآن يقرّ وحدة الجنس البشري, واشتراك البشر جميعًا في الأصل الواحد فالله عز وجل يقول: “يا أيَّها النَّاس اتَّقوا ربَّكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلقَ منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونساءً واتَّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنَّ الله كان عليكم رقيبًا”, ويقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تقريرًا لنفس المعنى:”النَّاس بنو آدم وآدم من تراب”, ويقرّ القرآن أيضًا الاختلاف بين بني البشر, حيث يقول الله عز وجل: ” يا أيّها النَّاس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إنَّ الله عليم خبير”.

وبالنَّظر إلى النصوص السابقة، نجد أنَّ الإسلام حين أقرّ المفهومين قيَّد أحدهما بالآخر, فنحن وإن كنّا نشترك في الأصل الأوَّل لابد أن نعترف أنَّ تراكم التاريخ السحيق على كل شعب معيّن عاش في مكان معين اقتضى خصوصية ثقافية واختلافا حضاريا بين كل شعب وآخر. غير أنَّ ذلك الاختلاف لا يستلزم خيريّة لشعب على آخر أو لثقافة على أخرى، فمعيار التَّفاضل الوحيد هو التقوى, والحكم فيها لله عز وجل لا لأحد غيره والجائزة عليها في الحياة الآخرة. وقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: “يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى” خير بيان، فلقد أقر وحدة الأصل (الأب) وأقر أيضًا الاختلاف بين العربي والعجمي والأحمر والأسود وبيـّن معيار التفاضل.

إنَّ دعوة الإسلام دعوة عالميَّة حيث يقول الله عز وجل: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”, وقال ربعي بن عامر – معبِّرًا عن جوهر الرسالة الإسلاميَّة – لرستم قائد الفرس: “إنَّ الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”. فالإسلام – في رأيي – منظومة أخلاقيَّة قيميَّة تسمو على كل الهويات, ولا أرى ما يجب أن نسميّه “هويَّة إسلاميَّة”, فحضارة الإسلام احتوت الهويَّات جميعها من غير أن تفرض عليها نمطًا معيَّنًا تقلده.

ولتبسيط المعنى نشبِّه الهويَّة بالدَّوائر, وأقول أنَّ الهويَّة دائرتان. دائرة صغرى مركزيَّة ودائرة كبرى. الدائرة الصغرى هي الأصل الواحد المشترك بين جنس البشر, وهي الفطرة السليمة التي يشترك فيها الناس جميعًا، والدائرة الكبرى هي ما طرأ على تلك الفطرة وما غلــّـفها من مظاهر – تختلف من شعب لآخر – أورثها تراكم التاريخ.

والقوميَّة والعولمة لا تريان تلك الدائرة المركزيَّة فالقوميَّة تعتمد الاختلاف بين الدوائر وتجعله مسوغًا للفصل التَّام بين الهويَّات بل والتفاضل أيضًا، والعولمة الغربيَّة – مع تجاهلها للدائرة المركزيَّة – لا تعتبر وجود دائرة خارجيَّة مكتملة إلا الدائرة الغربيَّة, وتنظر إلى الدوائر الأخرى على أنها غير مكتملة ولم تكن إلا إرهاصات للدائرة الغربية.

بينما يرى الإسلام الدائرتين، وحين تـَعامل تعامل مع الدائرة الصغرى، فرسالته أن يُرَدَّ الناسُ جميعهم إلى أصلهم الإنساني دون فرض قالب محدد عليهم، لذلك لا يوجد شكل معين لزيّ إسلامي – بعد أن يستر العورة -, ولا يوجد رجال دين أو كهنوت في الإسلام, إنما الاجتهاد في الدين حق لكل مسلم أن يتحصل على متطلباته.

ونظريَّة نهاية التاريخ أرى لها جذورًا في الإسلام, حيث قال صلى الله عليه وسلم: ” ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار, ولا يترك الله بيت وبر ولا مدر إلا دخله هذا الدين, بعز عزيز أو بذل ذليل, عزًا يعز الله به الإسلام, وذلاً يُذل به الكفر”, ولكن الفرق بين “عولمة” الغرب و”عالميَّة” الإسلام هو أنَّ عولمة الغرب نفعيَّة ماديَّة تقتضي سيطرة القوي – الذي يملك رأس المال – على الضعيف, بينما عالمية الإسلام عالمية أخلاقية وقيميّة لا سيادة ولا فضل فيها لأحد على أحد. وكما كانت حروب الغرب حروبا استعمارية احتلاليَّة كانت غزوات دولة الإسلام غزوات تحريرية كما قال د. جمال حمدان في كتابه “استراتيجية الاستعمار والتحرير”.

نسأل الله أن يحرّر عقولنا وقلوبنا وأن يبصّرنا بحقيقتنا..


باسم زكريا السمرجي

27/10/2010

الأربعاء، 6 أكتوبر، 2010

معابد النصر وصخور الهزيمة ... بقلم نهى خالد

"في الحرب ... الحقيقة هى الضحية الأولى" ... إسخيلوس (كاتب مسرحي إغريقي(

"
قمة المهارة ليست في تحقيق مائة إنتصار، ولكن في إخضاع العدو بدون قتال" ... سون تسو (فيلسوف وضابط ومخطط عسكري صيني قديم(
-----------------------------------------------------------

وحده كان يعلم حجم النصر وحجم الهزيمة. هو فقط دوناً عن غيره من البشر، كان يعلم الحقيقة الكاملة. تقدمت جيوشه شرقاً وإنطلقت في طريق النصر وما إن بدأ يكتب تفاصيل الملحمة حتى إلتفت حوله جيوش العدو. كان هو قائد المعركة، كان هو المسؤول الأول عن قواته وما جرى لها، هو الذي ترك الفرق الثلاثة في الخلف متقدماً مع فرقته إلى الأمام، حتى سنحت الفرصة أمام العدو لإختراق الصفوف والإلتفاف عليه وضربه.

لم يكن على إستعداد للتخلي عن النصر المعنوي الذي حققه الجيش، ولكنه كان يعلم أنه في مأزق كبير قد يطيح به وبأحلامه في إستعادته للمدينة التي سلبوها منه. طعنت الجيوش المعادية، وفقد القائد المنتصر ثلث جيشه، وحوصرت أحلامه وجيوشه الثلاثة تتفرق وتُهزم في الصحراء وعلم أن أهداف معركته بدأت تبتعد بعد أن كانت تقترب.

كانت المدينة قد ضاعت وقت جلوسه على عرشه خلفاً لوالده، وكانت ذات أهمية شديدة وقد أوصى والده له بألا يتركها تضيع أبداً. وما هى سنوات بعد إعتلائه العرش حتى بدأ الملك الجديد يعد العدة للهجوم وإستعادة ما ضاع. تفانت جنوده في الولاء له، وساندته بعض الممالك المجاورة التي كسبها والده في صف المملكة. بدأت عربات الجيش المتقدم تدور أسرع وأسرع حتى وقفت بعد عبور النهر. وبعد العبور، وقف الجيش منتظراً أوامر الهجوم الجديدة.

لم تكن هناك أوامر هجوم جديدة غير تلك التي أعدها العدو والتي نفذها مفاجئاً بها فرق الجيش المنتصر. وصلت الأخبار إلى القائد ولم يكن يدري ماذا يفعل، تفرقت الفرق الثلاثة تماماً، ولم تعد سوى فرقته هو في الأمام. كان القائد محظوظاً للغاية، فقد أتته جنود إحدى الممالك الموالية للملكة تضرب معه منقذة إياه من هزيمة محققة ومشتتة جهد أعداء المملكة، إلا أن النصر الذي حققه الملك بالتقدم كان يعلم جيداً أنه لم يعطي شيئاً للمملكة سوى فرحة بين جنوده.

إستغرق الملك في التفكير، هل يسلّم بالواقع وينسى الوصية ويكتفي بالفرح أم يستمر في الطريق الطويل ويصارح الناس بكل التفاصيل. قرر الملك أن يستمر ويمضى، ونجح مجدداً في دخول المدينة، ولكنها ما لبثت تضيع من جديد. هذه المرة قرر الملك أن يسلم ويعود إلى العاصمة. قبل عودته، وقع الملك بيده اتفاقاً مع العدو يقر فيه بالتخلي عن المدينة، وحمل معه ما خطه بيده عن ملحمة النصر.

عندما عاد الملك إلى بلاده أخذ يزف إليها أنباء النصر المعظم الذي لم يكذبه أحد أو يسأل عن تفاصيله، فقد إبتهج الجميع، ومن يكره الفرحة ومن يكره النصر، ومن يطيق البحث والتنقيب عن معركة على بعد آلاف الأمتار ومزامير النصر في كل مكان؟ أخذ القائد المغوار يملي على أتباعه قصة الملحمة الكبرى وأخذوا يكتبون وينحتون على جدران المعابد. أقيمت معابد جديدة خصيصاً لتخليد ذكرى النصر، وصارت تعج بالقصص الملحمية عن جنوده وكادت حروفها تنطق بصراخ جنود أعدائه، الذين اكتووا بنار جيشه. أما في المدينة المسلوبة، فلم تُنحَت سوى المعاهدة المشؤومة على صخرة ليُسجل أول إتفاق سلام، أو إستسلام، في التاريخ، عام 1275 قبل الميلاد.

نص الإتفاق، رغماً عن وصية الأب، بأن تخرج مدينة قادش عن السيطرة المصرية، وتعهد مصر بعدم الدخول في أي جهد معادي للمملكة الحيثية أو العكس، واكتفى رمسيس بما نجح أبيه في الحصول عليه في فلسطين ولبنان اليوم، تاركاً سوريا تحت حكم الملك خظوشلي الثالث، ملك الحيثيين.
تعج معابد مصر بروايات رمسيس عن معركة قادش. أما إتفاق السلام الذي وقعه رمسيس الثاني، ثالث ملوك الأسرة الـتاسعة عشرة، بيديه ووقعه ملك الحيثيين، فيقول بغير ذلك.

لم يكتفي رمسيس فقط بالتنازل عن قادش، ولكنه نسب كل الجهود الحربية إليه وإلى جيشه، ونسي كل المجهودات التي أتته من الممالك المجاورة. فما قدمته المملكة الكنعانية في اللحظات الأخيرة، والتي من دونها لربما مات هو نفسه في المعركة لم يذكرها، ومملكة أمورّو التي ساندته في معركته الأولى التي وصل فيها إلى مدينة قادش قبل أن تلتف جنود الحيثيين وتطعنه من الخلف، كذلك لم يذكرها.

شيُّدَت المعابد، وكُتِبَت ونُحتَت حقائق وأساطير، وعبدت الجماهير، وظلت تعبد، ولا تزال تعبد إلى اليوم، في نفس المعابد، ولا تزال المعاهدات المشؤومة منحوتة على صخور الواقع، ولا تزال أقدام العدو تعيث على حدودنا كما تشاء، وستظل تعيث حتى تخرج الأمة من معابد النصر إلى ساحات القتال، وتستطيع أن تنحت إنتصارها على صخور الواقع قبل أن تنحتها على جدران المعابد.

نهى خالد

الثلاثاء، 21 سبتمبر، 2010

الدعاة الجدد بين تسليع الدين وتغريبه

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أما بعد ،


فلقد تناولت في مقال سابق بإيجاز خلافي مع الوهابية وتأثيرهم على المجتمع المصري. واليوم أتناول بإيجاز أيضا بعضا من خلافي مع تيار آخر من تيارات الدعوة الإسلامية وهو تيار دعاة الحداثة والتجديد في الخطاب الديني، الذين كان ظهورهم وانتشارهم في رأيي استجابة لحاجة للدين عند فئات معينة في المجتمع المصري لم تسدها أفكار دعاة الوهابية؛ فتلك الفئات كانت بحاجة إلى أفكار أكثر مرونة تأتي بالدين "الجينز" إليهم لا تدعوهم إلى الهجرة إلى "جلباب" الدين.

أولا – وقبل الدخول في تفاصيل الموضوع – أود أن أؤكد أني أقر أن في كل تيارات الفكر الإسلامي خير كثير، ومن الإنصاف ألا نتغافل عن ذلك إما بدافع الكره أو الحب، وهذا للأسف ما وقعت فيه حين تكلمت عن الوهابية في المقال السابق وأحب أن أتداركه الآن فأقول أن أفكار الوهابية – وإن كانت لا تــُـصلح الأمة – فهي الطريق الآمن للنجاة الفردية فلا أيسر من أن يشغل المرء نفسه لا بشئ سوى بإصلاح وضوئه وصلاته وصيامه واتباع أحد الآراء المعتبرة دون الدخول في معمعة الأهداف الكبرى من إصلاح ونهضة الأمة وما إلى ذلك. كذلك فإن الدعاة الجدد ما يحسب لهم أنهم غيروا صورة الداعية التي ثبتت في أذهان كثير من الناس، فنزعوا عنه العباءة واللحية وصار الداعية رجلا عاديا يلبس ما يلبسه الناس ويتحدث بلسانهم وهم بذلك أوصلوا الدين إلى فئات من المجتمع لم يكن ليصلها بدونهم.

أما إن تناولنا تلك الدعوة التجديدية بقدر أعمق من التحليل سنجد بعض الملاحظات أهمها أن أغلبهم – إن لم يكن جميعهم – لم يتربوا منذ الصغر تربية "الكتاتيب" ليكونوا دعاة أو علماء، إنما طرأ عليهم الاتجاه إلى مجال الدعوة وهم في شبابهم فانتقلوا إليه يحملون خلفياتهم العملية والعلمية والتربوية والتي – في الغالب – تتمحور حول التجارة و إدارة الأعمال فكان تناولهم للدين كتناولهم للسلعة التي يحاولون تسويقها في أوساط الناس، وهذا المفهوم بدلا من أن يحض الناس على أن يرتقوا في سلم التزكية هبط بالدين من علياء قداسته وأحاطه بكثير مما ليس فيه بحجة تأليف القلوب (الزبون عايز كده) فصار محور الدعوة الفرد/الزبون ورضائه عن الدين بدلا من أن يكون محور الدعوة هو الدين ومدى اتساق ممارسات ذلك الفرد مع تعاليمه. وإن كان تسليع الدين – أي تحويله إلى سلعة – أول العناوين الرئيسية التي سأتحدث عنها اليوم سنجد متفرعا منه بعض العناوين الفرعية التي يستوجبها تطبيق مبدأ "الزبون دايما على حق"

أول تلك العناوين الحب. وهو عنوان له جاذبيته "التجارية" ولذلك نرى أن كثيرا من أفكار برامجهم التليفزيونية وأسمائها تدور حول الحب "قصة حب" و "مدرسة الحب" وما إلى ذلك. والمعاني السامية كالحب حين يتم حوسلتها – أي تحويلها لوسيلة – لجذب الجمهور يتم ابتذالها وإفقادها مصداقيتها وإفراغها من مضمونها بل – نتيجة تلك الحوسلة – يبلى تأثير ذلك المعنى كمن يسرف في ارتداء زيه المميز حتى يفقد تميزه بل ويصير معيوبا أيضا، فنحن نجد الآن من يتحدث عن رومانسية النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقصة حبه والسيدة عائشة رضى الله عنها بطريقة لا يقبلها صاحب نخوة. و نجد أيضا من يتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أنه بدأ دعوته في غار حراء الذي يشبه "الحضن" وانتهت حياته صلى الله عليه وسلم في "حضن" السيدة عائشة رضي الله عنها وهكذا تصير الرسالة رحلة في "أحضان الحبايب".

عنوان فرعي آخر وهو دائم الرواج في جميع لعصور لاعتماده على مخاطبة مشاعر الجماهير التي تتعلق دائما بالغيبيات والروحانيات وذلك العنوان هو الصوفية وأنا لا أقصد هنا الصوفية التي هي الزهد في مظاهر الدنيا والتعلق بالله وحده عز وجل والسعي من أجل الآخرة وهو نهج السلف الصالح جميعهم وإمامهم وقائدهم رسول الله محمد – صلى الله عليه وسلم –

إن الصوفية التي أقصدها هي الصوفية السلبية التي ترضي الأمريكان عنا – ولقد قرأنا في إحدى الجرائد منذ شهر تقريبا عن اجتماع بين سكرتير السفارة الأمريكية بالقاهرة ومشايخ الطرق الصوفية وجاء فيه عن سكرتير السفارة أن نموذج الإسلام الصوفي يمثل الإسلام المقبول والمرحب به في الولايات المتحدة لكونه إسلاما وسطيا ومعتدلا – الصوفية التي أقصدها هي الصوفية التي اعتزلت الحياة والسياسة وانفصلت عن الواقع وخلقت واقعا افتراضيا مَنشؤه بعض شظايا عقيدة وحدة الوجود التي – بإيجاز – هي الإيمان بأن الله موجود في كل شئ في الكون وهو ليس منفصل عن خلقه مما يؤدي إلى نبذ فكرة ثنائية الخير والشر وتحويلها إلى أحادية فالله في كل شئ فكل شئ خير حتى وإن كان ظاهره شر ففي داخله يخفي الله. أنا لا أقول أن دعاة الحداثة من المؤمنين بعقيدة وحدة الوجود فلم يصرح أحد منهم بذلك ولكن دعاواهم فيها كثير من التأثر ببعض شظايا تلك العقيدة وهي باستبعادها لثنائية الخير والشر تبطل دوافع مقاومة الشر – الذي لا يوجد أصلا – بل إنها تدعو إلى التصالح معه.

أما العنون الفرعي الآخر فهو حديث شريف للنبي صلى الله عليه وسلم وهو " الدين يسر" وللأسف استخدمه إخواننا الدعاة في غير موضعه. فبعدما شحنوا الشباب بطاقات دينية كبيرة، وحينما أرادوا الإفراج عن تلك الطاقات تحايلوا على أولويات الأمة والمجتمع واتجهوا للإفراج عن تلك الطاقات في الأعمال التنموية التي تتركز في الغالب على التنمية الاقتصادية والتنمية الذاتية بدلا من الأعمال النهضوية التي تشمل أمور الدين والدنيا جميعها من عبادات وفكر وثقافة وسياسة واقتصاد...إلخ. وللأسف قنع الشباب بأن ما يقومون به هو طريق النهضة الحقيقية وهي ليست إلا نهضة منزوعة الدسم.

أمر آخر يأتي مع "تيسير الدين" وهو كيفية التعامل مع النية التي هي مناط صحة الأعمال جميعها في الإسلام فهم يستخفون بالنية ويتعاملون معها بطريقة برامج الأطفال "هيا بنا نلعب". وفي مسألة النية الحسنة يقول الدكتور محمد راتب النابلسي: "لا تكون تقليدا وهي محصلة معرفة الله، محصلة طاعته محصلة جهاد النفس والهوى محصلة الالتزام بأمره محصلة كل أعماله تتوجها هذه النية الحسنة أما أن نقلد نية حسنة ونحن لا نملك مقوماتها هذا شئ مستحيل"

العنوان الرئيسي الآخر غير تسليع الدين هو تغريب الدين أي محاولة المواءمة بين تعاليم ومظاهر الدين الإسلامي وبين "قيم" ومظاهر الحياة الغربية المتأثرة بحلقات متتالية العلمانية الشاملة. ولعلنا إن رجعنا إلى خلفيات الدعاة – الذين اضطلعوا بهذه الدعوة – التربوية والعلمية والعملية مرة أخرى نجد المسوغ لهذا المنهج وهذه المحاولات للتقريب بين الحياة الإسلامية والحياة الغربية ، فأغلبهم أو جميعهم من الذين تلقوا تعليما أجنبيا لسنوات طوال ومن المنطقي أن يتأثروا بهذا التعليم في دعوتهم.

وكحركة وقائية – حتى لا أتهم بمعاداة الغرب وبث رسائل الكراهية – سأقتبس عبارة من مقال سابق لي بعنوان حرية أم تحرير وهي " أود أن أوضح أنني لست ضد الأخذ من الغرب ولكني ضد التقليد الأعمى فما أتي بثماره في مكان ما ووقت ما، ليس بالضرورة مثمرا في مكان آخر ووقت آخر. كم أنني ضد أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون. فنحن لا نسير – ولا يجوز أن نسيرعلى نفس طريق الغرب ولكن طرقنا تتقاطع في بعض النقاط وتلك هي نقاط التعاون المثمر وتبادل الخبرات المفيد للطرفين" وللأس فقد اتخذت كثيرا من الدعاوى للتقريب بين الحياة الإسلامية و الحياة الغربية الحياة الغربية مرجعا لها ، فصرنا نأخذ من الغرب ثم نبحث عن المسوغات الإسلامية لما أخذنا بحيث يصير ما أخذنا له صورة إسلامية ترضينا وترضي الغرب في المقام الأول وهكذا صار الغرب نقطة الانطلاق لتلك الدعاوى مما يؤدي إلى فقدان الهوية ومسخها كما نرى الآن.

والإسلام دين احتوائي ليس له هوية فهو أكبر من كل الهويات ورسول الله صلى عليه وسلم وإن كان عربيا بعثه الله في العرب منهم وبلسانهم إلا أنه "رحمة للعالمين" وأرسله الله "للناس كافة" إلا أنه في نفس الوقت يدعو لاحترام اختلاف الثقافات المختلفة والهويات المختلفة طالما ستظل في حدود الديانة ولن تخرج عنها ومن الواجب علينا نحن العرب أن ندرك ذلك ونجعل نقطة انطلاقنا هي هويتنا العربية ولا نزدري الثقافات والهويات الأخرى أيضا.

**************

إن هؤلاء الدعاة وأولئك الوهابيين – على ما بينهم من البون الشاسع في المناهج – ففكريا هما استجابة "لقيم" ما بعد الحداثة ولمنظومة العلمانية الشاملة التي تجتاح العالم الآن فالأولون اختاروا أن يوائموا بين الدين وبين تلك القيم والآخرون اختاروا أن يعتزلوا بالدين كل ذلك ويعودوا به إلى العصور الماضية. فالاثنان يتفقان في أنهما ردة فعل لما هو كائن اتخذا من الغرب مرجعا لنموذجهم الفكري والمعرفي ومقياسا له بدلا من أن ينطلق من تعاليم الدين نفسه وقيمه الأصيلة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والله أعلم

باسم زكريا السمرجي

21/9/2010