الاثنين، 28 نوفمبر، 2011

عن الشهداء .. وعنّا

بالأمس، صادفت أحد زملاء الجامعة كتب على الفيس بوك يتندّر على شهيد اعتصام مجلس الوزراء أحمد سرور، ويتساءل مستنكرا عن مبررات التحاق أحمد بالشهداء. يعجبني في هذا الرجل، أو فلنقل هذا الشخص، أنه قد تصالح مع فساد نفسه، هو حتى لم يعد يرى البون الشاسع بينه وبين معنى الإنسانية، بل صار يتحرك بحرية في أسفل درجات سلّم الإنسانية، وأي درك أسفل من التندّر على من ماتوا وهم في الرباط؟! لقد تخفف فعلا من أثقال يحملها كل من قرر أن يعيش إنسانا في هذا الزمان، فلا مشكلة لديه.

المشكلة الحقيقية عند من مثلنا، نحن من لا نقوى على الشهادة، ولم نستطع بعد أن نتصالح مع ما فسد من نفوسنا. نضرب بأيدينا الهواء بغية التحليق، فنجد أرجلنا ملتصقة بالأرض أثقلتها الحياة الدنيا وزينتها، فلم نعد نملك إلا اعتذارا للشهداء ودموعا نذرفها على أنفسنا.

***

اختار الله لهذه الثورة شهداءها، اختارهم ممن أرادت لهم الدولة التهميش فلم يرض لهم الله إلا متن المتن مكانا، هم الجماهير التي تهتف لنجوم المنصات، الذي تطردهم الصور خارج إطاراتها لأن "أشكالهم غلط" فهم لا يشبهون "الشباب الجميل بتاع خمسة وعشرين"، هم الذين طهّرهم الله حتى عن أسمائهم التي منحتها الدنيا لهم فصاروا معانى، صاروا خناجرا، طعنات تدمي القلب، خيالات يكشف طهرها عن دنسنا. اختار الله لهذه الثورة شهداءها ممن أراد لهم الجميع أن يموتوا أحياء، فأحياهم أمواتا

الشهداء هم الذين ماتوا ولم تظهر صورهم في الجرائد مع "الورد اللي فتح في جناين مصر" فهم على ما يبدو لا يشبهون الورود، هم ملح الأرض، هم الذين ليس لهم أصدقاء يضعون صورة صديقهم على صفحات الفيس بوك، وليس لهم أصدقاء ولا أهل يقيمون على أرواحهم صدقة جارية، بل ربما كانوا هم من ينفقون على أهليهم، الشهداء هم الذين تلتقطهم عدسات الكاميرات في الصفوف الأولى وهم يواجهون ولا يعرفهم أحد منا وكأنهم من عالم آخر، أتوا من السماء لأداء مهمة ما وهم في طريق عودتهم إليها مرة أخرى.

ليس الأمر أنهم ماتوا شهداء، بل الأمر أنهم عاشوا شهداء، ربما كانت تكفيهم – ليشعروا بالسعادة – أغنية شعبية مسجلة على هواتفهم المحمولة صينية الصنع يستمعون إليها بصوت عالٍ في المترو أو الأوتوبيس. ربما كانت تكفيهم نظرة إعجاب من فتاة بسيطة ترتدي عباءة شعبية حتى يشعرون بالفخر، ربما كانت تكفيهم نظرة رضا من أمهاتهم وهم في طريقهم إلى أعمالهم الشاقة. وحين رأوا الناس يموتون هرعوا لنجدتهم، تصدّروا الصفوف لم يبالِ أحدهم بأن يرتدي قناع غازٍ أو واقي للعينين، فالمفارقة أن من كان يرتدي تلك الأشياء فعلا ليسوا هم أهل الصفوف الأولى، وكأن الرسالة التي كانوا يريدون أن يوجهونا لجنود الأمن أننا أشجع منكم، نواجهكم دونما دروع. أما أنتم فلن تستطيعون أن تخلعوا دروعكم وتواجهوننا. لم تكن الحجارة هي ما يصيب جنود الأمن. بل ذلك الإصرار، وتلك العيون الحارقة، تلك العيون التي استفزّت رجال الأمن فصوّبوا نحوها هلعا من الشرر المتطاير منها.

حينما أجلس لأستمع لحوارات بعض النخب عن الخروج من الأزمة يضحك وسط دموعي ذلك الجزء الصغير منّي الذي يشبه الشهداء، يضحك سخرية، من الانفصال الذي يظهر بين من يسمّون مكانا ما باسم الوطن ويريدون أن يدافعوا عن حدوده، ومن يواجهون الموت ولسان حالهم يقول أنا الوطن، الوطن هو الإنسان وليس حدود المكان، الوطن هو الإنسان وليس حجارة البنيان.

الشهيد هو مجموعة من الاحتمالات، وهبها لنا – أمانة – حين مات. احتمال أن يحب فتاة ما يصونها وتصونه، احتمال أن تكون له ذرية، احتمال لبعض أنفاس الهواء يستنشقها، احتمال لطَرَقات بمطرقة ما في ورشة ما، احتمال لهدية عيد أم، احتمال لوجبة في حضن عائلة. وهبنا الشهيد تلك الاحتمالات أمانة فلم نصنها. أحببنا هوى وخديعة لم نبال بمن مات وترك بين أيدينا احتمال حب صادق، استنشقنا الهواء كأنه ملك لنا لم نبال بمن مات وترك بين أيدينا احتمال أنفاس تفصل بين الحياة والموت، نمنا على الوسائد لم نبال بمن مات وترك في أيدينا احتمال لعمل ما، آثرنا أنفسنا لم نبال بمن مات وترك في أيدينا احتمال اجتماع عائلي ما. لم نبال بشيء، بل جعلنا منهم مادة لصنع التقليعات، بل ومطية للشهرة حتى من بعض أهليهم، وبطاقة رابحة للمزايدة السياسية

***

لو كان الغني الشاكر خيرا من الفقير الصابر لماذا مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي؟! ولماذا قال: اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين؟!

وإن كان الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن فلماذا اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم – حين خُيّر – أن يكون عبدا رسولا ولم يختر أن يكون ملكا رسولا؟!




باسم زكريا السمرجي

28/11/2011

السبت، 26 نوفمبر، 2011

عن الاعتصام والانتخابات

بعض النقاط أوردها على عجل في مسألة الانتخابات المُفترض إقامتها غدا:

· اظهروا بعض الاحترام لدماء الشهداء، فهي أطهر من أن تُستخدم ورقة ضغط للمزايدة على خيار سياسي دون غيره. ومن يتهم غيره بأنه يتاجر بدماء الشهداء يكون هو المتاجر بها ليمرر خياره السياسي

· الثورة المصرية ثورة عفوية، ناس ضد مؤسسات دولة، والمؤسسات نظرا لبنيتها الهيكلية تستطيع التحرك دوما وفق استراتيجيات تبدأ من أعلى لأسفل، فالتخطيط يسبق الفعل ويوجّهه، بينما الناس الذين لا تجمعهم مؤسسة واحدة لا يمكن أن يكون فعلهم إلا فعلا عفويا يسبق التخطيط الاستراتيجي، مما يستوجب على المعنيين بالنظر إلى الصورة الكبيرة أن يتحلّوا بالمرونة اللازمة لتغيير الاستراتيجيات بناء على تغير معطيات الواقع

· انتصار الثورة الكامل الذي يمكّنها من فرض أجندتها السياسية مرهون باستجابة الطرف الثالث (عموم الشعب المصري) للثوار، لذلك لابد أن تُؤخذ تفضيلات وأولويات عموم الشعب في الحسبان دونما تعالٍ، والذهاب للانتخابات يأتي على أولويات عموم الشعب المصري ولا حاجة لادعاء غير ذلك.

· التحدي الرئيسي الذي يواجه اعتصام التحرير الآن هو الحفاظ على سقف المطالب، خاصة وأن حدة المواجهات قد خفتت وقد ابتلانا الله بقادة سياسيين لم يستطيعوا أن يكونوا على قدر اللحظة، وعجزوا عن توحيد كلمتهم وبلورة الصوت الشعبي في الميدان لمطالب سياسية يفاوضون عليها السلطة، وأخشى لما سبق أن يكون الزخم الشعبي حول الاعتصام في طريقه للانحسار. وأخشى أن تُستخدم الدعوة لمقاطعة الانتخابات إعلاميا لتشويه صورة الاعتصام والقضاء على البقية المؤيدة للاعتصام.

· غير أن التحديات التي تواجه الانتخابات كبيرة أيضا، منها تحديات قديمة تتعلق بقوانين وقواعد المعركة، وتحديات جديدة كمد التصويت ليكون على يومين لكل مرحلة بدلا من يوم واحد، والتحدي الأكبر الذي يواجه الانتخابات أيضا هو أن الشرعية القانونية ما زالت ملعب المجلس العسكري الذي يجرّنا إليه، والدخول إليه يتضمّن قناعة بقواعد اللعبة ومن وضعها.



بناء على كل ما سبق فأرى الآتي:

· كنت أتمنى أن تُجرى الانتخابات تحت إشراف سلطة مدنية، ولكنّ المعارك تُفرض علينا لا نفرضها نحن، وإلا ما صارت معاركا أصلا

· الذهاب للانتخابات هو الخيار السياسي الأقرب للصواب – في رأيي – مع وجوب التعامل مع تحدّياتها بتشكيل لجان شعبية تحمي الصناديق، وتُرسل رسالة مفادها أننا لا نطمئن إلى شرعية السلطة وقدرتها على حماية الانتخابات، فهي انتخاباتنا – انتخابات الشعب – وليست انتخابات السلطة

· الضرورة الأهم للانتخابات – في رأيي – ليس الإتيان بمجلس شعب شرعي منتخب، فكلنا يعرف أن الانتخابات أصلا كفكرة وفي أحسن الأحوال لا تأتي بالضرورة بمثل ذلك المجلس، فكيف بانتخابات تُجرى في ظل سلطة نبغي الخروج عليها؟! ولكن الضرورة الأهم للانتخابات هي إرسال رسالة تطمين لعموم الشعب المصري، الطرف الثالث المرهون نجاح ثورتنا بانضمامه إليه، رسالة تطمين وعدم تعالي على أولوياته ومطالبه، وأيضا إن فشلت تكون دليلا دامغا واضحا على تآكل شرعية المجلس بشكل كامل عند عموم الشعب

· مقاطعة الانتخابات قد يكون – في رأيي – ليس الخيار السياسي الصحيح لكنه خيار أخلاقي ثوري ضروري أيضا، لمواصلة مسار الحشد الراديكالي ضد السلطة

· في النهاية أرى أنه لابد من الاحتشاد للاعتصام في الميادين مع التصعيد على مستوى المجتمع المدني، ولابد أيضا أن تصل الرسالة إلى عموم الشعب أن ميدان التحرير سيذهب للانتخابات فهو لا يتعالى عليكم، لأن ميدان التحرير ليس جمهورية منفصلة أو دولة موازية أو دولة داخل الدولة

· إن تمت الانتخابات بنجاح يتم طرح أن تُشكّل حكومة من البرلمان تُمسك هي بزمام إدارة ما تبقى من المرحلة الانتقالية، وإن فشلت الانتخابات نعود لطرح فكرة المجلس الرئاسي المدني، أو حكومة الإنقاذ الوطني التي يكون لها صلاحيات رئيس الجمهورية

· كلمة للقوى السياسية (أعاننا الله عليهم) ........ كونوا على قدر اللحظة ولو لمرة واحدة



باسم زكريا السمرجي
26/11/2011

الخميس، 24 نوفمبر، 2011

عن الموجة الثانية من الثورة المصرية

بدون مقدمات سأحاول أن أسرد بعض الخواطر عن الموجة الثانية للثورة التي نشهدها الآن في نقاط محددة مُقسمة لأربعة أقسام – يمكن أن يُقرأ كل قسم منها منفصلا – القسم الأول عن الاختلاف بين الموجة الثانية والموجة الأولى للثورة، القسم الثاني عن الثورة الثانية وكيف يمكن – في رأيي – أن تُنجز ما قامت لأجله، القسم الثالث عن الانتخابات، القسم الرابع عن ملاحظات على الهامش

· عن الفارق بين الموجة الأولى والموجة الثانية للثورة

o كان ظاهر الموجة الأولى من الثورة يوتوبيا برّاقة في ميدان التحرير، حالة نشوة صوفية، مساحة حرة يعبر المصريون فيها عن أنفسهم بالأهازيج وبالنكات، يعانقون ضباط الجيش، ويلتقطون الصور بجوار الدبابات، كانت ثورة "الشباب الجميل"، شباب الطبقة المتوسطة العليا، ثورة سعى لجني ثمارها "القوى السياسية". بينما الموجة الثانية هي ثورة الشهداء بامتياز، هي ثورة إسقاط النخب والقوى السياسية، هي ثورة إسقاط كل الخطوط الحُمر إلا الشعب الخط الأحمر، هي ثورة ملح الأرض "سائقي الدراجات البخارية الرخيصة التي تم تصنيعها في الصين" وهم يستخدمونها كآلية إسعاف شعبي لنقل المصابين من الصفوف الأمامية لسيارات الإسعاف، هي ثورة التكتيكات الميدانية، والحيل الحربية. هي ثورة، بينما كانت الموجة الأولى كرنفالا والثورات لا الكرنفالات هي ما تصنع التغيير.

o بات واضحا لي أن الثورة لم تكن ثورة شعب على نظام فاسد سياسيا واقتصاديا فقط، بل إنها صراع بين منظومتين مختلفتين للقيم لجيلين مختلفين تمام الاختلاف، جيل من الكبار الذين يبالغون في التأني ويفضلون أكثر الطرق أمانا في الحياة، فالبحث عن الأمن على قمة أولوياتهم بم يتضمّنه ذلك من إعلاء لقيمة الاحترام على كل القيم، وجيل من الشباب المتعجل المُخاطِر، الذي لا يبالي بسلوك أكثر الطرق وعورة لنيل الحرية، فقيمة الحرية هي أعلى قيمة لدى هذا الجيل الشاب. وربما يكون هذا الفارق نتيجة الاختلاف بين الظروف المجتمعية لكل جيل، فجيل أبائنا الكبار أغلبه كان من موظفي الحكومة الذين لا يميلون للمخاطرة كثيرا، بينما جيلنا خرج للحياة فوجد الطرق كلها ضبابية ففُرضت عليه المخاطرة لنيل أبسط حاجاته الأساسية. يتضح هذا الانفصال أكثر ما يتضح في موقف شباب الإخوان والسلفيين من المشاركة في تلك الموجة الثانية من الثورة. فبرغم الموقف الرسمي لجماعة الإخوان وكثير من مشايخ السلفيين المتأرجح بين السكوت والرفض إلا أن كثيرا من شباب الإخوان خرجوا عن ذلك الموقف الرسمي وكانوا في الميدان، وبعضهم أعلن رفضا صريحا قاطعا لموقف الجماعة الرسمي. وأيضا نفس الأمر حدث من الإخوة السلفيين، وهو أمر – لو تعلمون قوة التنظيم في جماعة الإخوان وقدر مشايخ السلفيين في نفوس أتباعهم – عظيم

o على صعيد آخر فإن الثورة، وبخاصة الموجة الثانية منها هي مواجهة مباشرة مع الإرادة الأمريكية في المنطقة، فرأيي المتواضع الذي أقوله باختصار هو أن المؤسسة العسكرية لم تكن مجرد مؤسسة، بل كان أفراد الجيش – بم يحصلون عليه من امتيازات لهم ولأسرهم – يمثلون طبقة كاملة في المجتمع المصري، تم تهديد مصالح تلك الطبقة بصعود طبقة رجال الأعمال المحيطة بجمال مبارك، وكان هذا جليا في الأنباء المتواترة التي كانت تشيع عن عدم رضا المؤسسة العسكرية عن التوريث. ولما اندلعت الثورة وسقطت تماما الشرعية السياسية لحكم مبارك، كانت هذه هي الفرصة لأن تسترد المؤسسة العسكرية مكانتها، فاحتلت السلطة مُمثلة في المجلس الأعلى للقوات المُسلحة. ولسنا بحاجة لبيان أن المجلس العسكري كان جزءا من النظام بل ربما كان هو النظام نفسه، والخلاف كان مجرد خلاف على المصالح، ولما كان الأمر كذلك كان المجلس العسكري هو الضامن الأخير للحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة لذلك كان الضغط الشديد لتمرير وثيقة السلمي التي تُقيم الجيش حاميا "لمدنية" الدولة، بغية تقويض أي فرصة للشعب المصري أن ينتخب سلطة تعبر عن طموحاته وتطلعاته التي هي بالضرور ضد الانبطاح لأمريكا والتعاون مع إسرائيل.

· عن الموجة الثانية من الثورة

o أرى أن وضعنا الحالي ليس وضعا سياسيا بل هو وضع ما قبل سياسي، فخريطة الواقع وموازين القوى مازالت تتشكّل على الأرض، ولن ننتقل إلى مرحلة السياسة إلا بعد أن يهدأ ذلك التشكل وتستقر تلك الموازين على معادلة واضحة لتوازنات القوى، حينها يأتي وقت الحل السياسي. فمصر الآن في مرحلة مخاض وهي في طريقها لولادة نظام سياسي جديد يُبنى على معادلة جديدة لتوزيع القوى أفقيا بدلا من الأشكال الهرمية التقليدية لتوزيع السلطة. وأخشى أن التسرع لإطلاق مبادرات للحلول السياسية – مع تقديري لمطلقيها – قد يخنق تلك الولادة ويودي بنا إلى الحصول على جنين سياسي لم يتم نضجه

o الصراع الدائر الآن هو صراع بين شرعيتين، شرعية أخلاقية وشرعية قانونية رسمية. الشرعية الأخلاقية هي في ميدان التحرير وفي باقي الميادين، أما الشرعية الرسمية فهي ما زالت في يد المجلس العسكري. وما يحسم ذلك الصراع أن تتحول إحدى الشرعيتين لشرعية سياسية بأن ينضم الطرف الثالث (عموم الشعب) لأي منها، وكان ذلك ما استغرق عقودا في ظل نظام مبارك حتى تتحول الحركات الاحتجاجية لثورة، وقد نجح المجلس العسكري في أن يختصر تلك العقود إلى شهور، ففشل المجلس العسكري في إدارة المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى ثبات جيل يتمسك بأمله الأخير أعزلا أمام الرصاص، عجّل بشكل ملفت من تآكل شرعية المجلس العسكري في الشارع، فتراجُع تأييد المجلس العسكري في الشارع متسارع بشكل ملفت جدا، وبقليل من الثبات ستسقط تماما شرعية المجلس العسكري في الشارع وتتحول الشرعية السياسية للثورة تماما.

o المطلب الأساسي الآن هو إسقاط شرعية المجلس العسكري وهي سقطت تماما في الميدان وباقي ميادين الثورة، وتتراجع كما أسلفت في الشارع، والحديث الآن على آليات نقل تلك الشرعية ورغم عدم اقتناعي بجدوى المبادرات السياسية الآن إلا أنها مسارا موازٍ لابد أن يسلكه أهله، بشرط أن تكتسب تلك المبادرات شرعيتها من الميدان وباقي ميادين الثورة. وليس لي اعتراض على أو تفضيل لمبادرة بعينها، فكل المبادرات تقريبا تدور في فلك نقل صلاحيات إدارة المرحلة الانتقالية إلى سلطة مدنية، وحتى إن لم يكن نقل تلك الصلاحيات بشكل كامل فالحد الأدنى الذي أقبله هو نقل صلاحيات إدارة الانتخابات وكل ما يتعلق بتفاصيل المجلس التشريعي، وإن قال قائل أن تلك السلطة المدنية لن تكون منتخبة فسنقول بكل بساطة أن السلطة العسكرية أيضا ليست منتخبة، وإن قيل أن المجلس العسكري هو السلطة الشرعية بموجب الاستفتاء نقول أن المجلس العسكري لم يلتزم بالاستفتاء وفشل في إدارة المرحلة الانتقالية فسقطت شرعيته. فالحد الأدنى الذي أقبله كحل هو نقل صلاحيات إدارة كل ما يتعلق بالمجلس التشريعي لسلطة مدنية، مع التعجيل بإجراءات الانتخابات الرئاسية لتبدأ بالتوازي مع الانتخابات البرلمانية، على أن يظل الناس في الميادين حتى بداية إجراءات الانتخابات الرئاسية، فالسلطة لا يؤمن جانبها

· عن الانتخابات

o سأقاطع الانتخابات القادمة طالما ظل المجلس العسكري محتفظا بكامل صلاحياته فرأيي أن إجراء الانتخابات في ظل احتفاظ المجلس العسكري بصلاحياته بعد أن فقد شرعيته لن يؤدي إلا إلى ترميم شرعية المجلس العسكري، فلا أتصور كيف يمكن أن يظن واحد منّا أن المجلس العسكري – بعد أن تورّط أمام الشعب في تلك المذابح – سيسلّم صلاحيات لمجلس شعب تمكّنه من محاسبته. وما يقلقني ليس عملية التصويت، بل ما يتبعها من تفاصيل وتعقيدات قانونية قد يُغرقنا فيها المجلس العسكري فتزيد فرص المجلس العسكري للالتفات على الشرعية

· ملاحظات على الهامش

o عبثية جدا فكرة أن يُبنى جدار عازل بين المتظاهرين العزّل وقوات الأمن. أجهزة الدولة غير القادرة على ضبط سلوك أفراد أجهزتها النظامية هي أجهزة فقدت شرعيتها

o لست قلقا على مصر، فما يحدث في مصر الآن هو من أفضل ما يمكن أن يكون، فأخيرا وبعد قرنين من الزمان قام المجتمع المصري ليثور على دولة محمد علي المركزية المتسلّطة، استرداد لإنسانيته واستعادة لكرامته واستقلاليته

o سلمية الثورة لا تعني عدم رد العدوان، فالدفاع عن النفس حق مشروع

o من حق الثوار التظاهر والاعتصام حتى على أبواب وزارة الداخلية، وأول خطأ يقدم عليه الثوار ويستدعي الرد من قوات الأمن، هو إلقاء أول زجاجة مولوتوف داخل أسوار الوزارة

o بالأمس كنت أستقل "التوك توك" وجاورني فيه شاب يبدو عليه موظفا، كان يتحدث عن الاستقرار وضيق الرزق ولم يكن راضيا بشكل كبير عن الثورة، فرد عليه سائق التوك توك أن من في التحرير على حق، وأن المجلس العسكري لابد أن يرحل ويسّلم السلطة لسلطة مدنية. بعد أن وصلنا وبينما أهم بالنزول لمحت مقود التوك توك مُغطى بقناع الغاز

o في الصفوف الأولى في شارع محمد محمود، وجدت سلفيين يتلقون الرصاص والغاز ويقذفون قوات الأمن بالحجارة وهم يكبّرون، وشبابا آخرين يقذفون قوات الأمن بالحجارة وهم يسبونهم "خذ يا ابن ....." وشابا آخر ينادي: "يا مايكل هات لنا طوب يا مايكل"

o إن وأدتم حلم جيلنا فلتنتظر تلك البلد عقودا كثيرا حتى تُنجب الأمهات أمثالنا مرة أخرى



باسم زكريا السمرجي
24/11/2011

الأحد، 13 نوفمبر، 2011

عن سوريا .. العودة للأساسيات

من اكتفى بالتحليل السياسي الموضوعي نافذة للنظر على واقع الربيع العربي فقد اختار أضيق النوافذ وأقلّها رحابة حيث تختنق مساحة الرؤية الضئيلة التي توفّرها بفعل فقر المعلومات الذي هو في الغالب نتيجة لتشابك مؤامرات الداخل والخارج وتنازعها فيما بينها على إدارة الواقع المضطرب في تلك المنطقة الحيوية من الخريطة الجيوسياسية العالمية.

اليوم بدأت جامعة الدول العربية في اتخاذ بعض القرارات التي من شأنها رفع الغطاء العربي عن النظام السوري ذلك الذي ربما يكون تمهيدا لتدخل عسكري ضد سوريا خاصة وأنه يأتي في وقت ارتفعت فيه حدة التراشق اللفظي بين إسرائيل وإيران. وأمام هذه الخطوة وما تثيره من ارتباك في التحليل السياسي للوضع في سوريا لمسته في بعض الحوارات مع بعض الأصدقاء أجدني مضطرا لتجاوز التحليل السياسي للواقع، بل ونسبية الواقع كله وأعود للأساسيات المطلقة التي تقوم على الواقع لا يقوم الواقع عليها، وفي رحاب تلك الأساسيات أحاول أن أدوّن بعض الخواطر في الشأن السوري.

أولا: من حق الشعوب أن تثور، فالشعب هو مصدر الشرعية، والشرعية هي مصدر السلطة، وأي سلطة تقوم بدون توافق الجمهرة الغالبة من الشعب عليها هي سلطة غير شرعية، وإن كُتب لها البقاء بعض الوقت فشرعيتها هي شرعية القوة وتملّك السلاح التي لا تختلف كثيرا عن شرعية الاحتلال الأجنبي. والشرعية تسبق القانونية، ففي الدول المحكومة بالاستبداد يفقد القانون شرعيته حيث أن المؤسسات المنوط بها شرعنة القانون يُفترض بها حتى تحقق تلك الغاية أن تكون ممثلة للشعب، ذلك التمثيل الذي نعرف بالضرورة أنه لم يكن إلا أكذوبة خاصة في ظل أنظمتنا العربية المستبدة. والثورة فعل غير قانوني ولكنه شرعي، وهي تنتقل من كونها فعل احتجاجي جزئي إلى كونها ثورة حين تلتحم تحت رايتها فئات الشعب المختلفة، وحين تكون تلك الراية لا تعرف مطالبا جزئية بل هي مرفوعة فقط في سبيل المجرّدات المطلقة كالحرية والعدل. والشعب ليس مجموعة أفراد، فلا يمكن أن نحدد حدا أدنى من عدد الأفراد حتى نبدأ بتسميتهم "الشعب" بل إن الشعب روح وإرادة، وطالما أن فئات مختلفة – عمادها عوام الشعب – ائتلفت تحت راية لا تعرف مصالحا شخصية أو جزئية فهؤلاء هم الشعب وهذه هي الثورة ... وما يحدث في سوريا ثورة

ثانيا: المقاومة ليست قضية سياسية تُوظف في سبيلها الأخلاق، بل العكس .. المقاومة قضية أخلاقية ابتداء، تفرض هي أخلاقها على السياسة لا تسيّس أخلاقها. فلا يمكن أن يُتصوّر أن نظاما يرفع رايات كالممانعة والمقاومة والمواجهة يوجه مدافعه لشعبه، ومن غير المقبول – مهما كانت الحجج – أن ينتقل السيد حسن نصر الله من الصمت إلى تأييد ذلك المدفع المُوجّه إلى الشعب العربي المسلم، يقولون أن للنظام السوري جميل عليهم فأقول وهل دماء الأبرياء أصبحت نبيذ الملوك؟! وهل خلع السيد حسن نصر الله رداء المقاوم ليرتدي جبّة الملك؟! يقولون أن بيد النظام السوري ما يمكّنه أن يوقع بهم، فأقول للسيد حسن، الشيعي، من يدّعي اتباع الإمام الحسين – عليه السلام – أما في كربلاء عبرة؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثالثا: الموت حق، أمر الله النافذ، وعده الذي لا يُخلف، يأتينا لا نعرف على أي هيئة. مات خالد بن الوليد سيف الله المسلول على فراشه وما بجسده موضع إلا وفيه أثر لرمح أو لسيف، وقُتل الطفل حمزة الخطيب بسلاح مرتزقة بشار وما بروحه موضع إلا وفيه أثر لطائرة ورقية أو حمامة بيضاء. يأتينا الموت سلّمنا أنفسنا له أو تصنّعنا التمنّع عنه باتّقاء أسبابه، فلا قرار لنا في الموت. أما ما لنا فيه قرار فإرادتنا التي لا تُسلب منّا إلا إن رضينا بذلك، فكما قال من قال "لن يمتطي أحد ظهرك حتى تنحني له"، الإرادة هي ما يهون الموت دونها، بل هي ما تستحيل الحياته بدونها. وأي محاولة لبيع الإرادة في مقابل شراء مزيد من أرواح هي مفارقة أجسادها لا محالة هي الموت عينه. أقول هذا لمن يستغيثون بالتدخل العسكري الأجنبي – الغربي خصوصا – لإنقاذ الأرواح في سوريا، أما ترون عن أيمانكم عراقا تمزّق؟! وعن شمائلكم ليبيا تُباع بين الضباع في سوق "إعادة الإعمار"؟! لن يكرر الغرب خطيئته في العراق ويواجه مواجهة مباشرة يخسر فيها دوما، بل سيترك مهمة الموت لكم ثم على أنغام الموسيقى الجنائزية يوقّع مع من تبقى منكم عقود "إعادة الإعمار" ليستلب منكم إرادتكم مرة أخرى لصالح السوق الذي يديره هو عن طريق نخب مصطنعة ... الموت لا قرار لنا فيه، أما الإرادة فهي قرارنا .. قرارنا الوحيد.

رابعا: لي ولكل المصريين: أخشى أن نلقى الله والدم السوري في رقابنا.


"حيوا أهل الشام يا أهل الله"



باسم زكريا السمرجي

13/11/2011

الخميس، 10 نوفمبر، 2011

من مواقف النفري ... موقف الإسلام

أوقفني في الإسلام وقال لي هو ديني فلا تبتغ سواه دينا فإني لا أقبل.

وقال لي هو أن تسلم لي ما أحكم لك وما أحكم عليك، قلت كيف أسلم لك، قال لا تعارضني برأيك ولا تطلب على حقي عليك دليلا من قبل نفسك فإن نفسك لا تدلك على حقي أبدا ولا تلزم حقي طوعا، قلت كيف لا أعارض، قال تتّبع ولا تبتدع، قلت كيف لا أطلب على حقك دليلا من قبل نفسي، قال إذا قلت لك إن هذا لك تقول هذا لي وإذا قلت لك إن هذا لي تقول إن هذا لك فيكون أمري لك هو مخاطبك وهو المستحق عليك وهو دليلك فتستدل به عليه وتصل به إليه، قلت فكيف أتّبع، قال تسمع قولي وتسلك طريقي، قلت كيف لا أبتدع، قال لا تسمع قولك ولا تسلك طريقك، قلت ما قولك، قال كلامي، قلت أي طريقك، قال أحكامي، قلت ما قولي، قال تحيّرك، قلت ما طريقي، قال تحكّمك، قلت ما تحكّمي، قال قياسك، قلت ما قياسي، قال عجزك في علمك، قلت كيف أعجز في علمي، قال إني ابتليتك في كل شيء مني إليك بشيء منك إليّ فابتليتك في علمي بعلمك لأنظر أتتبع علمك أو علمي وابتليتك في حكمي بحكمك لأنظر أتحكم بحكمك أو بحكمي، قلت كيف أتّبع علمي وكيف أعمل بحكمي، قال تنصرف عن الحكم بعلمي إلى الحكم بعلمك، قلت كيف أنصرف عن الحكم بعلمك إلى الحكم بعلمي، قال تحلّ بكلامك ما حرّمته بكلامي وتحرّم بكلامك ما حلّلته بكلامي وتدّعي على أن ذلك بإذني وتدّعي على أن ذلك عن أمري، قلت كيف أدّعي عليك، قال تأتي بفعل لم آمرك به فتحكم له بحكمي في فعل أمرتك به وتأتي بقول لم آمرك به فتحكم له بحكمي في قول أمرتك به، قلت لا آتي بفعل لم تأمرني به ولا آتي بقول لم تأمرني به، قال إن أتيت به كما أمرتك فقولي وفعلي وبقولي وفعلي يقع حكمي وإن أتيت به كما آمرك به فقولك وفعلك وبقولك وفعلك لا يقع حكمي ولا يكون ديني وحدودي.

وقال لي إن سوّيت بين قولي وقولك أو سوّيت بين حكمي وحكمك فقد عدلت في نفسك، قلت لا حكم إلا لقولك وفعلك، قال فقهت، قلت فقهت، قال لا تمل، قلت لا أميل، قال من فقه أمري فقد فقه ومن فه رأي نفسه فما فقه.

الأحد، 6 نوفمبر، 2011

العيد بهجة :)

يأتي هذا العيد في خضم أجواء تبعث على الحزن والأسى. وربما الموجة الغالبة هذا العام خاصة بين المنشغلين بالشأن العام هي التفنن في المجاهرة بالحزن والأسى وعدم القدرة على الفرح، صيانة لدماء الشهداء أو إظهارا للتعاطف مع ثورة يقولون أنها سُرقت, ولكني بصراحة – وعلى عكس ما يبدو أنه الشعور الواجب أو الأقرب للإنسانية – أشعر بالبهجة، وسأكون صريحا أكثر مع نفسي وأقول أنني لم أحزن يوما على الشهداء وهل مثل من قُتل في سبيل الحق والحرية والعدل يُحزن عليه؟! وهل منّا من لا يرتجي لنفسه مثل تلك القتلة؟! وحقيقة الأمر أنني لا أعرف معنى لهتاف "يا نجيب حقهم يا نموت زيّهم" فلا أرى مانعا من أن "نجيب حقهم" و "نموت زيّهم". بل سأكون صريحا أكثر وأقول أن الثورة نفسها لا تمثل لي أكثر من ذكرى طيبة، والذكرى لا تنشأ إلا من تفاعل بين الزمان والمكان والإنسان، والزمان رغم أنه كهل عجوز إلا أنه لا يعرف السكون فهو يدور ويترك آثار أقدامه الثقيلة على المكان والإنسان فلا يتركهما كما كانا. وهذه الحركة رغم أنها تبدو قاسية تدهس كل شيء تحت عجلاتها إلا أنها تحفظ لي الذكريات لأنها لا تعرف الحركة للوراء إنما دائمة الحركة للأمام تحملنا إلى المستقبل نُغير فيه ويُغير فينا وتُبقي الماضي على حاله دون إفساد أو تغيير، وهذه هي الحياة .. ديناميكية مستمرّة، حلقات تسلّم بعضها بعضا عن طريق التفاعل بين الزمان والمكان والإنسان. أما الذين يظنون أن الحياة هي مجموعة من الصور الاستاتيكية التي تصطفّ بجوار بعضها ويرفضون الحركة يظلمون أنفسهم بالتأيقن حول بعض تلك الصور فيتخلّون عن خصوصيتهم الإنسانية التي تُمكّنهم من الانتقال متعدد المستويات بين الماضي والحاضر والمستقبل، فيفقدون قدرتهم على إدارة حياتهم، وتنسحق أرواحهم تحت عجلات الحركة المسرعة من حولهم.

بدأ العيد في الدخول علي منذ أمس، وأمس كان يوم عرفة. استيقظت صباحا ولم أفارق الفراش بعد حيث سبق إليّ الشوقُ أصواتَ التلبية الصادرة من جهاز التليفزيون القريب من غرفتي، شوق لأن أكون معهم، شوق لأن أكون واحدا غير منظور من الملايين الذين أعلنوا لله تجرّدهم حتى ولو لم يكن لهم من التجرد حظ سوى الحظ الظاهري، شوق لأن أضع قدمي موضع قدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا بل شوق لأن ألثم موضع قدمه الشريف صلى الله عليه وسلم، شوق للرحيل إلى الله، للذهاب، للترقي الجسدي والنفسي والروحي. ثم شاهدت بعضا من المشاهد التي تبثها شاشات التليفزيون وكان ما في المشهد من عظمة يجبرك على تجاوز شكر المذيعين لآل سعود وكأنك لم تسمعه، وكان من خضم ذلك الحشد تشرق شمس المعنى، معانٍ كثيرة لا يتسع المقام لها، ولكن كان أول معنى أتى لي هو أن تلك الأمة العالمية التي جمع الله فيها الناس من كل جنس ولون في مكان واحد، وزمان واحد، في لباس واحد، يرددون دعاء واحدا، هي أمة فيها الخير. وأنه رغم ما أحاط بشعائر الحج من استغلال رأسمالي إلا أن الحد الأدنى الذي لا يقوم الحج إلا به إن أداه المسلم فقد التزم بحد أدنى من التواضع الإنساني الذي يكفل لهذه الأمة وحدتها وترابطها.

واليوم صباحا ذهبت لأداء صلاة العيد في الساحة التي أؤدي فيها مع أسرتي الصلاة كل عيد، ذهبت وإذ بي حين أشاهد الحشود في الساحة أرى نفس المعنى متجسدا أمامي كما كان متجسدا في مشهد الوقوف بعرفة على نطاق أصغر. انتهت الصلاة وبدأت الخطبة، ولم أكن أتوقع من الخطيب أكثر من أحكام الذبح أو فضائل العيد، غير أن الخطيب فاجأني بأن بدأ الخطبة بالحديث عن وجوب تطبيق شرع الله وظننت أنها خطبة انتخابية وسيوصي بانتخاب الإخوان والسلفيين غير أني رأيته يذكر سوريا ويدعو على بشار الأسد، ليس هذا فحسب بل إنه ذكر الاستبداد في السعودية، وذكر الاستبداد في إيران، واستشهد بعبد الرحمن الكواكبي، بل واستشهد بالشيخ كشك ورسالته للقذافي حيث حذره الشيخ في خطبة شهيرة من الظلم. ليس ذلك فحسب بل إن الخطيب ذكر مبارك، وقال ما نصّه: " إن القذافي كان يقتل الأحرار فقُتل شر قتلة،بن علي كان يطرد الاحرار فطُرد شر طردة، مبارك كان يسجن الاحرار فسُجن.والبشرى لبشار" ثم وجّه خطابه للتيارات الإسلامية المقبلة على الانتخابات ونبههم لوجوب التوحّد تحت راية واحدة، وأن يختاروا مرشحين هم الأصلح والأشجع والأكفأ والأقوى والأكثر أمانة، ويختم خطبته بأن أساس الدين الإسلامي العفو والرحمة والتسامح، وأن علاقة المسلم بغير المسلم قائمة بالأساس على السلم والأخوة الإنسانية، ونحن نحب البشر جميعا ونحب الخير للبشر جميعا ونحب أن يكونوا مسلمين أو على الأقل يكونوا صالحين في دنياهم حتى وإن اختلفوا في المعتقد. الشيخ اسمه محمد عبد رب النبي، من علماء الجمعية الشرعية.

كانت الخطبة مفاجئة بالنسبة لي، فاقت توقعاتي، وأدخلت السرور إلى نفسي. وفي الصلاة وُزعت علينا بعض أوراق الدعاية الانتخابية لحزب الحرية والعدالة وحزب الوفد أيضا، ولا أدري ربما في أماكن أخرى من الساحة تم توزيع أوراق لأحزاب أخرى، كما تم توزيع كتيبات صغيرة عن رؤية الجمعية الشرعية عن العمل الإسلامي المشترك والسياسة الحزبية، وأول ما وقعت عيناي عليه في هذا الكتيب هو كلام معناه أن لقيام الدولة الإسلامية لابد من توافر شرطين، الشرط الأول قيام الحكومة الإسلامية أو القانون الإسلامي حتى لا نجد قانونا يحرّم ما أحل الله أو يحلّ ما حرّم الله، والشرط الثاني هو قيام المجتمع الإسلامي لأن وجود قانون إسلامي بدون مجتمع إسلامي سينتج أفرادا يلتفون على القانون ولا يعبأون بتطبيقه ... وهو كلام أدخل البهجة على نفسي أيضا

في طريق العودة إلى المنزل شاهدت بعض مظاهر العيد المعتادة في حيّنا الشعبي، حيث تقف في "حوش" كل بيت أضحية يلهو معها الأطفال استعدادا لمشاهدتها تُذبح فيبدؤون بممارسة طقوسهم بعد الذبح من اللهو في الدماء وطباعة الكفوف على جدار المنزل. أثار هذا المشهد في نفسي بعضا من مزايا العيش في حي شعبي التي تتجلّى أكثر ما تتجلّى في المناسبات، وحينما أتحدث عن المناسبات فأنا أتحدث عن رمضان والعيدين، لا أتحدث عن "الهالوين" و"الفالانتاين". تذكرت البهجة التي طارت بنفسي والنشوة التي ملأت روحي وأنا أدخل الحي في أولى ليالي رمضان لأشاهد الزينة والأنوار تتدلّى من الشرفات وفي شوارعنا الضيقة، وكيف أن أطفال الحي يطرقون الأبواب بابا بابا ليجمّعوا الأموال اللازمة للأنوار والزينة (التي قد تتضمّن فانوسا كبيرا) التي يتم تعليقها في الشوارع، فزينة الشوارع يتشارك فيها الجميع بينما تُترك زينة الشرفات للإبداع الفردي، وأذكر هنا أحد جيراننا كانت دائما ما تتزيّن شرفته بألوان وأشكال عجيبة من الأنوار، وكنا دائما ما نسأل أنفسنا من أين أتى بتلك الأنوار المبهجة، ولكننا حين علمنا أنه يعمل كهربائيا زال العجب .. في عيد الفطر، أو قبيل عيد الفطر بقليل تجد صاجات الكحك تحملها رؤوس النساء أو أيادي الرجال في رحلاتها المكوكية من وإلى الفرن، ثم تجد يوم العيد الأطفال وقد ارتدوا ملابسهم الجديدة المُلوّنة وانطلقوا للشوارع، تلمع في أياديهم نقود العيدية الجديدة، وفي عيونهم بهجة لا تنقطع .. في عيد الأضحى، أو قبيله بقليل أيضا تجد في حوش كل بيت أو على سطوحه حيوانا، يصادقه الأطفال ويلعبون معه، وربما يُطلقون عليه اسما أيضا حتى إذا ما أتى العيد شاهدوه يُذبح واستمروا في اللهو بدمائه، وعلى ما يبدو في هذا المشهد من قسوة إلا أنني أجد فيه تسليما لله يُربى عليه الطفل صغيرا دون أن يدري، فليس كل ما نسنتحسنه حسن وليس كل ما نستقبحه قبيح.

أشياء كثيرة تبعث على البهجة في العيش في حي شعبي، فأنت تمشي في الشارع تعرف الجميع والجميع يعرفك، مقامات الناس محفوظة، وليس معيار التمايز هو القدرة المادية أو المؤهل العلمي كما في بعض المجتمعات بل إن معيار التمايز هو "الاحترام" فشيخ المسجد له الإجلال والتقدير، ثم الأمثل فالأمثل، ونستطيع أن نفهم هذا المعيار في ضوء المثل الشعبي الذي تحول إلى عقيدة وهو "اللي عنده دم أحسن من اللي عنده عمارة"

أصل إلى البيت لنبدأ في جولات العيديات، وهي جولات بالمعنى الحرفي للكلمة، فكل من له وظيفة يعطي عيدية لكل من في البيت، في دورة يبدأها أبي، ثم أنا، ثم أختي، حتى أني لا أعرف حسابا نهائيا للصادر والوارد، وهو أمر مُبهج أيضا

ننتهي من جولة العيديات ثم تهم أمي بالنوم (نسيت أن أقول أن أمي مُستثناة من جولة العيديات المالية) فأمنعها من النوم مطالبا بحقنا الشرعي في الفتة، وأدعو إخوتي بإيعاز من أبي – الذي يُفضل أن يلعب دور الأيادي الخارجية في هذا الأمر – ونقوم باعتصامنا على السرير لنمنعها من النوم وتقوم لتحضر لنا الفتة طعام الإفطار. وهذا السيناريو يحدث تقريبا كل عام بنفس الترتيب.

كثير من الكلام كنت أود أن أقوله عن بهجة العيد لكن حضرت الفتة وهي لي كالفجر لشهرزاد.

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وكل عام وأنتم بخير



باسم زكريا
6/11/2011