الأحد، 15 يناير، 2012

عن الثورة والشرعية

"احنا الشعب الخط الأحمر" شعار ثوري أطلقه الثوار المصريون ردّا على الذين قالوا بأن المجلس العسكري هو الخط الأحمر. وهذا الشعار الثوري هو ليس شعارا فقط ولكنه عقيدة محورية في السياسة، وهو مبدأ أقرّه الدستور المصري في المادة الثالثة منه حيث ورد فيها "السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية" وتكرّرت تلك المادة في الإعلان الدستوري الصادر في شهر مارس من العام 2011 الذي عاد وكرر نفس المبدأ في المادة الرابعة والعشرين منه حيث ورد فيها: "تصدر الأحكام وتُنفذ باسم الشعب ...". فالشعب هو مصدر السيادة، وهو مصدر الشرعية، الشرعية التي هي مصدر السلطة. والشرعية التي تصدر عن الشعب هي ليست بالضرورة شرعية قانونية، كما أنها لا تتفق بالضرورة والشرعية الأخلاقية أيضا. بل هي شرعية سياسية، شرعية أمر واقع، ومن هذا المُنطلق كانت الشرعية السياسية متحققة لنظام مبارك رغم أنه كان يخالف في أحيان كثيرة الدستور والقانون الذي كان قد أقسم على حمايته. فالشرعية القانونية ساقطة عنه وكذلك الشرعية الأخلاقية التي لا نحتاج لبيان كيف أن نظام مبارك لم يكن يدرك منها شيئا. رغم كل ذلك فإن الشرعية السياسية، شرعية الأمر الواقع ظلّت متحققة له تبعا للمثل الشعبي العامي القائل "قالوا يا فرعون ايه فرعنك، قال مالاقيتش حد يلمّني"، ولم تسقط الشرعية السياسية عن نظام مبارك حتى قرر الشعب أن "يلمّه" وينزل إلى الشوارع يهتف "الشعب يريد إسقاط النظام" فتبدّلت موازين القوى، وتغيرت خريطة الواقع، حتى صار مبارك في قفص الاتهام، وانتقلت الشرعية السياسية من نظام مبارك إلى الشعب رأسا، الشعب الذي سلّم شرعية الإدارة بشكل جزئي للمجلس العسكري حين ترك الشوارع وعاد إلى البيوت، وحين صوّت 77% منه بالموافقة على التعديلات الدستورية المُقترحة التي تَحدد وفقا لها النطاق الذي يمارس فيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة اختصاصاته، كما تحددت حدود تلك الشرعية التي كانت ولازالت "تسيير الأمور" حتى تسليم البلاد لسلطة مدنية منتخبة. فكما نرى، الشرعية الممنوحة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة ليست شرعية مُطلقة بل هي مُجتزأة ومرهونة بالتزام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بحدودها.

والحركات الاحتجاجية السياسية والاجتماعية التي سبقت الثورة بسنين، رغم شرعيتها الأخلاقية، لم تستطع أن تفرض أمرا واقعا جديدا لغياب الشرعية السياسية عنها، وهي لم تستطع أن تغير خريطة الواقع كما أسلفنا إلا حين التحم بها الشعب واستوعبها، فالتحمت الشرعية الأخلاقية بالشرعية السياسية، فتغير الواقع ليتفق – ولو جزئيا – والواقع الأخلاقي المأمول. وانفصال الشرعية السياسة عن الشرعية الأخلاقية – أي غياب الشعب عن الحركات الاحتجاجية التي تطالب بالحقوق – لا يجب أن يُفسّر بنقص وعي الشعب ولكن من الممكن أن يفسّر ذلك الغياب بغياب تلك الحركات الاحتجاجية عن الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الشعب، ونلاحظ أن التقارب ظل يحدث بين الشرعية الأخلاقية والشرعية السياسة، ويزداد زخم الحركات الاحتجاجية، كلما تخلّت تلك الحركات عن الاكتفاء بالمطالب السياسية وتحررت من قيد المجردات لتنطلق إلى فضاء المجتمع وتصير لها الصبغة الاجتماعية السياسية، حتى صارت أخبار الحركات الاحتجاجية الاجتماعية هي الوجبة اليومية لمعظم الصحف المصرية. ولابد أن يكون في ذلك درس للنخب السياسة التي تتصدّر الشاشات الآن، فإن كانت يُقترض بالنُخب السياسية أن تسبق عموم الشعب فكريا، فلا ينبغي لها أن تسبقه حركيا، بل على النخب أن تظل وسط الحركة تـُرشّدها من داخلها، لا توجهها وترشدها من خارجها، وإلا فإن ما سيحدث هو انفصال بين النخب والشارع، فالجسم الواحد لابد لأن يحافظ على تماسكه أن تتحرك أجزاؤه بنفس السرعة.

ولكي نتّجنّب حدوث ذلك الانفصال بين النخب والشارع، فإن مسؤولية النخبة أن تتحلى بالمرونة السياسية على مستوى الأدوات. المرونة التي لا تتحقق إلا بامتلاك القدرة على التفريق بين المبادئ التي ليست محل مساومة والأدوات التي هي محل مساومة استجابة لمعطيات الواقع، كما أن تلك المرونة السياسية لا تتحقق إلا بامتلاك القدرة على الرؤية السياقية لمتغيرات الواقع، فتُرى تلك المتغيرات غير منفصلة عن سياقها المجتمعي حتى تستطيع النخب تطوير أدواتها ولغة خطابها لتستجيب لتلك المتغيرات في سياقاتها الصحيحة فتُحدث التغيير المنشود. ومن لا يمتلكون تلك المرونة يقعون في مشكلتين المشكلة الأولى أنهم إما ينعزلون عن الواقع تماما، أو ينكرون من الواقع ما سوى ما يعرفونه ويدعم نظرياتهم فتكون أفكارهم منفصلة الصلة عن الواقع لا تتجاوز الأوراق التي كُتبت عليها، و المشكلة الأخرى هي أنهم قد يتفاعلون مع الواقع من موقع فوقي في محاولة لفرض الوصاية عليه بغية إخضاعه لقناعاتهم الشخصية، فيلفظهم الواقع ويفصلهم عنه.

والواقع يقول أن الشعب المصري الذي حوّل بالتحامه بالحركات الاحتجاجية المظاهرات إلى ثورة هو ذلك الشعب الذي رضى بأن يمارس حقه داخل الصندوق، ورغم أن الصندوق هو ساحة للممارسة السياسية تفرضها السلطة على الشعب، لا تمكّنه معاييرها من صنع خيارها، بل فقط يختار مما هو متاح ممن يمتلك الإعلام أو الأموال. رغم كل ذلك إلا أن ذلك هو الواقع الذي بين أيدينا الآن. الشعب شارك في الانتخابات واختارت أغلبيته شكلا معينا للبرلمان، قد لا يتفق مع اختياري الشخصي. وصار البرلمان هو السلطة المدنية المنتخبة لدينا الآن.

لذلك، محاولة لإدراك الهدف المرحلي الأكبر وهو إسقاط العسكر من على رأس الدولة، وتماشيا مع معطيات الواقع أقول أنني أنحاز لتسليم السلطة لمجلس الشعب المنتخب على النحو الآتي:

· ينتخب مجلس الشعب رئيسا يتسلم صلاحيات الرئيس التشريعية والتنفيذية بشكل مؤقت لمدة 6 أشهر تنتهي تلك الفترة بإنجاز الدستور وببدء إجراءات انتخابات الرئاسة. نكون بذلك استنقذنا الدستور من أن يُكتب في رعاية العسكر، أو أن يُكتب تحت رعاية الرئيس الذي سيُحكم به، فالرئيس المؤقت بعد أن تنتهي مهمته لا يصح له الترشح لأول انتخابات رئاسية.

· تتشكل حكومة إنقاذ وطني ائتلافية من البرلمان، تتسلم السلطة التنفيذية من العسكر وتبدأ في إجراء الإصلاحات الآنية الواجبة دون الدخول في مشاريع طويلة المدى

قد يقول البعض وماذا لو رفضت الأغلبية البرلمانية تسلم السلطة من المجلس العسكري؟ وهو أمر تؤكده رسائل الود المتبادلة بين الإخوان والمجلس العسكري، أعود لأقول "احنا الشعب الخط الأحمر" وأننا الشعب من نقرر مصيرنا، وإن كان الإخوان يتعالون على الشارع ويظنون أنهم هم الممثلون الشرعيون الحصريون للإرادة الشعبية فيجب أن نذكّرهم أنه لولا الميدان ما كان البرلمان، فإن أصرّوا على خذلان من انتخبهم كان هذا سببا كافيا لإخراج الناس للشوارع لممارسة الضغط الشعبي العفوي مرة أخرى، وهو أمر جيد.

وميلي إلى خيار تسليم السلطة للبرلمان هو لأني أرى أنه أقرب الخيارات لإزاحة المجلس العسكري عن قمة هرم الدولة فوجود المجلس العسكري راعيا لإطار الشرعية السياسية الرسمية، يجعل من فتح مسار جديد في ذلك الإطار ليس إلا فتح باب آخر للمجلس العسكري لأن يُغرقنا في التفاصيل التي لا تنتهي مما قد يعطل عملية انتقال السلطة بالكلية، كما أن إجراء انتخابات رئاسية عاجلة في ظل حكم العسكر قد يعطي الفرصة لهم أن يدفعوا بمرشح إن لم يضمنوا ولاءه على الأقل يتوافقون معه على حفظ مصالحهم الاقتصادية والسياسية في الدستور الجديد، حتى لو دفعنا باتجاه تشكيل حكومة ائتلافية من البرلمان مع احتفاظ المجلس العسكري بسلطات الرئيس لا يغير من الأمر شيء، فالمشكلة ليست في السلطة التنفيذية ولكن كما قلت في موقع المجلس العسكري على قمة هرم الدولة مما يتيح له التدخل المباشر أو الغير مباشر، الظاهر أو الخفي في تشويه مستقبل البلاد

أخيرا أقول أن التفاؤل والتشاؤم موقفان مبدئيان، لا يتأثران بالواقع، بل يؤثران في الزاوية التي ننظر بها إلى الواقع، والخيال لا يكفي لإدارة السياسة، والشعر لا يكفي لحب الوطن.

باسم زكريا السمرجي
15/1/2012

الجمعة، 13 يناير، 2012

عن الكائنات الفضائية .. اللي سرق حاجة من ماكرو يجيبها

طبعا كل الناس سمعت الأغنية الشعبية اللي عملها أحد النشطاء عن الثورة وبيعتذر جدا إنه عمره ما هيعمل كده تاني بس هو حبّ يكلم الناس دي (الكائنات الفضائية) باللغة بتاعتهم. نيته سليمة ومبادرته محمودة لكن فيها نزعة طبقية واستعلاء مش مُريح بالنسبة لي

دي أغنيه عملها (الكائنات الفضائية دول) في الـ18 يوم بيعلقوا على سرقة سوبر ماركت "ماكرو" وبيتكلموا عن الثورة وعن حسني مبارك والتوريث

عن الكائنات الفضائية .. اللي سرق حاجة من ماكرو يجيبها

طبعا كل الناس سمعت الأغنية الشعبية اللي عملها أحد النشطاء عن الثورة وبيعتذر جدا إنه عمره ما هيعمل كده تاني بس هو حبّ يكلم الناس دي (الكائنات الفضائية) باللغة بتاعتهم. نيته سليمة ومبادرته محمودة لكن فيها نزعة طبقية واستعلاء مش مُريح بالنسبة لي

دي أغنيه عملها (الكائنات الفضائية دول) في الـ18 يوم بيعلقوا على سرقة سوبر ماركت "ماكرو" وبيتكلموا عن الثورة وعن حسني مبارك والتوريث

الثورة

الجمعة، 6 يناير، 2012

هكذا تحدث سليمان خاطر


" أمال انتم قلتم ممنوع ليه..قولوا لنا نسيبهم وإحنا نسيبهم" لم تكن تلك مجرد كلمة رمى بها لسان سليمان خاطر في وجه المحقق، بل كانت صفعة أطلقتها فطرة الإنسان على وجه المؤسسة الصفيق. المؤسسة التي ادّعت أنها تدافع عن حدود الوطن، وحين أدى أحد أفرادها واجبه حاكمته وكأنه خرج عن قوانينها. يبدو أن سليمان خاطر كان له من بساطة الفطرة عمقها، فلقد أدرك بفطرته من عدوه، وكفته فطرته أن يعود لرؤسائه كي يتلقى منهم التعليمات فكان ما كان.

لم ير سليمان خاطر أنه يحتاج أن يعود لرؤسائه ليأخذ الإذن في الدفاع عن أمه، أمه التي أوكلت له حماية "أجهزة ومعدات ما يصحش حد يشوفها" في نقطة حدودية ما، فأطلق الرصاص على الصهاينة الذين عبروا الحدود متجاهلين تحذيره لهم بالإنجليزية "ستوب نوباسينج"، كان إطلاق الرصاص بعد تجاهل التحذير هو المبرر الوحيد لوجوده على تلك النقطة الحدودية وإلا "يبقى خلاص نسيب الحدود فاضية".

لسليمان خاطر رقعة من الأرض اسمها مصر اتخذها وطنا، وسلاح تسلّمه وكفى .. فكانت إجابته على سؤال المحقق عن سر حرصه على تعمير سلاحه ببساطة هي "لأن اللي يحب سلاحه يحب وطنه ودي حاجة معروفة واللي يهمل سلاحه يهمل وطنه" وكانت إجابته عن سر حفظه رقم سلاحه ببساطة أيضا هي "لأني بحبه زى كلمة مصر تمام" ... فطوبى للبسطاء

لم يكفر سليمان خاطر بمصر ولم يتهمها بالظلم ولا بالتنكّر لأولادها فلقد كتب في رسالة له من السجن أنه عندما سأله أحد السجناء "بتفكر في إيه"؟ قال "أفكر في مصر أمي، أتصور أنها امرأة طيبة مثل أمي تتعب وتعمل مثلها، وأقولها يا أمي أنا واحد من أبنائك المخلصين.. من ترابك.. ودمي من نيلك. وحين أبكي أتصورها تجلس بجانبي مثل أمي في البيت في كل إجازة تأخذ رأسي في صدرها الحنون، وتقول: لا تبكي يا سليمان، أنت فعلت كل ما كنت أنتظره منك يا بني" كانت فطرة سليمان خاطر حائلا بين إدراكه وبين التصور الفاسد أن الوطن حلّ في المؤسسة، وأن ذروة الوطنية هي عبادة المؤسسة وأن مصلحة الوطن هي بالضرورة مصلحة المؤسسة. علم سليمان خاطر بفطرته أن المؤسسة لا تعبر إلا عن مصالح المتحكمين فيها وأنهم هم الذين يضعون قوانينها وهم الذين يغيرونها، وأن المؤسسة لا إرادة لها غير إرادة هؤلاء المتحكمين فيها، وهؤلاء هم من حاكموه، وهم من ضاقوا بشجاعته وقمعوا انتشارها الذي كان من شأنه أن يهدد مصالحهم مع "العدو"، وهؤلاء ليسوا مصر، فمصر هي سلاحه وهي أمه .. وهي روحه، لذلك كان تعقيبه على الحكم الذي صدر ضده بالأشغال الشاقة المؤبدة لمدة 25 عاما "إن هذا الحكم، هو حكم ضد مصر، لأني جندي مصري أدى واجبه" ثم التفت إلى الجنود الذين يحرسونه قائلاً "روحوا واحرسوا سينا.. سليمان مش عايز حراسة".

بعد أقل من عام على إصدار الحكم، أعلنوا عن "انتحار" سليمان خاطر ورموه بالجنون .. فكان هو أول "المختلين" في عهد مبارك. وربما ذلك "الخلل" هو الذي دفعه أن يقول في المحكمة قبل النطق بالحكم "أنا لا أخشى الموت ولا أرهبه.. إنه قضاء الله وقدره، لكنني أخشى أن يكون للحكم الذي سوف يصدر ضدي آثار سيئة على زملائي، تصيبهم بالخوف وتقتل فيهم وطنيتهم"

هكذا تحدث سليمان خاطر، الفلاح المصري البسيط، بينما نشهد من يطأطؤون الرأس خجلا من أن أغلب شعب مصر من البسطاء! هكذا تحدث سليمان خاطر، بطل من لحم ودم .. وروح. سليمان خاطر هو البطل الذي سأحكي لأولادي قصته بدلا من قصص أبطال الورق التي تربينا عليها، لا تقف حدود بطولته عند أداء واجبه تجاه الوطن، بل إن بطولته الحقيقية في بساطة فطرته .. في إنسانيته



باسم زكريا السمرجي
6/1/2012

****************************************************************************************************

للمزيد:

صفحة سليمان خاطر على ويكيبديا

http://ar.wikipedia.org/wiki/سليمان_خاطر

صفحة أيمن حسن على ويكيبديا

http://ar.wikipedia.org/wiki/أيمن_حسن

الأربعاء، 4 يناير، 2012

صراع إرادتين .. عن 25/1/2012

ونحن نقترب من يوم الخامس والعشرين من يناير لعام 2012 تختلط الحسابات والتوقعات وتمتزج معها المشاعر ويبقى الترقب عاملا مشتركا بين كل ذلك.

عام يمر على بدء ثورتنا نستطيع أن نضع عنوانا له هو "صراع إرادتين" إرادة الدولة الرسمية لفرض النظام وإرادة الناس الفطرية لانتزاع الحرية، ويتجلّى ذلك الصراع في رمزية اليوم الذي يوافق عيد الشرطة، الشرطة التي كانت الذراع القمعية للدولة المصرية ولا زالت بعد أن انضمّت إليها رفيقتها الشرطة العسكرية. وعلى مدار العام الذي يزحف مترقّبا يختلس النظر لما سيأتي به العام الجديد كان الصراع بين الإرادتين كمباراة الملاكمة التي لا تنتهي بالضربة القاضية، وقد أخطأنا حين ظننا أننا هزمنا النظام بالضربة القاضية حين تنحى مبارك، فما كانت تلك إلا ضربة قوية ربحنا بها نقاطا كثيرة فتحت الطريق لضربات أخرى ربحنا وما زلنا نربح على أثرها بعض النقاط أيضا.

تقديري أننا منتصرون في معركتنا مع النظام وأن النظام الآن في حالة من الترنّح تشي بها "الغباوة" المفرطة التي يواجه بها من بيدهم الأمر إرادة الناس، ولعل ما أخّر القضاء على النظام هو الفقر النخبوي الشديد الذي نعانيه، فكان الخذلان نصيب الناس كلما تعلقوا بواحد أو بفصيل من النخبة يستطيع تطوير الثورة سياسيا ويفاوض المجلس العسكري وينتزع منه مطالب الثورة، حتى صرنا بحاجة إلى ثورة حقيقية على النخب السياسية، ثورة تستبدل النخب السياسية التي تتاجر بدماء الشهداء أو التي تدّعي احتكار تمثيل الإرادة الشعبية.

عام من الثورة يكفي ليكشف لنا عن حقيقة انحياز كل مؤسسات الدولة لإنفاذ إرادة الدولة، فلا المجلس العسكري حمى الثورة، ولا الحكومة التي ظنناها حكومة الميدان حكومة الثورة. وفي هذا المشهد لا يبق لنا إلا أن نترقّب اتجاه انحياز المؤسسة حديثة التشكل وهي البرلمان، فهي وإن كنت أجزم بأن ظروف تشكّلها الاستثنائية انعكست على هيئتها النهائية إلا أنها المؤسسة الأكثر اقترابا من التعبير عن إرادة الناس في مواجهة إرادة السلطة .. (أقول أنها الأكثر اقترابا من التعبير عن إرادة الناس ولا أقول أن لها حق احتكار التعبير عن تلك الإرادة)

وإرادة الناس المنوط بالبرلمان تمثيلها هي " الشعب يريد إسقاط النظام" اتخذت صورة "يسقط يسقط حسني مبارك" وهي الآن "يسقط يسقط حكم العسكر" والعجيب أن المجلس العسكري يتفق مع الناس في هذا الأمر، ألم يمطرونا بأحاديثهم عن رغبتهم الأكيدة في التنازل عن السلطة لسلطة مدنية منتخبة؟! إن كان الأمر كذلك فلم لا يسلّم المجلس العسكري السلطة للبرلمان؟ أليس البرلمان مدنيا منتخبا في انتخابات نزيهة لم تشهدها مصر منذ عهد الفراعنة على حد تعبير السيد المستشار رئيس اللجنة العليا للانتخابات؟!، أليس البرلمان خطوة على المسار الذي سلكناه بناء على نتيجة الاستفتاء الذي وافقت عليه مع أربعة عشر مليون مصري؟ وإن كنا نتحدث عن البرلمان كممثل شرعي لإرادة الناس، ألا يجب على إرادة الناس أن تكون هي الإرادة الحاكمة؟ ألم يصدّعوا رؤوسنا بعجزهم عن الحديث مع من يمثل الناس تمثيلا حقيقيا؟ هاهو برلمان منتخب في انتخابات أشرفوا عليها بأنفسهم. لذلك فإن كان للبرلمان أن يمثل الإرادة الشعبية، فلا أقل من أن ينتزع سلطات الرئاسة لرئيسه المنتخب في الحال. وإن احتج أحد بأن ذلك قد يبدو أمرا لم يُنص عليه دستوريا وقانونيا أقول – بعد أن أؤدي طقوس الامتعاض والتأفف من لوي البوز وخلافه – أن الثورة لا تقف في محطات رُسمت في قانون ثارت عليه أصلا، فالثورة هي التي تصنع الشرعية السياسية والقانونية وليس العكس.

أقترح أن تُفوض سلطات الرئيس لرئيس البرلمان المنتخب بشكل مؤقت لمدة ستة أشهر تنتهي تلك المدة بالانتهاء من كتابة الدستور وباالانتخابات الرئاسية، ونكون بذلك قد أنقذنا الدستور من الوصاية العسكرية وأيضا قد كُتب بمعزل عمّن سيُحكم به فرئيس البرلمان الذي سيمارس وظائف الرئيس في تلك الفترة الانتقالية لابد ألا يُسمح له بالترشح للرئاسة.

إن نجح البرلمان أو لم ينجح في إنجاز تلك الخطوة فلابد أن ننزل إلى الشوارع في الخامس والعشرين من يناير سننزل إما لتأييد البرلمان أو للضغط عليه وتحذيره سننزل ورسالتنا للجميع "الشارع .. لنا" للناس لا للدولة سننزل نحتفل ونتظاهر ونعترض ونعتصم سلميا، فإن بدؤونا بالعنف سندافع عن أنفسنا، كما كنا دوما. سننزل لأن الشارع لنا وستحصدون غراس ما ستزرعون في الأيام القليلة المقبلة .. فالأمر بيدكم

ماذا لو؟

حوكم مبارك والعادلي محاكمة جادة عادلة ناجزة، وطهّرت الشرطة نفسها من الفاسدين والقتلة وسلّم العسكر السلطة للمدنيين في شهر سبتمبر الماضي؟!

باسم زكريا السمرجي
4/1/2012