الأربعاء، 6 أكتوبر، 2010

معابد النصر وصخور الهزيمة ... بقلم نهى خالد

"في الحرب ... الحقيقة هى الضحية الأولى" ... إسخيلوس (كاتب مسرحي إغريقي(

"
قمة المهارة ليست في تحقيق مائة إنتصار، ولكن في إخضاع العدو بدون قتال" ... سون تسو (فيلسوف وضابط ومخطط عسكري صيني قديم(
-----------------------------------------------------------

وحده كان يعلم حجم النصر وحجم الهزيمة. هو فقط دوناً عن غيره من البشر، كان يعلم الحقيقة الكاملة. تقدمت جيوشه شرقاً وإنطلقت في طريق النصر وما إن بدأ يكتب تفاصيل الملحمة حتى إلتفت حوله جيوش العدو. كان هو قائد المعركة، كان هو المسؤول الأول عن قواته وما جرى لها، هو الذي ترك الفرق الثلاثة في الخلف متقدماً مع فرقته إلى الأمام، حتى سنحت الفرصة أمام العدو لإختراق الصفوف والإلتفاف عليه وضربه.

لم يكن على إستعداد للتخلي عن النصر المعنوي الذي حققه الجيش، ولكنه كان يعلم أنه في مأزق كبير قد يطيح به وبأحلامه في إستعادته للمدينة التي سلبوها منه. طعنت الجيوش المعادية، وفقد القائد المنتصر ثلث جيشه، وحوصرت أحلامه وجيوشه الثلاثة تتفرق وتُهزم في الصحراء وعلم أن أهداف معركته بدأت تبتعد بعد أن كانت تقترب.

كانت المدينة قد ضاعت وقت جلوسه على عرشه خلفاً لوالده، وكانت ذات أهمية شديدة وقد أوصى والده له بألا يتركها تضيع أبداً. وما هى سنوات بعد إعتلائه العرش حتى بدأ الملك الجديد يعد العدة للهجوم وإستعادة ما ضاع. تفانت جنوده في الولاء له، وساندته بعض الممالك المجاورة التي كسبها والده في صف المملكة. بدأت عربات الجيش المتقدم تدور أسرع وأسرع حتى وقفت بعد عبور النهر. وبعد العبور، وقف الجيش منتظراً أوامر الهجوم الجديدة.

لم تكن هناك أوامر هجوم جديدة غير تلك التي أعدها العدو والتي نفذها مفاجئاً بها فرق الجيش المنتصر. وصلت الأخبار إلى القائد ولم يكن يدري ماذا يفعل، تفرقت الفرق الثلاثة تماماً، ولم تعد سوى فرقته هو في الأمام. كان القائد محظوظاً للغاية، فقد أتته جنود إحدى الممالك الموالية للملكة تضرب معه منقذة إياه من هزيمة محققة ومشتتة جهد أعداء المملكة، إلا أن النصر الذي حققه الملك بالتقدم كان يعلم جيداً أنه لم يعطي شيئاً للمملكة سوى فرحة بين جنوده.

إستغرق الملك في التفكير، هل يسلّم بالواقع وينسى الوصية ويكتفي بالفرح أم يستمر في الطريق الطويل ويصارح الناس بكل التفاصيل. قرر الملك أن يستمر ويمضى، ونجح مجدداً في دخول المدينة، ولكنها ما لبثت تضيع من جديد. هذه المرة قرر الملك أن يسلم ويعود إلى العاصمة. قبل عودته، وقع الملك بيده اتفاقاً مع العدو يقر فيه بالتخلي عن المدينة، وحمل معه ما خطه بيده عن ملحمة النصر.

عندما عاد الملك إلى بلاده أخذ يزف إليها أنباء النصر المعظم الذي لم يكذبه أحد أو يسأل عن تفاصيله، فقد إبتهج الجميع، ومن يكره الفرحة ومن يكره النصر، ومن يطيق البحث والتنقيب عن معركة على بعد آلاف الأمتار ومزامير النصر في كل مكان؟ أخذ القائد المغوار يملي على أتباعه قصة الملحمة الكبرى وأخذوا يكتبون وينحتون على جدران المعابد. أقيمت معابد جديدة خصيصاً لتخليد ذكرى النصر، وصارت تعج بالقصص الملحمية عن جنوده وكادت حروفها تنطق بصراخ جنود أعدائه، الذين اكتووا بنار جيشه. أما في المدينة المسلوبة، فلم تُنحَت سوى المعاهدة المشؤومة على صخرة ليُسجل أول إتفاق سلام، أو إستسلام، في التاريخ، عام 1275 قبل الميلاد.

نص الإتفاق، رغماً عن وصية الأب، بأن تخرج مدينة قادش عن السيطرة المصرية، وتعهد مصر بعدم الدخول في أي جهد معادي للمملكة الحيثية أو العكس، واكتفى رمسيس بما نجح أبيه في الحصول عليه في فلسطين ولبنان اليوم، تاركاً سوريا تحت حكم الملك خظوشلي الثالث، ملك الحيثيين.
تعج معابد مصر بروايات رمسيس عن معركة قادش. أما إتفاق السلام الذي وقعه رمسيس الثاني، ثالث ملوك الأسرة الـتاسعة عشرة، بيديه ووقعه ملك الحيثيين، فيقول بغير ذلك.

لم يكتفي رمسيس فقط بالتنازل عن قادش، ولكنه نسب كل الجهود الحربية إليه وإلى جيشه، ونسي كل المجهودات التي أتته من الممالك المجاورة. فما قدمته المملكة الكنعانية في اللحظات الأخيرة، والتي من دونها لربما مات هو نفسه في المعركة لم يذكرها، ومملكة أمورّو التي ساندته في معركته الأولى التي وصل فيها إلى مدينة قادش قبل أن تلتف جنود الحيثيين وتطعنه من الخلف، كذلك لم يذكرها.

شيُّدَت المعابد، وكُتِبَت ونُحتَت حقائق وأساطير، وعبدت الجماهير، وظلت تعبد، ولا تزال تعبد إلى اليوم، في نفس المعابد، ولا تزال المعاهدات المشؤومة منحوتة على صخور الواقع، ولا تزال أقدام العدو تعيث على حدودنا كما تشاء، وستظل تعيث حتى تخرج الأمة من معابد النصر إلى ساحات القتال، وتستطيع أن تنحت إنتصارها على صخور الواقع قبل أن تنحتها على جدران المعابد.

نهى خالد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق