الثلاثاء، 24 أغسطس، 2010

إعلام البرية بخلافي مع الوهابية

هكذا اخترت عنوانا مسجوعا للمقال على شاكلة الأقدمين تلميحا للتيار السلفي الوهابي الذي فهم "التسلـُّـف" على إنه نبذ الحاضر والعودة للماضي تقليدا بدلا من أن يفهموه على أنه إصلاح الحاضر بالعودة لأصول المنهج فهما مع السعي الدائم للتجديد في غير إخلال.

وقبل البدء أود أن أقول أنني حين أتحدث عن التيار الوهابي في فهم "التسلـٌّـف" أتحدث حديث مجرِّب، فلقد كنت أحد المؤمنين بأفكارهم، والمشارك في فعالياتهم لبضع سنين. ومنذ أن انقلبت على هذه الأفكار – بتوفيق من الله – وأنا أخشى أن أنتقدهم، وأقول لنفسي ربما يكون الأصلح لبعض الناس أن ينضموا لهذه المدرسة بدلا من أن تتلقفهم مدارس الانحلال والفساد، غير أني مع استمرار متابعتي لانتشارهم وتأثيره على قطاعات كبيرة من المجتمع خشيت أن يأخذني الله بصمتي على ما أراه حقا، وأرجو من الله أن يعفو عن تجاوزي فما أريد إلا الإصلاح ما استطعت.

منذ ثلاث سنوات و بعد أيام قليلة من انفصالي عن "الإخوة"، حدثني أحدهم حديثا طويلا وعندما أصابني الملل قلت له "يا أخي أنا حر" فأجاب إجابة فورية "لا، انت عبد" حينها لم أتوقف عند الكلمة وحملتها على محمل الحماس الخطابي، ومحاولة التلبس بلباس المنطق فلم تكن بي طاقة للاستمرار في النقاش، ولكني منذ أيام قليلة سمعت أحد كبار مشايخهم لم يكتف بأن يؤكد على أن الإنسان عبد ولكنه أيضا ذكر بيت المتنبي "لا تشتري العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجــاس مناكــيد" هنا انتبهت وصار الربط حتميا بين ما سمعته لتوي وما سمعته في حوار ذلك الأخ معي وبين ما كان يحدث من معاملة خشنة – قد ترتقي إلى صورة مصغرة من صور القمع الفكري – مع كل ذي فكر من الإخوة. إن هذه هي عقيدتهم فالإنسان ليس فقط عبد ولكنه يعامل معاملة العبيد الأنجاس المناكيد الذين لا يصلحهم إلا العصا. لقد نسي ذلك الشيخ أو تناسى أننا وإن كنا عبيدا لله تعالى فالعبودية لله هي الحرية. الحرية التي هي جوهر الدعوة الإسلامية التي فهمها الصحابي الجليل سيدنا ربعي بن عامر حين قال للفرس: "إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" فعبادة الله هي السعة وهي العدل مقابل عبادة العباد التي هي ضيق وجور.

وانطلاقا من هذا المفهوم المهين للإنسان، فالعقل هو باب الشر كله، والأصلح للإنسان ألا يعمله إلا في كيفية طاعة شيخه وكيفية الاحتيال على أهله والهروب من البيت لحضور الدرس. أما أن يعمل عقله في الكون فهذا أول الكفر والعياذ بالله. إن هذا المنطق (أو اللامنطق إن أردنا الدقة) يصل – على أفضل تقدير – بالإنسان إلى أن يأخذ "بالحيطة" ويمتنع عن التفكير والتفكر الذي أمرنا الله تعالى به في غير موضع، ومتى امتنع الإنسان عن التفكير اقتيد إلى حيث يشاء من يفكر بالنيابة عنه وهو شيخه. فالتيار الوهابي ليس تنظيمات وجماعات بل هو مشايخ وأتباع، فأتباع الشيخ الفلاني يتحدثون بلسانه كالببغاوات ولا يجوز أن يخالفونه أو يناقشونه، وقد يكون شيخهم مختلفا مع أحد المشايخ الآخرين، فتجد أتباعه كذلك، وبين يوم ليلة قد يصلح الله ما بين الشيخين فينقلب الأتباع دونما تفسير أو إيضاح. إنهم يتهمون الشيعة بالكفر لأنهم تعصبوا لآل البيت ويتهمون الصوفيين بالكفر لأنهم تعصبوا للأولياء وهم أنفسهم يتعصبون ويتشيعون لمشايخهم.

ليست المشكلة في بضع آلاف يجتمعون على دروس الفقه هنا أو هناك. المشكلة تفاقمت حينما فتحت الفضائيات لهذا التيار على مصراعيها ليحدثوا الملايين بهذا اللسان الديماجوجي المخيف. ونظرا لانتشار الأمية الثقافية فإن هؤلاء يجدون من العقول أراضي خصبة لزراعة أفكارهم دون مراجعة أو تدقيق. فهم لهم مظهر يقولون عنه إسلاميا ويتحدثون فيقولون وهذا الحديث رواه البيهقي وهذا ورد في مسند البزار وصححه الألباني إلى آخر هذا الكلام الذي يفهم منه البسطاء أن المتحدث صاحب علم دون أن تكون تلك حقيقته.

المشكلة أنهم حينما قدموا أنفسهم بهذه الصورة قدموا أنفسهم على أنهم هم الدين وحينما يُسألون يبدأون إجابتهم بـ"رأي الدين......" ويقولون رأيهم هم في الدين ويُغفـِـلون آراء أخرى في الدين أيضا. ثم ينقل تلك الآراء جمهور المشاهدين، وهم – جمهور المشاهدين – حين ينقلون لا ينسون أن ينقلوا أيضا القالب اللغوي الذي يجعل ذلك الناقل وكأنه عالم أو طالب علم نابه، فتجد طبقة نشأت من أنصاف المتعلمين الذين لم يأخذوا من العلم إلا حرفه، تجدهم ضعاف المنطق، شديدوا العصبية، لا يقبلون نقاشا أو خلافا فكريا فهم ليس لهم فكر أصلا. ثم يسير هؤلاء في الناس ليضموا إليهم طبقة أخرى من أرباع المتعلمين أضعف منطقا و أشد تعصبا وهكذا دواليك.

مشكلة أخرى تنشأ من لغة الخطاب الوهابية وهي الاختزالية في التفكير. فهم حولوا الدين إلى معادلات رياضية فهذا حرام محض وهذا حلال محض بغير بحث للظروف المحيطة بهذا الفعل أو ذاك، وليس هذا ما فعله سيدنا عبد الله بن عباس حينماأتاه أحد الرجال ليستفتيه في توبة القاتل فأفتاه أن القاتل ليس له توبة وأتاه بعد ذلك واحدا آخر فسأله نفس السؤال فأفتاه أن القاتل له توبة وحينما سأله أصحابه لم غيّر فتواه أجابهم أن الأول أتى وفي عينيه شرر يريد أن يقتل فأراد سيدنا عبد الله بن عباس أن يردعه عن ذلك بينما الثاني أتى وفي عينه ندم يبدو أنه قتل ويريد التوبة فاراد ألا يغلق باب التوبة في وجهه. هذا هو فهم العلماء نسأل الله أن يزيدنا منهم ويعيذنا من أشباههم الذين نقلواالدين من قلوب العلماء إلى حناجر السفهاء.




باسم زكريا السمرجي
24/8/2010

الثلاثاء، 3 أغسطس، 2010

خواطر حول استراتيجيات التغيير .. 1

شاهدت مؤخرا الفيلم الأمريكي “The Shawshank Redemption” أو "الهروب من سجن شاوشانك" وهو يحكي عن "آندي ديفرين" المحاسب الذي سـُـجن ظلما ، ولقد عاش في سجن شاوشانك حياة عادية كسجين مسالم يقضي وقته في التأمل في صور فتيات أحلامه المعلقة على حوائظ زنزانته ، و نحت الأحجار لصنع رقعة شطرنج يقتل بها وقته. كما أن مدير السجن استعان بخبرته المحاسبية لغسيل أمواله القذرة. وتمضي به الحياة مسالما غير مثير للمشاكل حتى حين تعرض لمحاولات تحرش لم يقاوم حتى الموت فالفيلم يحكي أنه كان يقاوم فيمنعهم أحيانا وينالوا منه أحيانا أخرى، حتى نفاجأ بعد عشرين عاما من السجن أنه هرب. وكيف هرب؟ لقد كان يحفر – باستخدام الآلة الدقيقة التي يشكل بها الحجارة – نفقا ويغطيه بصور الفتيات. حتى حانت اللحظة واكتمل الحفر فهرب منه إلى ماسورة الصرف الصحي إلى الحرية.

أثارت تلك القصة خواطري حول استراتيجيات التغيير السياسي. فلقد كان ما فعله "ديفرين" تغييرا تبنـّى استراتيجية طويلة المدى تعتمد في تكتيكاتها على الاستفادة من هامش الواقع و عدم الخروج منه قدر الإمكان، والكمون وعدم الاصطدام المباشر مع قوى النظام بل على العكس تعتمد تلك الاستراتيجية على الانحناء للرياح تفاديا لها. تعتمد تلك الاستراتيجية في البناء على التراكم طويل المدى الذي يشبه تراكم طبقات الصخور حتى يصير البناء من الصلابة بحيث يستعصي على الهدم. وبرغم (سينيمائية) هذه الفكرة إلا أنها نجحت في بلاد مثل تركيا التي استمر فيها مشروع التغيير عقودا وها هو يؤتي ثماره ومازال في الطريق بقية.

الاستراتيجية الأخرى للتغيير تعتمد على الوصول إلى الأهداف بأقصر الطرق وفي سبيل ذلك لا تخشى أن تصطدم مع قوى النظام بشكل مباشر بل وأن تقدم في سبيل ذلك معتلين وضحايا و شهداء. فهي تعتمد في تكتيكاتها على الاختراق الإبداعي ، حيث تحاول اختراق معطيات الواقع بطريقة مبدعة لتصيغ لنفسها معطيات جديدة تنظلق من خلالها، وكلما زاد عنصر الإبداع زادت احتمالات الوصول إلى الهدف. ويسعى متبنوا هذه الفلسفة إلى حشد الجماهير في أقصر وقت ممكن حتى لا تذهب تضحياتها هباء. وقد نجح مثل هذا النموذج مع بلاد مثل صربيا وأغلب دول أوربا الشرقية التي لم تستمر فيها معركة التغيير أكثر من عقد واحد.

وإذا تناولنا بالتحليل السريع الاستراتيجية الأولى نجد أهم مميزاتها:

1. الفرصة التي يتيحها طول الزمان للتهيئة التدريجية لقطاعات واسعة من القاعدة الشعبية مما لا يتيح فقط إدخالها في آتون التغيير ، بل يؤهلهم لاستقبال التغيير وصيانته حال حدوثه

2. يتيح تجنب الاصطدام المباشر مع قوى النظام فرصة لكسب ثقة عوام الشعب وعدم استفزاز مشاعر الخوف لديهم ، كما يعطي الفرصة للمصلحين أن يعملوا على تحقيق رؤاهم دون الحاجة إلى الاستقواء بقوى خارجية قد تخفي مصالحها في مشاريعهم.

3. من أهم ما يحققه طول الزمان للمصلحين صورة من صور الانتخاب الطبيعي الذي يـُبقي فقط على المؤمنين بالقضية المستعدين للتضحية في سبيلها ويقصي الباحثين عن المصالح الشخصية قصيرة المدى أو المندسين الذين حتى وإن دخلوا سرعان ما يخرجوا.

4. يؤدي طول الزمان أيضا إلى تراكم الخبرات وتعدد الإسهامات في الرؤية الإصلاحية كما يتيح أيضا فرصة اختبارها وإعادة صياغتها حتى تصل إلى النضوج الكامل وتترسخ في عقول وقلوب المصلحين تماما.

5. إذا وصل الزخم إلى الكتلة الحرجة يصعب بل يستحيل قمعه أو إثناء عزيمة المصلحين بعد أن ترسخ في قلوبهم وعقولهم الإيمان بالقضية والاستعداد للتضحية في سبيلها.


وعلى الجانب الآخر إذا تناولنا مخاطر هذه الاستراتيجية نجد الآتي:

1. عملية الصهر الأولى للأفكار قد يشوبها بعض االتعسر كما أنه إن حدث فيها انحراف ما قبل أن تندمج كل الأفكار الاندماج التام يؤدي هذا الانحراف إلى الإضرار بالمشروع والانحراف به ككل.

2. إن تنبه له النظام في المراحل الأولى – قبل الوصول إى الحشد الجماهيري المطلوب – يسهل قمعه دون أن يشعر أحد به عن طريق قمع المصلحين أنفسهم.

3. يحتاج إلى صبر و مثابرة من المصلحين وإيمان – غيبي – عميق، فما يسعون لتحقيقه قد لا يتحقق في حياتهم وإنما قد يستغرق عدة أجيال.

4. حتى يحدث التأهيل الاجتماعي للقاعدة الشعبية لابد من تواطؤ الاتجاهات الإصلاحية المختلفة السياسية و الاجتماعية و الثقافية وهذا أمر يصعب تنظيمه

5. مشكلة تعاقب الأجيال وصعوبة امتداد الإيمان الرؤى بين كل جيل والذي يليه ففي الغالب يكون لكل جيل رؤيته المستقلة ومشكلاته المستقلة وسعيه لإثبات ذاته المستقلة.

هذا تحليل سريع لأهم فرص ومخاطر استراتيجيات التغيير طويل المدى وفي مقال قادم إن شاء الله سأتناول فرص ومخاطر استراتيجيات التغيير السريع





باسم زكريا السمرجي

3/8/2010