الأربعاء، 17 أكتوبر، 2012

"احنا" التي يبحثون عنها في الدستور

يبدو من الجدل الدائر الآن حول ما يتم الكشف عنه من نتاج عمل اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور – مع ربط ذلك الجدل بمسار الثورة منذ اندلاعها وحتى الآن – أننا نعاني من أزمة هوية. وعلى ما يبدو فإن تلك الأزمة ضاربة في جذور مجتمعنا إلى الحد الذي لا يمكن معه ادّعاء أن مجرد الرغبة في تجاوزها تكفي لتحقيق ذلك التجاوز، بل إن الطريق لتجاوزها هو الاشتباك معها ومحاولة فهمها ليس كقضية نظرية مستقلة بذاتها تعمل في الفراغ بل كإشكالية تتخلّق من تفاعل غيرها من القضايا في واقعنا الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي. فرغم أن كثير من المفكرين يقولون بأن الهوية ليست إلا وهما، إلا أنها أكثر الأوهام حقيقة، بل قد تصل إلى أن تكون أكثر حقيقية من الحياة ذاتها فهي لكثير من البشر علّة الوجود ومصدر المعيارية، وفي سبيلها ضحوا بحياتهم في حروب كانت في كثير من الأحيان تقوم لأسباب مختلفة. لذلك فمن التبسيط أن نتصور أن الهوية ليست إلا وهما لا حقيقة فيه.

أول ما يتبادر إلى الذهن حين التعرّض لسؤال الهوية أن المقصود هي الهوية القومية، أي وعي جماعة من الناس بموقعهم من التاريخ والجغرافيا وبالتالي حركة تلك الجماعة في العالم انطلاقا من ذلك الوعي. غير أن التفاعل الحقيقي مع سؤال الهوية يكون بمحاولة استكشاف طبقات أكثر عمقا يتجلى فيها مفهوم الهوية على الفرد والمجتمع. ومثل أن هوياتنا القومية الحديثة تشكّلت في خضم مشروع الحداثة الذي رغم تعدد مدخلاته ظلت اليد الطولى فيه للهيمنة الكولونيالية الغربية، فإن هويّاتنا داخل المجتمع في تلك الفترة تشكّلت تحت سطوة هيمنة أصحاب النفوذ في نظام تخلّت فيه الدولة عن أدوارها الواحد تلو الآخر حتى سلّمت نفسها تماما لأصحاب النفوذ في المجتمع المهيمنين على شبكات المصالح في النظام يسوقونها حيث أرادوا، ولأن الإنسان لا يولد ولديه ذلك الوعي الذاتي بهويته، بل يتشكّل وعيه بهويته في إطار تفاعله داخل المجتمع، لذلك فمن البديهي أن يتأثر وعينا بذواتنا بطبيعة العلاقات المجتمعية في ذلك النظام الذي كان لقلّة من أصحاب النفوذ والسيطرة اليد الطولى في صياغة فلسفته وتفعيلها.

لأن فلسفة النظام تحوّلت من الحشد الجماهيري على الشعارات القومية بهدف توجيه وإدارة الحيز العام، إلى خصخصة الحيز العام كان لذلك التحول تأثير على شكل العلاقات المجتمعية وبالتالي على وعينا بهويّاتنا. فلا يمكن لسياسات النيوليبرالية وفي القلب منها الخصخصة أن تقتصر على الاقتصاد، بل لابد أن تتسرب إلى المجتمع لتفتته وتخلق في مساحاته العامة تصدّعات وشروخ ينفذ منها أصحاب النفوذ ليشملوا بنفوذهم الحيز العام ويحوّلوه إلى مجموعة من المساحات الخاصة، فيتحول بذلك المجتمع إلى مجموعة من الأفراد. ليس ذلك فحسب، بل إن النظام يتسرّب إلى عقولنا ليكمل مهمته ويخلق لكل منا أوهاما بعضها فوق بعض ويدفعنا للتمترس خلفها كهوياتنا الفردية التي ننظر من خلالها لباقي البشر على أنهم "آخر" نتعامل معه اضطرارا على خلفية تعاقدية أو نتسامح معه اتقاء لشرّه، وربما في هذا الإطار نستطيع أن نفهم توجه أصحاب النوايا الطيبة من سكان "المجتمعات المغلقة Gated Compounds" للفقراء بالإحسان خوفا من ثورة الجياع، وهم يظنون أنهم يقومون بواجبهم تجاه المجتمع غير أنهم في حقيقة الأمر يقومون بواجبهم تجاه النظام.

ورغم أن "المصالح بتتصالح" ورأينا أن من رجال الأعمال الملتفين حول الرئيس مرسي المصاحبين له في رحلاته الخارجية من هم سبق وأن التفوا حول مبارك من قبل. ورغم أن الثورة حتى الآن لم تنجح في خلق هيمنة مضادة تحل محل هيمنة أصحاب النفوذ في النظام القديم بتعبير المفكر الماركسي أنطونيو جرامشي، إلا أننا نستطيع أن نجد بعض من يقتربون من الفكر الثوري بشكل أو بآخر أو بعض من ليس لهم صلة مباشرة بأصحاب النفوذ القدامى أعضاء في الجمعية التأسيسية. وربما يكون ذلك هو ما عطّل إنجاز الجمعية لمهمتها، وربما يكون ذلك السبب أيضا في دفع سؤال الهوية إلى الجمعية التأسيسية والذي نلحظه في الهوس بحماية تصور ما عن هوية الدولة. ورغم أن الدستور في نهاية الأمر لا يعدو كونه مجموعة من الأوراق التي لا تكفل حقا ولا تمنع جورا، فالدستور المصري لم يكفل حق الثورة الشعب ولم يبح التعذيب للشرطة إلا أن فهم الديناميكيات المصاحبة لآلية إنتاجه يساعدنا بشكل ما على تطوير فهمنا لبعض جوانب المجتمع.

غير أن الدستور الحقيقي هو الذي لا يُكتب، بل يخلقه الناس ويحيونه بإعادة امتلاك الحيز العام وكسر احتكار أصحاب النفوذ له، وإعادة صياغات العلاقات لتكون أكثر إنسانية نعرف فيها بعضنا البعض ونكتشف فيها مساحة المشترك، فنعرف "أنا" و"هو" في إطار الـ"نحن". ولنذكر نصيحة حسن أرابيسك لنا حين قال: "إنما المهم، المهم أوي، نعرف احنا مين وأصلنا ايه. ساعة ما نعرف احنا مين، هنعرف احنا عايزين ايه ونبدأ ونتَكّل على الله" .. "احنا" وليس "أنا"



باسم زكريا السمرجي

الخميس، 11 أكتوبر، 2012

عايزين تنفيضة

بالأمس صدرت أحكام بتبرئة متهمي موقعة الجمل، ورغم انفعالي بالجو العام الذي يغلب عليه الحزن وخيبة الأمل إلا أن انفعالي الشخصي كان على العكس من ذلك. فما حدث بالأمس هو هدم صارخ وصريح لأسطورة إمكانية تحقيق الانعتاق في الإطار المؤسسي القائم، تلك الأسطورة التي كانت آخذة في التوغل والسيطرة على إدراكنا وكانت تكاد تقودنا إلى التكلّس الفكري والحركي والوظيفي، فكنّا نقترب من أن يتموضع كل منّا في زاوية ما – من الصورة الأكبر – يرسم حدودها ويستمد من احتلاله لها شرعية وجوده كمكوّن من مكونات تلك الصورة الأكبر، وكانت الصورة الأكبر آخذة في ترسيخ نفسها ترسيخا عصيا على التغيير يدعم تمترس مكوناتها في زاويته الأصغر.

فجماعة الإخوان المسلمين التي كانت تبني شرعية وجودها على ظلم مبارك لها، ظلت تبني شرعيتها على مواجهة فلول الحزب الوطني في الانتخابات، ثم إزاحة العسكر، ثم ظلم الإعلام، ثم ظلم المزايدين من النخب السياسية والعلمانيين أعداء الوطن والدين كارهي الرئيس مرسي المؤيد من رب العالمين. فهم حتى بعد أن وصلوا إلى السلطة على المظلومية قائمون، يستمدون شرعيتهم من مواجهة "غول" ما.

ومعارضة الإخوان انقسمت لثلاثة أقسام. المعارضة "البنّاءة" وهي تلك المعارضة التي تسعى لتقويم المسار بدافع الحفاظ على مصلحة الوطن والنظام العام وهي معارضة "محايدة" تستمد شرعيتها من كونها "صوت العقل" عند الإخوان وعند الجمهور فنجد مثلا من يشغل منصب مستشار رئيس الجمهورية ثم ينتقد "بمنتهى الأدب" قرارات وتوجهات الرئيس عبر حسابه على تويتر !!. وهناك المعارضة "الشعاراتية" التي ترفع شعارات التنوير والحرية والدولة المدنية في مواجهة حكم الإسلاميين الرجعيين الظلاميين المتخلفين، وهم يستمدون شرعيتهم عند الجمهور من اللعب على وتر الفزع، خاصة وأن بذور الفزع مزروعة لدى قطاعات كثيرة واسعة من المجتمع المصري، فتجد هذه المعارضة مثلا تقيم الدنيا ولا تقعدها عند أي ظهور لعبود الزمر "الإرهابي" ويصمتون عن عن عشر سنوات قضّاها ظلما في السجن بعد أن كان قضى مدته، فهي ليست معارضة مبادئية متسقة مع نفسها بل معارضة شعاراتية ديماجوجية تخاطب في كثير من الأحيان قطاعات معينة من المجتمع. أما المعارضة الثورية فهي الوحيدة التي لا تستمد شرعيتها من مواجهة طرف ما، فهي تواجه السلطة أيا كان من يحتلها ومن تلك المواجهة واستعدادها للتضحية في سبيل مشروع الانعتاق تستمد شرعيتها.

الأزمة أننا كنا نقترب من الوصول إلى القناعة بأن تلك التركيبة هي التركيبة الأمثل لكل الفئات. فالإخوان يحكمون "بعذر"، والمعارضة البناءة تعارض "بعقل"، والمعارضة الشعاراتية تعارض "بعنف"، والمعارضة الثورية تضحي "بصدق". فصار كل منا يبذل الوسع في أن يجري في المكان بكل جدية ومثابرة، صار لكل منا دور يجتهد في أن يؤديه ببراعة حتى يحافظ على وجوده في تلك المسرحية العبثية التي تنتهي من حيث تبدأ كل ليلة. كنا بحاجة إلى "تنفيضة"، هزّة عنيفة تدفع كل منا للخروج عن النص، لمحاولة تغيير المسار الذي يجري عليه ليربك المشهد ويغير الصورة الكبرى. بالطبع لم نكن بحاجة إلى لعبة كراسي موسيقية نبدّل فيها الأدوار، بل كنا بحاجة إلى أن يتحدّى كل منّا حدود دوره، فيحكم الإخوان بحق (وقد كنت أتمنى أن يأتي خيرت الشاطر رئيسا للوزراء وأن نرى مشروع النهضة بحق) وتطوّر المعارضة الشعاراتية شعاراتها إلى برامج وتنظيمات وأحزاب، وأن يوجّه الثوار تضحياتهم إلى مكانها الصحيح، إلى العدو الحقيقي، إلى الدولة. لم أذكر المعارضة البناءة/المؤدبة/الأليفة فهؤلاء سيدور الكون وسيتغير كل شيء وسيظلّون مقيمين على ما يفعلون، فهم مثقفوا الدولة "أصحاب الضمائر" !!!!!!

كنا نحتاج إلى "تنفيضة" تدفع كل منّا لاختبار حدود دوره وتجاوزها لإرباك المشهد العام، فهل تكون موقعة الجمل هي تلك التنفيضة، كما كانت قبل ذلك هي العلامة الفارقة في مسار إسقاط مبارك؟!


باسم زكريا السمرجي
11/10/2012

الاثنين، 8 أكتوبر، 2012

عن "نجوم المايكات" .. والدولة .. والإخوان


استضافت قناة "أون تي في لايف" على شاشتها في رمضان الماضي أوكا – أورتيجا – سوستة – شعوذة – وزة – شحتة كاريكا وهم مجموعة "فريق الـ8%" من نجوم "المهرجانات". والمهرجانات هو لون من ألوان الغناء الشعبي يشبه "الهيب هوب"، وتمتزج فيه إيقاعات الراب والهيب هوب بكلمات في كثير من الأحيان تكون "غير مناسبة"، وهو اللون السائد في أوساط سائقي التوكتوك الآن.

ما أثارني في هذه الحلقة التليفزيونية التي امتدت لنصف ساعة هو العلاقة بين هؤلاء الشباب ممثلين لفئة من المجتمع خارجة عن المألوف والمناسب، وبين "المؤسسة" – وأقصد بالمؤسسة هنا التفكير السائد في المجتمع – مُمثلة في القناة وبالذات في شخصية المذيعة التي لا أعرف اسمها مع الأسف. حتى نستطيع أن نرى تلك العلاقة، لابد أن نعود بالخيال إلى الوراء قليلا لنتصور أن قناة تليفزيونية دعت هؤلاء الشباب لكي يكونوا ضيوفها في إحدى برامج رمضان. أتصور أنهم حينها كانوا سيحرصون على التأنق، وسيحرصون على اختيار ألفاظهم وأسلوب حديثهم حتى يكون متماشيا مع "الذوق العام" ويكون أكثر اتساقا مع المؤسسة. غير أن ما حدث في تلك الحلقة المشار إليها كان العكس تماما، فهم لم "يعدّلوا" لا هندامهم ولا طريقتهم في الحديث، بل إن المذيعة صارت تحاول تقليدهم، فصارت المؤسسة هي التي تحاول أن تتمثّل هؤلاء الخارجين عنها وليس العكس ! وهكذا فإن إنتاج ثقافة وهوية خارج المؤسسة لم يعد فقط ممكنا، بل صارت لتلك الثقافة وتلك الهوية القدرة على إخضاع المؤسسة لها. ولكن لا أريد أن يبدو الأمر وكأن في هذا النوع من الفن الخلاص الأكيد من المؤسسة فقد شاهدنا بعض الحالات تستطيع فيها المؤسسة التلاعب بمثل تلك المحاولات الخارجة عنها وتدجينها، كما حدث مع بعض الفرق الأخرى التي تقوم بأداء المهرجانات أيضا حيث قاموا بأداء بعض المهرجانات في مسلسلات رمضان واضطروا لتغيير بعض الكلمات "غير المناسبة" ليستطيعوا الظهور على شاشة التليفزيون.

وبالانتقال من "نجوم المايكات" إلى المشهد السياسي والمجتمعي الأوسع، نجد أن إنتاج سرديات خارج المؤسسة ليس فقط بالأمر الممكن بل بات أمرا ضروريا. فالنمط الاجتماعي الاقتصادي الذي نحياه والذي يتسم بالعشوائية الشديدة حيث أن السلعة الرئيسية فيه – المعلومات – لا يتطلّب إنتاجها أي قدر من المركزية، وبالتالي صارت المعلومات – بشكل ما – متاحة للجميع فأصبح من المستحيل على الدولة أن تتحكم في نوع وكم المعلومات التي يستطيع أن يصل إليها المجتمع بالقدر الذي يمكّنها من إنتاج سرديّتها كسرديّة وحيدة تخضع بها المواطنين عن طريق التلاعب بالعقول بدلا من الجلد بالسياط، والدولة المصرية خير دليل على ذلك، فلم يكن اختزال أدوارها في الدور القمعي إلا لعجزها عن إنتاج سردية تكفيها تكلفة ذلك القمع.

وبالتالي، فإن معركة الدولة بانتخاباتها بدستورها لا تشغلني، ولا أعتبر فوز جماعة الإخوان في الانتخابات البرلمانية أو قدرتها على فرض أجندتها في كتابة الدستور انتصارا. فأقصى ما يمكن أن تفعله بالدولة المصرية أن (تبوسها وتحطها جنب الحيط علشان ماحدش يدوس عليها). لكن ما أخشاه، أن تنجرف التيارات الراديكالية المعارضة للإخوان لنفس المعركة الوهمية، وتستنفذ الوقت والجهد فيها فتكون أقصى أمانيها هزيمة الإخوان في البرلمان ! ... نحتاج قليلا من الخيال




رابط الحلقة المشار إليها http://www.youtube.com/watch?v=wpmrJuMc0gM




باسم زكريا السمرجي
8/10/2012

الاثنين، 24 سبتمبر، 2012

ما تيجو نلعب ثورة .. عن إضراب الجامعة الأمريكية

مبدئيا: أعتذر مسبقا عن ركاكة التدوينة دي لأنها موجهّة لشوية عيال عندهم مشاكل في الآي كيو أصلا، فهاحاول اكلمهم على قد عقلهم (إن وُجد)

علاقتي بالجامعة الأمريكية كمؤسسة بدأت في شهر فبراير 2012 حين بدأت دراستي للماجستير في العلوم السياسية فيها بمنحة، ومن الطبيعي جدا إني أكون منتمي لسياق اجتماعي واقتصادي مختلف عن السياق الاجتماعي والاقتصادي اللي بينتمي له أغلب أعضاء مجتمع الجامعة الأمريكية، وبالتالي فشعور الغربة هو المسيطر عليّ طوال تواجدي في الجامعة، وهي مش غربة "الفلاح القروي اللي بهرته أضواء المدينة"  إنما غربة الإنسان اللي من لحم ودم اللي بيتجوّل في متحف الشمع، حيث البشر ليس لهم من صفات البشر غير لامؤاخذة الشاسيه ... طبعا ده حكم عام مش معناه إنه بينطبق على كل فرد ينتمي لهذا المجتمع، بالعكس أقرب الناس لي واللي اتعلمت منهم الكثير هم بالصدفة أعضاء في هذا المجتمع مثل أمي د. رباب المهدي وأخويا الكبير سيف أبو زيد (اللي كان رئيس اتحاد طلبة الجامعة الأمريكية في العام 2006).. وغيرهم إخوة وأصدقاء أعزاء من الطلبة والخريجين والأساتذة. 

يتبع إحساسي بالغربة عن المجتمع ده بالطبع عدم اكتراثي "بنضالاتهم" المدّعاة بل كمان كنت شايف إن احتفاظ المجتمع ده بوضعه الاجتماعي والاقتصادي محصّن لم يُمس دليل على إن الثورة لسة قدّامها كتير أوي ! واكتشفت إن عجلة الإنتاج (شغّالة أو واقفة) مابتطحنش إلا الغلابة اللي النضالات الحقيقية - في ساحات أكل العيش - هي بالنسبة لهم الطريقة الوحيدة لبقائهم على قيد الحياة أصلا، مش مجرد حكايات يروحوا يحكوها لاصحابهم ع القهوة أوفي مركز الشباب بالليل (معلش أصل الناس بتوع النضالات الحقيقية دول مابيقعدوش على "كافيهات" وغالبا مابيبقوش مشتركين في نوادي). وبالتالي كنت شايف إن الإضراب أو الاعتصام اللي عاملينه علشان موضوع زيادة ال7% ده واللي شغال بقاله أسبوعين ده لا يعنيني أصلا، وإن كان ع الدراسة فأديني قاعد في البيت اقرا وخلاص، لحد ما حصل اللي حصل امبارح. 

قبل امبارح كنت شايف إن العيال دول زي أي عيال متدلعة دلع ماسخ فرحانين بلعبة being radical وقاعدين يلعبوا ثورة بقى ويرددوا شعارات الثورة في ابتذال يفقع "المرارة" (هنمشّيها المرارة معلش علشان أنا ليا حد أدنى في الركاكة برضه !) وطبعا الدلع الماسخ لما زاد عن حده، بقى واضح جدا إن العيال دول مش بس هيؤذوا نفسهم  إنما هيضروا بالحركة الطلابية كلها، لدرجة والله إنهم صعبوا عليا وكلمت د. رباب اقول لها لو تقدر تعمل حاجة هي وباقي أعضاء هيئة التدريس اللي ساهموا في إثراء تلك الحركة الطلابية (ده قبل ما اعرف إنها وباقي أعضاء هيئة التدريس النشطاء كانوا في قلب الموضوع أصلا) وكنت أظن إن لما الكبار يروحوا للعيال دول يكلموهم العيال هيكبروا لهم ويكبّروهم لكنهم للأسف طلعوا أصغر وأحط أحطّ من إنهم يفهموا الأخلاق دي وبقى ينطبق عليهم المثل الشعبي اللي بيقول كلام مينفعش يتقال ع النت لكن معناه إن صحبة مش عارف مين كده تبليك واللي فيها تجيبه فيك وده بالظبط اللي حصل امبارح من العيال اللي هم "مش عارف مين كده" واللي نقدّر نلخصه بإن العيال الأمامير قرروا يغيّروا لعبة being radical  لأن واضح إن حكاياتها بقت مملة واصحابهم في النادي زهقوا منها فقرروا يلعبوا لعبة being rude  ويعملوا شوية أكشن، فتعدّوا على أساتذتهم، اللي هم مش أساتذة عاديين لأ إنما الأساتذة اللي أصلا ساندوا الحركة الطلابية في الجامعة من زمان وكان ليهم مجهودات مشهودة في ده. مش بس كده، دول كمان تعدّوا بالضرب والتلفيق والإهانة على أ. طارق مغربي وأ. وليد شبل الموظفين في الجامعة. وهنا بقى الموضوع قلب من ادعاء ثورية لبلطجة وقلة أدب و افترا طبقي (خاصة في حالة أ. طارق وأ. وليد)، وانا مايؤذينيش إلا الافترا خاصة لو على خلفية طبقية لأنه بتبقى أسبابه بنيوية أكبر من قوة الأفراد، لذلك فالموضوع قلب معايا بتار شخصي، وأنا مستعد لأي مساعدة يطلبها مني أ. طارق وأ. وليد علشان ياخدوا حقهم، أي مساعدة بمعنى أي مساعدة يعني !

أما العيال ولاد "مش عارف مين كده" دول فعايز اقول لهم إن الافترا اللي مش طبقي بيوجع أوي على فكرة



24/9/2012

الخميس، 9 أغسطس، 2012

"الألماني" .. صناعة نظام


"الألماني" هو اسم الفيلم، الذي ما أن انتهيت من مشاهدته والسؤال المركزي الذي يشغل عقلي، هل كان "شاهين الألماني" – الشخصية التي تدور حولها أحداث الفيلم – مجرما يهدد المجتمع وعلى المجتمع أن يتوجه له إما بالإصلاح أو البتر إن لم ينصلح؟ أم أن الألماني لم يفعل إلا ما يتوجب عليه فعله؟

بداية، لاحظت في الفترة الماضية كثرة تناول الأفلام والمسلسلات للطبقات المهمشة، وانتشار لغة تلك الطبقات وحتى إنتاجهم من غناء شعبي – بالذات ما يعرف بأغاني "المهرجان" – بين أبناء الطبقات الأعلى، الذين صاروا ينظرون لأبناء تلك الطبقات المهمشة على أنهم "القرد أبو صديري" المدهش الذي يمارس دوره في التسلية، أو على أفضل تقدير صار التعامل مع أبناء تلك الطبقات وكأنهم موضوع للدراسة ليسوا بشرا، والأسوأ أن سلوك تلك الطبقة يتم التعامل معه على أنه "ظاهرة" مستقلة – يجب علاجها – ليس على أنه إحدى تجليات النظام ككل.

نعود "للألماني"، لنجد أن أمه تلخص الحكاية في ردّها على هجوم مذيعة تليفزيونية عليها وعلى ابنها حيث قالت ما معناه: "إذن من أين يأكل؟ يعمل خادما لديكم أليس كذلك؟ أنتم تركبون السيارات وتعيشون وهو يخدمكم! ألم يسأل أحد فيكم لماذا صار "الألماني" على ما صار عليه؟! " تتجلى في تلك العبارة أزمة التهميش التي يعاني منها أبناء الطبقات الفقيرة، سكان العشوائيات. فالنظام المتحكم فيه الطبقات الأعلى والذي تفرض فيه – لأسباب يطول شرحها – الشرائح العليا من الطبقة المتوسطة بالذات هيمنتها عن طريق تسييد معايير "أخلاقية" لما هو صحيح وما هو خطأ، نجد أن ذلك النظام لا يعترف بأهلية من لا تنبطق عليه تلك المعايير "الأخلاقية". ووصف تلك المعايير بالأخلاقية يفترض مسبقا حيادها عن المصالح وهذا أمر يسهل اكتشاف زيفه، حيث أن تناول تلك المعايير بالتحليل يكشف لنا أنها لم تأتِ إلا لشرعنة هيمنة طبقات ما على النظام، ويتجلى ذلك في وصف أبناء الطبقات المهمشة بأن شكلهم "غلط" بدلا من أن الاكتفاء بوصفهم بأن شكلهم "مختلف" فافتراض أن شكلا ما "غلط" يستوجب افتراض أن شكلا آخر "صح" يجب على الكل أن يسعى للتشبه به وإن لم يستطع فليعلم أن ذلك لدنو في نفسه وعليه أن يرضى إذن بمكانه الأدنى من هؤلاء الذين "شكلهم صح"

هكذا ينظر المجتمع "للألماني" وهكذا يعلمه أن ينظر لنفسه. ولكن بدلا من أن نخضع لهيمنة النموذج الأخلاقي السائد في المجتمع فلنحاول أن ننظر إلى العالم بعيني "الألماني"، الذي نشأ طفلا في طبقة يعاني أفرادها العوز والحاجة التي تضطرهم إلى أن "يأكل بعضهم بعضا" بحسب وصف أمه، فتشكّل في إدراك الألماني أن الناس إما ضحية وإما جانٍ، لا وسط بينهما فأنت إن لم تستطع أن تكون من الجناة لن يتركك الناس لحالك وستتحول إلى ضحية، وأن الضحايا هم هؤلاء الفشلة الأغبياء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. فاختار الألماني – لعلو همّته – أن يتّبع معايير النجاح التي علّمه إياها مجتمعه، وهكذا تحول "الألماني" من صبي ميكانيكي واعد إلى فتوة. ولابد لنا هنا من طرح سؤال ماذا لو كان "الألماني" وُلد لأب وأم غير أبيه وأمه، ولطبقة غير تلك التي ينتميان إليها؟! ماذا لو كان وُلد لأسرة تسكن أحد قصور المجمعات السكنية المغلقة؟! ماذا لو كان وُلد لطبقة علّمته أن النجاح هو أن يستبدل بلغته العربية لغة أجنبية ما؟! ربما لو كان ذلك قد حدث لكان "الألماني" مديرا تنفيذيا بإحدى الشركات متعددة الجنسيات وبجوار عمله يدرس ماجستير إدارة أعمال في إحدى الجامعات الأجنبية !

إذن فالأزمة ليست في شخص "الألماني" بل في السياق المجتمعي الذي علم "الألماني" أن يكون كذلك، في النظام الذي صنع "الألماني"، وأيضا الأزمة ليست في الطبقة التي ينتمي إليها الألماني، بل في النظام ككل الذي همّش تلك الطبقة ودفعها لصياغة نموذجها القيمي في ظروف غير آدمية من الحاجة والعوز، والمقصود بالنظام ليس فقط النظام السياسي، بل النظام الاجتماعي الاقتصادي بمفهومه الأوسع الذي لا يمثل النظام السياسي ومؤسسات الدولة إلا أحد تجلياته. وربما هذا ما لم يتعرض له الفيلم بشكل واضح حيث دار في أحد مشاهد الفيلم حديث على لسان ضابط شرطة يشكو عجزه عن تطبيق القانون على البلطجية أبناء الأغنياء خوفا من سطوة أهليهم ومن ناحية أخرى فإن ضابط الشرطة يشكو عجزه عن تطبيق القانون على البلطجية الفقراء خوفا مما سيحدثه ذلك من ثورة وسط أهليهم الجياع الذين يُرزقون من ورائهم، فصوّر الفيلم مؤسسة الشرطة وكأنها مؤسسة محايدة تقف بين الاثنين غير أن الحقيقة أن مؤسسات الدولة جميعها ومنها الشرطة - بل بالذات الشرطة والمؤسسة الأمنية بشكل عام - تنحاز لأصحاب الهيمنة والسطوة في المجتمع الطبقي.

إذن فما الحل؟ بالتأكيد ليس الحل في حملات توعية التي يتوجه بها أبناء الطبقات الأعلى لأبناء تلك الطبقات الفقيرة على أمل أن "ينضفوا" أي أن يصيروا مثلهم أبناء الطبقات الأعلى، فطالما ظلت الفروق الاقتصادية قائمة ستظل الفروق الثقافية قائمة ولا يمكن تجاوزها. وليس أيضا الحل في استبدال هيمنة طبقة مكان طبقة، فليست الطبقات الأعلى كلها شر وليست الطبقات الأدنى كلها خير، فكلا الطبقتين قامت بصياغة نموذجها القيمي في سياق النظام. فالحل في إسقاط النظام الطبقي بمفهومه الأوسع. ولن يسقط النظام سوى على أيدي أصحاب المصلحة الحقيقية في إسقاطه، المهمّشين فيه، أبناء الطبقات الفقيرة ... "اللي شكلهم غلط"



باسم زكريا السمرجي
18/7/2012

السبت، 14 يوليو، 2012

In a Pursuit of Organization




It’s undeniable that we are being pushed by the ruling authority to the corner of reactiveness; that most of the battles we that have been through since Mubarak fall were imposed and defined by the authorities and the revolutionaries were just dragged to them, while in a revolution, it should be the other way around. It’s true that we’ve managed to end some of the battles with some gains but if we are thinking about continuing this way, the separation between the revolutionaries and the masses will continue to deepen which in turn will transform the rupture between the masses and the revolutionaries to be a rupture between the masses and the revolution at whole. Hence, revolutionaries will end up being paralyzed facing the authorities which will result in failure to push the revolution towards achieving its real goals: radical change in the relation between the state and the society i.e. the redistribution of wealth and power among the society.

This constant dragging to the false battle is a contribution of two main factors. One has to do with the nature of the Egyptian authorities and the other has to do with the nature of the Egyptian revolution. As we all know that the nature of the Egyptian state, especially in the last ten years, was of extreme weakness that the state apparatus wasn’t able to monopolize the authority and reproduce a central discourse. So, the authoritarianism was distributed among the interest groups who managed to infiltrate the society using the state apparatus without being subject to its legal framework. In light of this phenomenon we can understand how these interest groups managed to continue functioning after Mubarak has been displaced and after a parliament has been elected and they will continue functioning to a great extent even if one of the revolutionaries managed to win the presidential position.

In order to analyze the second factor contributing in our failure to make our battles, we have to be harsher on ourselves and do some self-criticism having before our eyes that we are talking about a future we are all responsible for with variant degrees. I’m explicitly saying that our childish repulsion at theorizing and organizing considering the former a waste of time and the latter is synonymous to authoritarianism, is what hindered us from analyzing, planning and making the proper calculations before making any step. Enough with this childish attitude now since the masses who were ahead of the elite, and made the revolution, compel us to be humble enough to learn from its movement and think of creating a new form of non-authoritarian organization, that rest on an innovative theorization, which departs from ready-made thoughts, analyzing and interpreting a new lively reality which is still in the making.

The organization we need is not an organization with its conventional meaning. Instead of being a static system, it’s rather a perpetual dynamic process of managing the societal interaction. It’s not an ideological organization making  crowd mobilization over  false consciousness its strategy and goal. It’s rather a socio-economic organization that articulates its political programs from below upon good understanding of the “real” socio-economics of the society rather than imposing a political agenda from above which overlooks the reality of the masses. It’s not also a conventional communist organization which makes the factory its own focal point and central sphere of action, since however valid was this theme for a certain historical context it became obsolete as the machinery replaced the workers and the industrial type of production is not the dominant theme for today’s Capitalism anymore. So, I would say that the factory is not the place where the masses are, and thus the revolutionary organization we need for today is not an economic organization; it’s rather a socio-economic organization which understands the relationship between economics and social composition and how geographical spaces are being shaped by economics and it will find that the masses are mostly concentrated in the poor crowded areas where poverty compels people to depend on each other in their daily life and hence create the public sphere which is being to a great extent privatized in rich areas given the economic ability of the people living there.

So, it’s a socio-geo-economic organization that pushes to enroot the revolution socially in the areas where is being shaped by common economic factors so that it can reproduce the revolutionary discourse from below to face the authority discourse coming from above. It’s an organization which is not pursuing winning the masses, as it will be the masses. And for the organization to achieve this purpose, three main tasks have to be on its agenda. Firstly; creating – or to be more specific discovering – the organic leadership implanted in the socio-economic soil of the society. The second task should be creating a network of the revolutionary spots on a socio-economic basis in order to develop a wider sense of a common ownership to the public sphere which in turn should result in a creating a spirit of solidarity on a wider geographical scale that outweighs the authority discourse which depends on dividing people on the basis of false consciousness. Finally, the third task for the organization should be constructing upon this revolutionary network and articulating the revolutionary discourse into a constructivist political agenda; and hence find an internal and external decentralized way of the communication and the movement, so that instead of being dragged into the battles we impose our own battles in which we will be able to push the revolutionary agenda forward little by little until we dismantle the authority altogether.


Bassem Zakaria Al-Samragy

------------------------
The original Arabic version was published in Al-Shorouk Newspaper in May 9th 2012

الأحد، 8 يوليو، 2012

الموقف الثوري بين الإخوان والبديل الثالث


لا تتناسب ثورية الموقف طرديا مع يساريته، فالاتجاه يسارا لا يعني بالضرورة الاقتراب من الثورة، وإنما يكفي أن تتجه يسارا بالقدر الذي يُخرجك من الخضوع لشرعية هياكل السلطة دون الخروج على جماهير المجتمع المقهورة، فتضمن أن تتحرك خارج إطار السلطة ولكن مع الجماهير الذين هم وقود الثورة وصناع التاريخ الحقيقيون وإلا أصبحت الثورة مجرد مجموعة من الأحلام الشخصية المتناثرة في أدمغة أو "أمزجة" أصحابها.

في ذلك الإطار فإن الموقف الثوري في الوقت الراهن لابد أن ينطلق من ثلاثة منطلقات على التوازي. أولها وأهمها على الإطلاق هو بناء البديل للقوتين المتصارعتين على السيطرة على المشهد السياسي الحالي، شبكات مصالح الحزب الوطني التي اختطفت الدولة وتنظيم الإخوان المسلمين الإصلاحي الذي قادته الظروف لتصدر الثورة. فتطور الأحداث أثبت أن انتصار الأفكار ليس مرهونا بشكل أساسي بجودتها أو ملاءمتها للواقع فقط، بل بقوة التنظيم الذي يستطيع أن يحولها إلى حقيقة مادية تتجلى في مجموعة البشر يستطيعون الدفاع عنها وإنفاذ إرادتها، وتجلى ذلك بوضوح في المعركة الانتخابية في جولتيها الأولى والثانية، فبينما أتت نتيجة الجولة الأولى معلنة عبور التنظيمين سالفي الذكر لجولة الإعادة، لم تكن لتخرج نتيجة جولة الإعادة على هذا النحو لولا الكفاءة التنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين الذين استطاعوا الإفصاح عن النتيجة النهائية قبل إعلانها بشكل رسمي، ذلك الإفصاح الذي قطع الطريق على تزوير كان مرتقبا، والذي أعقبه بحشد جماهيري حسّن من موقف الإخوان التفاوضي في مقابل المجلس العسكري وما يمثله من قوى الثورة المضادة. ومن يدري، ربما لو لم ينجز الإخوان المسلمين هذين الإجراءين لما كانت النتيجة على ما هي عليه.

إن كان الإخوان بهذه الكفاءة التي تمكنهم من إنفاذ إرادتهم في مواجهة قوى الثورة المضادة فلم البحث عن بديل؟ ليست الأزمة في الكفاءة بل في الإرادة؛ فالإخوان تنظيم إصلاحي لا ثوري لذلك فإن إرادتهم على الدوام تكون بالالتفاف حول المواجهات وسلوك أقل الطرق خطورة وأكثرها أمنا والتي بالضرورة لا تفكك هيكل السلطة القائم وتعيد صياغته بل تسعى إلى ترميمه وإصلاحه. لذلك فإن البديل لابد أن يكون تنظيم ذا إرادة ثورية وكفاءة تنظيمية عالية تستطيع أن تُنفذ تلك الإرادة، من خلال بلورة حركة الجماهير في أطر سياسية تعبر عن تلك الحركة فتدفع الجماهير لتطويرها ونتوقف عن إهدار الفرص الثورية. ليس ذلك التيار بالطبع هو ذلك المسمى بالتيار الثالث الذي يطلقه في الغرف المكيفة ويتحدث باسمه نخب النظام القديم، إنما هو ذلك التيار الاجتماعي الذي يتشكل من جماهيرٍ حياتها النضال اليومي من أجل لقمة العيش، تلك الجماهير التي اقتحمت في الثورة – حتى وإن كان بالمتابعة – مساحات السياسة المُحتكرة من قبل النخب.

المنطلق الثاني للموقف الثوري هو نقد جماعة الإخوان المسلمين. فالإنجاز الثوري الحقيقي حتى الآن هو كسر احتكار طرف واحد – الحزب الوطني – لأوراق اللعبة السياسية، وبعثرتها بين أطراف عديدة في الداخل والخارج. لذلك فإن تسليم أوراق اللعبة لطرف ما وتوكيله لمواصلة الثورة هو هزيمة ليس انتصارا، فانتصار الثورة ليس بوصول ثوري للسلطة – فضلا عن وصول إصلاحي لها – بل إن انتصار الثورة هو تفكيك احتكار السلطة واستردادها لجماهير الشعب، وهو هدف بعيد المدى مرهون بالقدرة على استدامة تهديد من في يده السلطة.

ضرورة أخرى لانتقاد جماعة الإخوان المسلمين وهي تلافي ما يمكن أن يحدثه وصول الإخوان المسلمين من تصدعات طائفية تفكك المجتمع لمصلحة الاستبداد. وقد لا يكون الإخوان المسلمون هم الفصيل صاحب النزعات الطائفية الأكثر تطرفا – وإن كانوا لا يخلون منها – ولكن وصولهم للسلطة قد يطمئن أصحاب النزعات الطائفية الأكثر تطرفا فيطلقوا أيديهم في المجتمع، وعلى الإخوان المسلمين أن يتحملوا مسؤوليتهم في هذا الصدد بالقوانين والتشريعات لا بالوعود والتطمينات !

سبب آخر لضرورة انتقاد الإخوان المسلمين، وهو إيصال رسالة للجماهير مفادها أن وجود الإخوان كبديل وحيد للنظام القديم ليس قدرا أبديا لا يمكن الفكاك منه، بل إنه أمر مؤقت بالظرف التاريخي الذي نحياه والذي نستطيع أن نغيره. بل يجب أن يتجاوز نقدنا للإخوان المسلمين ذلك الحد ليكشف عن تخلفهم عن اللحظة الثورية فيصبح تجاوز هم نحو صنع بديل أكثر ثورية ليس رفاهية وإنما واجب الوقت. غير أننا حين نطرح تلك الرسالة لابد أن نؤكد على أن تجاوز الإخوان المسلمين يعني التقدم للأمام وصناعة بديل جديد لا العود للوراء والسقوط في أحضان النظام القديم وهذا هو المنطلق الثالث للفعل الثوري. فلابد أن نؤكد في رسالتنا أن نقد جماعة الإخوان المسلمين ليس لمصلحة النظام القديم، فتجاوز النظام القديم – بما يمثله من عسكرة للدولة وسيطرة لشبكات المصالح عليها – أمر من المعلوم من الثورة بالضرورة، ليس فقط لأن العودة للنظام القديم تعني العودة للاستبداد بل لأن العودة للنظام القديم تعني تأخير تجاوز الإخوان المسلمين – الذي لن يحدث إلا بالنقد الموضوعي – ومن ثم الحفاظ على ثنائية الوطني الإخوان كما هي وتعني أن ذلك المقال سيكون صالحا للنشر في أعقاب الثورة الثانية التي ربما تحدث في المستقبل المنظور !

إن الثورة ليست حلما عابرا في خيال الشعراء، بل هي معركة انتزاع حقوق مادية لصالح الجماهير المقهورة التي تسبق قدرتها على الحركة قدرتها على صياغة تلك الحركة، وهنا يأتي دور التنظيم الذي لابد علينا لبنائه أن نتوقف عن الاقتناع بأن المراهقة الثورية هي السبيل الوحيد لمواجهة السلطة



باسم زكريا السمرجي
26/6/2012