الخميس، 15 مارس، 2012

في التعليق على حد الحرابة

أحب أن أبدأ بأن أقول أنني لست إسلاميا، ولا أسعى لأن أكون كذلك، ولا يلزمني أن أكون كذلك حتى أعلّق على شأن عام مثل تقدّم حزب النور بمشروع قانون لتطبيق حد الحرابة. فالشأن العام – بالتعريف – شأن يهم عامة الناس، الذين يتصوّر البعض خطأ أنهم قد سلّموا أنفسهم لفصيل ما من الإسلاميين حين انتخبوهم في البرلمان. حتى إن افترضنا أن البعض فعل، فالبعض الآخر لم ينتخبهم والبعض الآخر انتخبهم على خلفية الأفضلية النسبية وليست الأفضلية المطلقة الأمر الذي يبرر ضرورة ممارسة الرقابة الشعبية من خارج البرلمان، وضرورة الاستجابة لتلك الرقابة أو التفاعل معها – على الأقل – من داخله.

وفي حقيقة الأمر، لست مهتما بالتعليق على مشروعية وتعريف حد الحرابة فهو متاح لمن أراد الوصول إليه. بل إن اهتمامي سيكون بالنظر للأمر من زاويتين، الزاوية الأولى شكلية عن طرح مصطلح "الحرابة" كمفردة والثانية موضوعية عن تبعات تقديم ذلك المفهوم الذي يحتويه المصطلح في مثل هذا السياق المجتمعي.

أما عن الزاوية الأولى، فأذكر من يومين حوار دار مع صديقي الناشط اليساري المهندس وائل خليل، وكنا نتحدث عن بعض الأمور منها بعض الأخطاء المشتركة التي يقع فيها اليساريون والإسلاميون والتي تساهم في تغريب الأفكار الأساسية لكلا الفصيلين عن المجتمع، ولعلني أضيف إلى تلك الأخطاء الآن التمترس خلف مفردات بعينها غريبة عن المجتمع الذي تُطرح فيها إما غربة زمانية أو غربة مكانية. فبينما يصر اليساريون على التمترس خلف التجربة التاريخية للـ"البلاشفة" و"المناشفة" يأتينا الإسلاميون بمفردة "الحرابة"، وقد يرد عليّ البعض بأن مفردة "الحرابة" هي مفردة عربية، وهو أمر صحيح لكن اللغة إنتاج بشري يرتبط بسياق زماني ومكاني محدد فلابد لها أن تتطور بتتطور ذلك السياق. وقد يتجاوز ويربط البعض المفردة بالوحي الربّاني وهو تجاوز غير صحيح فالحرابة مصطلح أطلقه الفقهاء على الفعل الذي ورد في الآية الكريمة: "إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الَأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوا مِنَ الَأرْضِ" (سورة المائدة: 33) فكما نرى لم ترد "الحرابة" في الآية الكريمة. فما كان الضرر من أن يتم تطوير مصطلح "الحرابة" ليصبح "الإفساد في الأرض" مثلا؟!

أما عن الزاوية الثانية – وهي الأهم – فقد حفّزتني إليها تعليقات الأستاذ نادر بكار المتحدث الرسمي باسم حزب النور السلفي على بعض من راجعوه في الأمر، فحينما بيّن له البعض أن تغليظ العقوبات لم يمنع الجريمة بل زادها كان رده "أتحدث عن قانون رباني رادع وليس بشريا يقاس عليه" وهنا تكمن المشكلة ! فإن كنت لست إسلاميا إلا أنني مسلم أدين بدين الإسلام إلى الحد الذي يمنعني من إنكار ما أتى به الوحيان – القرآن والسنة – ومن علمي الضئيل بكليهما لم أسمع آية قرآنية أو حديث نبوي بمعنى أن والله لن يزول عنكم الحكم العسكري حتى تطبّقوا حد الحرابة ! وحتى يرشدني أحد للآية أو الحديث الذي يحمل هذا المعنى، سأظل أعتبر أن تقدم حزب النور لمجلس الشعب بمشروع قانون لتطبيق حد الحرابة ونحن نحبس أنفاسنا ونترقب ماذا سيسفر عنه التدافع المدني العسكري في معارك تبدو حاسمة في مساره هو محض اجتهاد بشري.

إن حد "الحرابة" دون دخول في التفاصيل الشرعية، بشكل أو بآخر آلية في يد من له الأمر – وهي وزارة الداخلية في حالتنا الحالية – تمكّنه من ضبط المجتمع عن طريق تغليظ عقوبات معيّنة على جرائم معيّنة. وأنا أرى أن تقديم مثل ذلك الامتياز لوزارة الداخلية على المجتمع في مثل تلك الوقت لا يدل إلا على انقطاع من تقدّم بمثل ذلك المشروع عن السياق الثوري الذي نحياه. فالثورة التي أتت بنواب حزب النور وغيرهم من المعتقلات إلى البرلمان قام بها المجتمع على وزارة الداخلية وليس العكس. فالأزمة ليست في المجتمع بل في وزارة الداخلية التي مازالت تتحدى الثورة مرة بعد مرة، إما بالمواجهة المباشرة بالخرطوش أو الغاز أو المواجهة غير المباشرة بإطلاق الجريمة إما عمدا أو إهمالا بهدف ترويع الناس. لذلك فإن الحل لا يكون بتقديم ما يُمكّن وزارة الداخلية من إحكام قبضتها على المجتمع وإنما يكون بفك قبضتها عنه حتى تطهيرها.

الأزمة يا سادة ليست في أن حدود الله لا تُطبق – فالقوانين الوضعية ذاتها لا تُطبق أصلا – الأزمة في إصلاح السياق الحالي بحيث يُمكّن المجتمع من صنع مؤسساته مستقلة لا تخضع إلا لإرادته الحرة .. حينها وحينها فقط نتحدث عن أي القوانين التي يجب أن تطبّقها تلك المؤسسات ... استفيقوا يرحمكم الله



باسم زكريا السمرجي
15/3/2012