الأربعاء، 25 مايو، 2011

الثورة المصرية ... بين التغيير والتثوير

السلطة من التسلط، فالقهر في جيناتها ولا سلطة تستطيع أن تتصف بالطيبة، هي إما قاهرة لغفلة المجتمع أو مقهورة ليقظته. لذلك فإن الهدف الحقيقي من الثورة هو تثوير المجتمع وإيقاظه وليس تغيير السلطة. هذه رسالة أوجهها للمهتمين باقتفاء آثار الفساد السياسي للسلطة الموجودة – ليس فقط لمن يدعون لثورة غضب ثانية يوم الجمعة القادم – وفي تلك الرسالة بعض الكلمات تحتاج إلى ضبط سياقي في إطار أحداث ثورة 25 يناير مثل "السلطة"، "المجتمع"، "الثورة"، "التثوير"، "التغيير".

وأبدأ "بالمجتمع"، والمجتمع – عندي – ليس "الجماهير"، بل هو البناء متداخل اللبنات، متعدد الألوان أو هو المساحة التي تتكون من توافقات أفراده – كل في دائرة انتمائه الفرعية المهنية، أو الجغرافية، أو العمرية، أو الدينية أو حتى القـَبَلية – على خلفية الهوية الثقافية الجامعة. وأزمة مصر في العقود السابقة كانت بالأساس أزمة نخبة أصرّت أنها لا تنتمي إلى ألوان ذلك البناء المجتمعي فاختارت أن تبني لنفسها بناية صغيرة وانعزلت عن مساحة المجتمع إلى مساحة صراعات مفتعلة تدور فيها حول نفسها – حكومة ومعارضة – دون أن تهتم بأن تجد لتلك الصراعات مساحة في البناء المجتمعي فتلك النخبة انتخبت نفسها بالأساس ولم تــُـنتخب من المجتمع – وأعني بالانتخاب هنا التوافق – فهي بالتالي لا تستمد شرعيتها إلا من نفسها، تتساوى في ذلك الحكومة والمعارضة.

في الثورة حدث أن تحرّك ذلك البناء المجتمعي وتمددت تلك المساحة المجتمعية لتبتلع النخبة وتتبنى صراعاتها بشكل لم تعرفه مصر في تاريخها الحديث لأسباب عديدة أجد أهمها، محاولات النخبة التي بدأت منذ 2004 أن تندمج في البناء المجتمعي في رحلة كانت أهم محطاتها حركة كفاية، إضراب 6 أبريل، تكوين الحركات الشبابية وعلى رأسها حركة شباب 6 أبريل، حملة دعم ترشح البرادعي للانتخابات الرئاسية، حملة كلنا خالد سعيد. بالإضافة إلى دفعة الأمل الكبيرة التي دفعتها في النفوس الثورة التونسية، غير أن ذلك الاندماج الذي فاجأ الجميع – بين المجتمع والنخبة – لم يلبث أن انفصمت عروته بعد أن زال الخطر الآني ونـُحى مبارك عن الحكم، حيث تفلتت النخبة السياسية مرة أخرى من بين يدي المجتمع وارتدت من حالة ميدان التحرير عائدة إلى حالة سلالم نقابة الصحفيين، حيث عادت مرة أخرى لصراعاتها المفتعلة وظنّت أنها هي الثورة، وصار باقي الشعب ثورة مضادة. فالمشكلة لا تزال موجودة وهي أن النخب ليس لها شرعية التفويض أو التوافق فهي تستمد شرعيتها من نفسها ولا تدين للمجتمع بشيء.

وننتقل هنا إلى "السلطة" وما هي علاقتها "بالمجتمع".وأسأل وأقول هل حقا الناس على دين ملوكهم؟ أم كيفما تكونوا يُولّى عليكم؟! أرى أن الجمع بين القولين جائز، فالعلاقة بين المجتمع والسلطة علاقة دائرية ملتفة، يعبّر المجتمع عن نفسه فيتجلّى في السلطة فتدير السلطة شؤونه بالحكمة فتعبّر عن إرادته وتحميها فيستمر المجتمع في التعبير عن نفسه، وهكذا. ولا نستطيع أن نقول أن البداية لابد وأن تكون من المجتمع أو من السلطة، فالأمر أكثر تركيبية من ذلك، فالبداية على الإطلاق أظنها تكون من المجتمع، غير أن السلطة قد تصل إلى درجات من الفساد والإفساد تحول بين المجتمع وبين الصلاح فلابد هنا أن تكون البداية من "تغيير" السلطة ليس بهدف التغيير وفقط بل بهدف التخلية بين المجتمع وبين التعبير عن نفسه.

وينتقل بنا المقال هنا إلى "الثورة" التي أراها تمر بمرحلتين الأولى ضرورية وهي "التغيير" وأراها أنجزت أكبر أركانها، فالرئيس أصبح مخلوعا والوريث مسجونا. والثانية واجبة وهي "التثوير" وأعني بالتثوير هنا إيصال الثورة لمستحقيها وهم أفراد الشعب المصري، والتثوير الذي أعنيه هنا بالطبع ليس تثويرا لتغيير السلطة وإنما تثوير ذاتي يثور فيها المجتمع على أمراضه التي أورثها إياه نظام احتلال محلي الصنع وتغذى عليها، وهذا التثوير في رأيي يكون بأن يمارس أفراد الشعب المصري ملكيتهم لوطنهم بشكل مباشر كخطوة أولى نحو إعادة إنتاج نخبة جديدة أسميها نخبة مجتمعية تستمد شرعيتها توافقا من القاعدة الأعرض للمجتمع المصري، وتمارس تلك النخبة المجتمعية ضغطا – تدعمه شرعية مجتمعية – على النخب السياسية للدفع في اتجاه تحقيق المصلحة.

في ضوء كل ما تقدم أعلن أنني:

· لا أنكر على من تنادوا بالنزول يوم 27 مايو مطلقا ولن أشارك فيه

· أستنكر أن يُسمى ذلك اليوم بالثورة الثانية وإنما هي خطوة على طريق التغيير حالّة وواجبة لضمان استمرار مسيرة الثورة لكنها ليست ثورة مستقلة ولا هي أيضا "الثورة"

· أستنكر بشدة الالتفاف على الشرعية الشعبية والتنادي بمجلس رئاسي مدني، أو بتأجيل الانتخابات أو بتقديم وضع الدستور على الانتخابات البرلمانية

· أستنكر أن نفتح كل ملفات "الفساد"، كما أستنكر أن نتغاضى عن أي من ملفات "الإفساد". فمع شكل نظام كنظام المخلوع البائد اختلت المنظومة الأخلاقية والقيمية داخل المجتمع واضطر بعض الناس لأن يكونوا فاسدين مواكبة للظروف وهم كثير ولكنهم في النهاية يصلحون بصلاح السياق فأرى أن نهتم أكثر بملاحقة المفسدين حتى نستأصلهم وأن نتسامح مع بعض من "تورّطوا" في الفساد.

· أرى أنه بعد فشل مؤتمر الحوار الوطني ومؤتمر مصر الأول لم يعد لدينا سوى مبادرة إعادة إحياء التيار الرئيسي المصري كإطار واسع عريض – لا يملكه أحد – يمارس فيه المصريون ملكيتهم لوطنهم.



باسم زكريا السمرجي
باحث بمركز المربع للدراسات الإنسانية والاستراتيجية
25/5/2011

الاثنين، 23 مايو، 2011

أسطورة الفتى العادي - نثر

كنا جلوسًا في ساحة الأبد...

في تلك المساحة المنسية بين قصر الملك وقبره...

حيث كل شيء، وحيث لا شيء

نتبادل النكات المهترئة...

والضحكات المنهكة...

والقلوب المعتّقة في سراديب الماوراء والماقبل.

نتسمّع وقع أقدامهم،

نتعجب كيف يمشون على الهواء...

كيف استطاعوا أن يصنعوا المعجزة

يقطع سؤالنا ذلك الصوت المألوف لقبضته المتهالكة وهي تدق الباب،

إنه التاريخ...

يخلع عنه عباءته المزركشة...

وكهولته المعتادة...

ولحيته الكثة...

وتلك الصورة النمطية التي فرضتها دواعي الدراما.

يجلس بيننا...

يشكو إلينا ثقل ظل الأمير وضحكات الحاشية...

التي تفرضها دواعي الدراما.

ثم يوغل في الصمت، وينصت.

يراقب أسراب الحمام تعانق أطياف الشهداء في السماء...

وتختبر معها ألحانها الجديدة.

يتابع همة العجوز التي تعيد حياكة ثوبها الأسود كل ليلة...

وهي تعلم أن الصباح المتصابي سيعود يمزقه مثل كل يوم.

يوصيها بألا تسرف في تطريزه بالنجوم...

فهو يعلم أيضا أنه لن يدوم...

فتجيبه بابتسامة حانية

دون أن تلتفت...

لدواعي الدراما

فيطاوعها ثم يصرف عنها النظر...

يراقب ذلك الفتى العادي

يندهش من قدرته على الحياة...

كيف استطاع المرور..

كيف تمكن من مراوغة...

دواعي الدراما.



باسم زكريا السمرجي
23/5/2011

الثلاثاء، 17 مايو، 2011

جمال حمدان - الرجل المنسي





منذ شهر بالضبط وفي يوم 17 أبريل الماضي كانت الذكرى الثامنة لوفاة الرجل العبقري د. جمال حمدان الذي جعل من الجغرافيا فنّا وفلسفة وتصوّفا


رحمه الله كان كتابه الرائع "استراتيجية الاستعمار والتحرير" هو اللبنة الأولى في بنائي الفكري، ذلك الكتاب الذي نفخ فيه جمال حمدان الروح في التضاريس وجعل من الجغرافيا كائنا حيا يتحرك مع يجول في طرقات التاريخ


رحمه الله

الأحد، 15 مايو، 2011

إنه حنظلة


هو لم يحاول أن يلفت الأنظار
لم يندهش يوما
لم يسع يوما لتسجيل المشهد أو اللحاق به
بل كانت المشاهد كلها تلهث أمامه يدافع بعضها بعضا ...
تستجدى نظرته، ونحن لا ندري هل هو مغمض العينين، يعف بصره عن واقعنا الممزق
أم أنه يشاهد كي يعبأ رأسه بذاكرة أمة يخشى أن تفقد يوما ذاكرتها
ضئيل الحجم
مرقع الثوب
حافي القدمين
إنه "عادي" إلى حد البطولة
واثق إلى حد الرعب
حكيم إلى حد الجنون
راسخ إلى حد الذوبان


إنه حنظلة

الثلاثاء، 10 مايو، 2011

شايف مصر محتاجة أيه الفترة اللي جاية؟؟

الثورة المصرية ... نظرات من شرفة التأمل

نظرة على الثورة المصرية من شرفة التأمل قد تكشف لنا بعضا من ملامحها وتساعدنا على طرح رؤية أكثر تفسيرية للثورة وما أحاط بها وما تبعها من أحداث.


نستطيع أن نقسّم الثورات تقسيمات على أسس مختلفة، لعل إحدى تلك الأسس تجعلنا نقسّم الثورات إلى ثورات فعل وثورات رد فعل. أقصد بثورات الفعل هي الثورات التي تنشأ من تراكم أيدولوجي وتتقدم ببديل واضح ومتبلور للنظام القائم مما يُسهّل مهمة البناء بعد الهدم ومثال لذلك الثورة البلشفية، ذلك النوع من الثورات يمتاز بأنه سياسي بالأساس تقوده نخبة سياسية ما تطرح أيدولوجية سياسية محددة تتفرع منها الرؤى الاجتماعية والاقتصادية، فتسبق السياسة فيها المجتمع مما يرشح مثل تلك الثورات إلى إنتاج ديكتاتوريات أخرى. بينما الصنف الثاني من الثورات طبقا لهذا التصنيف هو ثورات الغضب الانفجارية التي تكون رد فعل لقهر واستبداد النظام القائم. عادة يسبق المجتمع في مثل تلك الثورات النخب السياسية، ولا تمتلك تلك الثورات بديلا متبلورا لأن التراكم الثوري فيها يكون تراكما من الغضب والرفض المجتمعي الذي لا يمتلك رفاهية بلورة نموذج سياسي بديل للنظام القائم، يتصاعد التراكم الثوري حتى يُسقط النظام ثم تقف الثورة حائرة لا تدري ما تفعل، والثورة المصرية تنتمي إلى ذلك الصنف الثاني من الثورات وتتشابه في ذلك ربما مع الثورة الفرنسية، لكن الجديد في الثورة المصرية أنها وإن كانت ثورة غضب وانفجار فهي لم تكن ثورة دموية بل كانت ثورة امتازت بالسلمية المفرطة والرقي المبالغ فيه في بعض الأحيان، وهي في ذلك تستبطن ملامح نموذج إنساني جديد يحكم العلاقات بين فئات المجتمع وبعضها وبين الشعب والسلطة.


إن النموذج الإنساني يمتاز بالرخاوة والغموض، وهذا لإنه إنساني غير مادي لا يمكن التعامل معه بشكل "علمي" بعكس الأيدولوجيات التي ترى الإنسان الموظف لا الإنسان الإنسان. إن النموذج الإنساني يحتاج للنخبة المثقفة أن تساعد في استجلائه وصياغته فالشارع وإن سبق النخب في مرحلة الهدم كان لابد للنخب أن تلحق بالشارع وتقوم بدورها في تقديم صياغات بنائية ذات مقدرة تفسيرية عالية تستطيع أن تٌفسّر حقيقة تلك الثورة وما يجب أن يكون شكل البناء بعدها، لكن للأسف صار جل ما انشغلت به النخب هو لـَي عنق الثورة حتى تتوافق وما يريدون مما أنتج استمرارا لعزلة النخبة عن المجتمع حين عجزت النخبة عن تقديم صياغة سياسية حقيقية لحركة المجتمع وابتكر النشطاء والنخب ليبرروا فشلهم عنوانا براقا هو "الثورة المضادة" الذي صاروا يلصقونه بكل ما لا يوافق هواهم في نزعة وصائية بغيضة.


لجأ المجتمع إلى نفسه واستكمل ثورته على السلطة التي بدأها على سلطة الكرباج ليكملها ثورة على سلطة القلم وعاد المصريون مرة أخرى إلى التمترس خلف انتماءاتهم الطائفية أو الفئوية ليشعروا بالأمان والألفة فهم في انتماءاتهم الفرعية حتى وإن مورست عليهم سلطة ما داخل تلك الانتماءات الفرعية فهم الذين توافقوا على تفويض تلك السلطة ولم تفرض نفسها عليهم.


الأزمة ليست في الرجوع للانتماءات الفرعية لكن الأزمة أن تنسحب الأرضية المشتركة من تحت أقدام تلك الانتماءات الفرعية فتظهر حالة السيولة التي نكابدها الآن ومنشؤها التخبط والتناحر بين الاتنماءات الفرعية تلك.


إن الحل ليس في أدلجة المجتمع المصري الذي أثبت عبر التاريخ أنه عصي على الأدلجة فالمصري قد انصهرت إنسانيته ونضجت من خلال التفاعل مع التاريخ عبر آلاف السنين مما جعله عصيا على التنميط والتوظيف والأدلجة فالمجتمع المصري دائما مكونا من دوائر متداخلة ومتشابكة فالفرد تابع لديانة معينة ويشترك مع تابع لديانة أخرى في نقابة أو اتحاد عمال ما، وهكذا.. ولم تكن تقسيمات المجتمع المصري أفقية متصارعة صراعا طبقيا. فالحل ليس في استيراد المعلبات من النماذج والأفكار.


الحل يا سادة أن نعيد قراءة الواقع بما هو عليه لا بم أردنا له أن يكون وأن ننتقل من مرحلة "الحفظ" والتطبيق المدرسي إلى مرحلة "الفهم" والاستجلاء والاستكشاف وتقديم الأطروحات واختبار مقدرتها التفسيرية وإعادة تنقيحها وهكذا حتى الوصول إلى أقرب الصياغات من حقيقة الثورة.


الحل يا سادة وبدون مواربة في تفعيل التيار الرئيسي المصري حيث تُستنطق دوائر الانتماء الفرعية تلك بأحلامها وهواجسها ومخاوفها وتقيم حالة من الحوار عليها مع نفسها أو مع غيرها من الدوائر ويكون دور النخب في تلك العملية دورا ترشيديا لا دورا إرشاديا لا يتعدى كونه اشتراكا في الحوار وصياغة نتائجه.




لا أدري لماذا أشعر الآن أكثر من أي وقت مضى أني أفتقد د. عبد الوهاب المسيري بل وأبكي لفقده رحمه الله.




باسم زكريا
باحث في مركز المربع للدراسات الإنسانية والاستراتيجية
9/5/2011

الأحد، 8 مايو، 2011

هوامش على متن بوادر الفتنة

هي هوامش لأن المتن الآن صراخ وصراخ مضاد، هي هوامش لأن المتن الآن تلاوم وتلاوم مضاد، هي هوامش لأن المتن الآن فلول وأجندات وثورة المضادة هي هوامش لأنها كلمة أظنها حقا في وجه سلطان رأي عام نخبوي جائر.

· إن نظام مبارك كان نظام احتلال وطني أتقن استخدام كل أدوات نظم الاحتلال التي كان من أنجعها "فرق تسد" فلقد اعتمد نظام مبارك على اقتفاء أثر الطائفية أينما وجدت بغية تذويب الدولة كأرضية تعايش وتفتيتها إلى أجزاء مُوزعة على الطوائف والفئات المجتمعية المختلفة كل حزب بما لديهم فرحون. والطائفية هنا ليست دينية فقط بين المسلمين والأقباط أو بين المسلمين وبعضهم وبين الأقباط وبعضهم بل إنها بين فئات المجتمع كله، بين سكان الأحياء الراقية وسكان العشوائيات، بين سكان العاصمة وسكان المحافظات، بين سكان المدينة وسكان "الكومباوندات"، بين العمال وأصحاب الأعمال. غير أن أشد أنواع الطائفية وأخطرها على السلم الاجتماعي الطائفية الدينية لأن ما عداها تتعلق بالمصالح الاقتصادية بالأساس بينما الطائفية الدينية هي طائفية دوجمائية تتعلق بالحق والباطل، بالهدى والضلال، بالجنة والنار.

· إن نظرنا إلى الأحداث الطائفية – التي لم تصل إلى درجة الفتنة حتى الآن – بين المسلمين والأقباط نجد أنها ناتجة بالأساس عن احتقان بين الكنيسة الرسمية وبين مجموعة من أتباع التيار السلفي الوهابي بالأساس، ولفهم أبعاد سياق هذه الأحداث جميعها يجب وضع أيدينا على طبيعة الطرفين. فالكنيسة الرسمية تتشابه مع الوهابيين في الطبيعة المركزية الهيراركية، فالسلطان الروحي والإداري لبابا الكنيسة على الأقباط هو نفس السلطان الروحي والإداري للشيخ على مجموعة الأتباع وتلك الطبيعة كانت تُسهّل مهمة أجهزة النظام في استخدام الطرفين فكانت تفتعل مشكلة للأقباط وتُنكّل بهم ولا ترفع ذلك التنكيل إلا بتدخل شخصي من البابا مع رئيس الدولة وكان ذلك يستلزم أن يُقدّم البابا بعض التنازلات السياسية من تأييد للرئيس ولوريثه وكانت آخر تلك التنازلات هو موقف البابا من الثورة. على الجانب الآخر كان يتم التنكيل بأتباع التيار الوهابي أشد تنكيل – وأشهد على أنهم كانوا أكثر الناس تعرضا للتعذيب "والمرمطة" في أمن الدولة لأنهم "ليس لهم صاحب" فلا منظمات حقوقية ولا هيئات محلية أو دولية تسأل عنهم – فيضطرون مشايخهم وبالتالي أتباعهم إلى تقديم بعض التنازلات السياسية – كان آخرها في الثورة أيضا – في مقابل عدم رفع سقف التنكيل أكثر من ذلك أو السماح لبعضهم بالظهور على شاشات التليفزيون وللبعض الآخر بإلقاء الدروس في المساجد. ومع تكرار تلك المواقف يزداد الحنق في نفوس الأقباط لشعورهم بالاضطهاد ويزداد الحقد في قلوب المسلمين لشعورهم بتمييز الأقباط.

· على قدر المسؤولية تكون المساءلة وإن أقررنا باشتراك مجموعات من التيار الوهابي مع الكنيسة الرسمية في المشكلة فلابد هنا أن أقر وبوضوح أني أتوقع من قداسة البابا أكثر مما أتوقع من تلك المجموعات المخالفة للإجماع المجتمعي بل وحتى لغالب التيارات الدينية، وأزمة السيدة كاميليا شحاتة في رأيي مثال على ذلك. فالسيدة مسيحية وأنا مقتنع بأنها على مسيحيتها لم تتزحزح عنها لكن القضية بها بُعد حقوقي إنساني قد يتذرّع به المتطرفون والقضية فعلا تسلّمها القضاء وكما ورد في برنامج العاشرة مساء بالأمس أرسلت النيابة استدعاء للسيدة كاميليا على محل إقامتها فلم تجد فيه أحد فأرسلت النيابة الاستدعاء للكاتدرائية فأعلنت الكاتدرائية عدم علمها بمكانها ثم ظهرت بعد ذلك السيدة كاميليا على قناة الحياة المسيحية المتطرفة التي تعارضها الكنيسة أصلا وتلك علامة استفهام كبيرة حتى بين بعض أصدقائي الأقباط.

· الآفة الأكبر في بعض "عقلاء الطرفين" الذين يتصورون أن حل المشكلة في إفطار الوحدة الوطنية أو حضور القداس في الكاتدرائية وما إلى ذلك من الممارسات الصورية التي تُفسد من حيث أرادت الإصلاح. إن التفاعل بين المسلمين والأقباط يجب أن يبقى في المساحة المدنية، حيث الاختلاف مشروع والحوار مطلوب والتوافق منشود أما المساحة الدينية العقدية لكل من الطرفين فهي مساحة اختلاف لا توافق فيها فالمسلم كافر بالإنجيل الذي بين يدي الأقباط حاليا حتى وإن آمن بنبوة سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، والمسيحي كافر بالقرآن حتى وإن أقر بقدر سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الإصلاحي في تاريخ البشرية، فمن العقل والحكمة أن نتجنب تلك المساحات العقدية التي يكون الخلاف فيها خلافا بين حق وباطل وأن نتفاعل في المساحات المدنية على أرضية الوطن المشترك، وللأسف هذا ما لا ينتبه إليه بعض النخب وبعض النشطاء حسنوا النية مسيئوا التصرف، فالمسلم الذي يحضر القداس في الكنيسة حين يذهب لطمأنة "الأقلية القبطية" أن "الأغلبية المسلمة" تشفق عليهم وتمد لهم يدها بالخير فمن يفعل ذلك يُكرّسو لمفهوم أهل الذمة بالتكريس لوجود ما يُسمى بالأقلية والأغلبية على أساس ديني وهو أمر مدني بحت تحسمه صناديق الانتخاب لا شئ سواه.

الحل يا سادة أن تقوم دولة القانون على البشر جميعهم، وأن تشترك باقي أطياف المسلمين والأقباط بعيدا عن المجموعات المتعصبة في التيار الوهابي وبعيدا عن السلطة المركزية للكنيسة الرسمية في مشاريع ومبادرات في المساحة المدنية على أرضية الوطن

لا أحب – في المعتاد – أن أتحدث عن أحداث جارية أو أزمات حالية لكن طفح الكيل منّي فآثرت إلا أن أقول ما يرضي ربي ويريح ضكيري في هذا الأمر وحسبي أني لا أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله



باسم زكريا
باحث في مركز المربع للدراسات الإنسانية والاستراتيجية
8/5/2011

الأنسنة قبل المواطنة

في البدء كانت كلمة، والكلمة هي الروح، والروح هي سر الله التي أودعها في الإنسان فكان الإنسان هو التجلي الأعلى لفعل الخلق. فالله خلق الإنسان من العدم وأتم خلق جوّانيته في عالم الأبد واستخلفه في الأرض على التأقيت ليعبده فيها حق عبادته بإعمارها حق عمارتها حتى يأتيه اليقين بأن تُنزع روحه من الجسد وتعود من عالم التأقيت إلى حيث تنتمي، إلى عالم الأبد. خلق الله الإنسان وكرّمه عن سائر المخلوقات بأن جعل عبادته لله حرية واختيارا لا قهرا وإجبارا. وهذا التكريم محدود بحدين، من تجاوز أي منهما فقد ارتضى بالدنية في إنسانيته، الحد الأول هو الإيمان بوجود الله مصدرا للمعيارية ومرجعية مطلقة وحيدة متجاوزة للطبيعة وللمجتمع وللإنسان ذاته غير حالّ في أي منهم، والحد الثاني هو اليقين بأن هذا التكريم للإنسان لأنه إنسان يسبق انتماؤه للإنسانية أي انتماء لهوية صنعتها عوامل الزمن.

وبإمعان النظر في مفهوم الاستخلاف أو العمارة نجد أنه بالأساس يتركز حول الإنسان – المنتمي أساسا إلى عالم الأبد – لا حول الأرض أو الطبيعة التي هي – مهما طال بقاؤها – إلى زوال، لذلك على الإنسان أن يضع نصب عينه دائما من أين يبدأ وما هو المهم لذاته فيُلتفت إليه وما هو المهم لغيره فيُلتفت عنه إلا بقدر الحاجة. فالإنسان لابد وأن ينطلق في تفاعله مع الحياة ومقصده هو التحقق بحقيقة جوهره الإنساني الجوّاني والأخذ من الظواهر ما يعينه على التحقق بذلك الجوهر الإنساني الكامن في حريته التي هي مصدر تكريمه كما بينّا في الفقرة السابقة.

ومن هذا المدخل أتناول – بشكل موجز – مفهوم "المواطنة"، الذي لا يستقيم أن نتناوله إلا مرتبطا بمفهوم "الدولة القومية" فالمفهومان ارتبطا ارتباطا عضويا في النشوء والمآلات. ولابد قبل البدأ أن أبيّن أن المفهومان تمت صياغتهما من تفاعلات الحضارة الغربية حينما ظن الإنسان الغربي أنه يحتاج مثل تلك المفاهيم ومدلولاتها وتجلياتها على الأرض، وفي هذا المقال سأحاول أن أقدم اجتهادا – يعزيني إن أخطأت فيه رجاء نوال أجر المجتهد المخطئ – للمقارنة بين "الدولة" و "المواطنة" ومدلولاتهما في النموذج الحضاري الغربي والنموذج الحضاري العربي الإسلامي.

إن الدولة القومية كسياق وأرضية يمارس عليها المواطن مواطنته نشأت في الغرب في أعقاب ثورات طبقية أو حروب اقتصادية أو عرقية، فكان لابد من نشوء كيان يحفظ مكسب المنتصر في تلك الصراعات وكان لابد لذلك الكيان أن يكون كيانا ماديا ذا حدود مرسومة لأن تلك الصراعات كانت كما قلنا صراعات على موارد فكان لابد من الحدود كي تحدد مناطق نفوذ الجماعة المتغلبة ليحفظها من الغزو ويصرف تركيز القائمين على تلك الموارد إلى تنميتها، فالدولة نشأت للحماية والتنظيم وفرض السلطة في الداخل والخارج بغية تعظيم الإنتاج واستغلال الموارد الاستغلال الأمثل، وارتبط بذلك نشوء المواطنة كوسيلة لإقامة العدل بين المواطنين في توزيع الموارد عليهم، فالقضية كلها قضية موارد وقضية إنتاج وكان لابد من ضمان حقوق الجميع حتى يسهل إعادة صياغة البشر كأعضاء وظيفيين في المجتمع. صاحب ذلك بعض أشكال الحقوق والحريات التي في النهاية ترمي إلى تصنيع الإنسان الموظف المثالي الذي يستقيم والعقلية الصناعية الحاكمة لمفاهيم الغرب والتي كانت بمثابة السياق العام الذي ازدهرت فيه حضارة الغرب.

بينما مفهوم الدولة الحديثة في الشرق العربي يختلف بالكلية عن مثيله في الغرب. هذا إن سلمنا بوجود هذا المفهوم أصلا في الشرق. على أية حال نستطيع أن نقسم دول الشرق إلى قسمين، القسم الأول دول مصنوعة ما بعد سايكس بيكو وهي دول حتى الآن لم يستقر لديها مفهوم الدولة الحديثة لا على مستوى النظرية ولا على مستوى التطبيق بل مازالت تلك الدول تأخذ شكل القبائل حتى وإن ادّعت غير ذلك. والقسم الثاني دول طبيعية ذات حضارة قديمة مثل مصر والعراق والشام. وصحيح أن الدولة نشأت في تلك الدول لتنظيم توزيع الموارد كما في دول الغرب غير أن الفارق كان في السياق الذي ازدهرت فيه تلك الحضارات وهو السياق الزراعي الذي يمتاز بأنه أكثر من السياق الصناعي اقترابا من جوهر الإنسانية. فبينما تقع العقلية الصناعية في غواية السيطرة على الطبيعة والإحاطة بجميع أبعادها، تتماهى العقلية الزراعية مع الطبيعة وتقر بعجزها أمام أساطيرها، لذلك نجد أن الدين – حتى الوثني منه – والأساطير مكونان أساسيان جميع الحضارات الزراعية بينما كان الإلحاد هو السمة الأساسية للحضارات الصناعية.

على أية حال توحّد الشرق بدوله وقبائله تحت راية واحدة وهي راية الدعوة الإسلامية لتتكوّن "أمة" إسلامية. والأمة في المفهوم الإسلامي غير الأمة Nation في المفهوم الغربي التي نشأت على أركانها الدولة القومية, فرابط الأمة في المفهوم الإسلامي ليس رابطا عرقيا أو اقتصاديا إنما هو رابط فكري وهي في ذلك تمتاز بالرخاوة والاستيعابية ولا يمكن أن تحتويها حدود بل هي عابرة للحدود تهدف إلى التجميع لا التفريق والتقريب لا إلى إثبات التمايز فرسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وأمة محمد هي العالمين وهي أمة دعوة أسلمت له وحملت همّ الدعوة إلى دينه وأمة استجابة وهي محل الدعوة والمراد لها أن تستجيب لها.

نرى من ذلك أن الأمة الإسلامية هي أمة رسالية وتلك الصبغة الرسالية منشؤها الدور الوجودي للأمة في الحياة الذي يبينه الله لها في قوله تعالى }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا{ وتلك الشهادة لن تتحقق إلا بتبليغ الدعوة وإقامة الحجة على العالمين، لذلك كانت الحاجة لشكل "الدولة" في الأمة الإسلامية حاجة تنظيمية لا حاجة سلطوية، فرسالة الإسلام وهي في جوهرها رسالة تحرير كما عبر عنها الصحابي الجليل ربعي بن عامر في حواره مع رستم قائد الفرس حين قال }إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام{ تلك الرسالة التحريرية لا يستقيم أن تُنشر تلك بسلطة القهر، فكانت مهمة الدولة هي تسهيل المهمة الرسالية للأمة في الدعوة إلى الله سواء كانت تلك الدعوة بالسلم أو بالحرب على السلطة التي تحول بين الأمة وبين الدعوة، فالمرجعية في الأمة الإسلامية متجاوزة للطبيعة وللإنسان وللمجتمع لذلك فإن التصور الإسلامي عن الإنسان – الذي يسوّي بين الإنسان وبين الطبيعة وبين المجتمع في التأكيد على حاجتهم جميعا للاتصال بالله مصدر المرجعية المطلقة المتجاوزة – ذلك التصور هو الأقرب للصواب وهو الأكثر تحقيقا للحرية الإنسانية، لذلك لم ينشأ مفهوم المواطنة في الأمة الإسلامية لأن الدولة لم تكن سوى أداة تنظيمية ولم تكن تمثيلا للوطن كما هو الحال في الغرب ويثبت ذلك كثرة الدويلات التي نشأت في كنف الدولة الإسلامية وكانت تظل محتفظة بصبغتها الإسلامية وتقيس كفاءتها على مدى قدرتها على تأدية دورها الرسالي وكانت تلك الدويلات تستقل أحيانا إداريا عن دولة وكانت أحيانا تلك الدويلات تحتفظ أحيانا بتبعيتها الصورية للخلافة.

إن أزمة دولة الحداثة أنها مرجعية نفسها يُقاس عليها ولا تُقاس تلتف حول نفسها حتى تختنق، فتجد بونا شاسعا بين نظرياتها وبين تطبيقات تلك النظريات على الأرض فالاشتراكية التي تجعل من العدل رسالتها الأساسية تحول البشر إلى مجموعة من التروس منزوعة الإنسانية في آلة الإنتاج وتحول الثورة والنفوذ من الإقطاعيين إلى رجال الدولة، والليبرالية التي تجعل من الحرية رسالتها الأساسية ترتبط ارتباطا عضويا بالرأسمالية التي تحول البشر إلى مخلوقات منزوعة الإنسانية تلهث وراء رغباتها الحيوانية وتحول بوصلة العبودية من عبودية قهر لرجال الكهنوت أو رجال الملك إلى عبودية طمع لرجال المال، والديمقراطية التي هي في أساسها إعطاء الفرصة لكل أفراد الشعب أن يُمثلوا في عملية صنع القرار تفتح الباب على مصراعيه لأصحاب المال أو النفوذ لأن يتلاعبوا بعقول البشر بغية الوصول إلى المناصب. كل ذلك منشؤه تحول الوسيلة الصناعية إلى غاية حتمية يُضحى في سبيلها بالمقاصد الإنسانية الحقيقية.

من أجل ذلك أدعو كل القائمين على الفكر في الدول الإسلامية أن ينتهزوا فرصة الثورات الشعبية وأن يجتهدوا في إعادة تعريف المفاهيم وإعادة رسم الخرائط الذهنية المكونة لتصوراتنا الحاكمة وألا يرتهنوا أنفسهم لمثاليات التنظير بل أن يسددوا ويقاربوا في التحرك وفقا لهذه الخرائط الجديدة. فالدولة القائمة على التفويض الذي يتم من خلال آليات الانتخاب يجب أن تُعاد صياغتها فيكون ذلك التفويض ليس لمن يحقق للفرد مصلحته النفعية ولكن لمن يتوافق والمعايير المستقاة من مصدر المعيارية المتجاوز فيعود الإنسان لحريته ويتحرر من عبودية للمال أو للمجتمع أو لرجال الكهنوت، ويعود الإنسان إنسانا لا موظفا وتعود الدولة دولة الإنسان لا دولة المواطن، وسيلة تنظيمية لا إلها.



باسم زكريا السمرجي
7/5/2011

الاثنين، 2 مايو، 2011

العلاقة المثالية بين الشعب والسلطة

هو مشهد من مسرحية ناطورة المفاتيح التي تحكي عن ملك فرض ضرائب باهظة على شعبه اضطرتهم لأن يهجروا البلد جميعهم ولم يبق منهم إلا فيروز (زاد الخير) فصارت هي كل الرعية. والمشهد
هو حوار بين الملك وبين الرعية التي هي زاد الخير

الفاتحة لشهداء الثورة المصرية من أمام قصر العروبة

المصريون يقرؤون الفاتحة على أرواح الشهداء من أمام قصر العروبة عقب تنحي المخلوووووووع