الخميس، 24 مارس، 2011

الإطار التاريخي والسياسي لثورة 25 يناير بمصر - بقلم المستشار طارق البشري

هذه هي الثورة الخامسة في تاريخ مصر المعاصر الذي يبدأ من بداية القرن التاسع عشر: أولها كانت الثورة التي أنتجت محمد علي ونهضته في سنة 1805، وثانيهاكانت ثورة عرابي في 1881، وثالثها ثورة 1919، ورابعها ثورة 1923 يوليو/تموز 1952، وهذه هي الخامسة ثورة 25 يناير/كانون الثاني سنة 2011. كل هذه الثورات، أو بعبارة أدق أربعة منها، ولدت من شراكة بين الشعب والجيش، فكانت حركات ثورة متصاعدة بلغت ما يكاد يصل إلى مشارف الإجماع من الرأي العام الفعال من الشعب المصري، رفضاً لنظام قائم وطموحاً لبناء نظام جديد وطني، عادل ورشيد.

وإذا كانت ثورة 1919 الوحيدة التي لم يكن لجيش مصر أثر واضح في قيامها وحمايتها أو تنفيذها، فقد كان السبب أن الجيش كان ثلاثة أرباعه مغيباً في السودان بعيداً عن أحداث مصر السياسية، وذلك منذ إعادة فتح السودان من 1896 إلى 1899 حتى عودة الجيش المصري وإخلاء السودان منه بفعل السياسة البريطانية في سنة 1924؛ بمعنى أن الثورة الوحيدة من ثورات مصر في تاريخها المعاصر التي لم يلحظ أثر للجيش فيها هي التي وقعت في حالة غياب الجيش عن مصر.

ثورة الشعب واستجابة الجيش
الانتقال إلى نظام جديد
نظام قديم يتهاوى ونظام جديد طالع

ثورة الشعب واستجابة الجيش

الحركة الشعبية كانت صاحبة السبق الأول في إسقاط نظام الرئيس حسني مبارك، إلا أنها لم تمتلك القيادات التنظيمية والمؤسسية التي تتولى السلطة وتحل محل نظام الرئيس المخلوع.
إن ما نلحظه من قراءة التاريخ المصري إن الجيش واكب دائماً حركة الشعب المصري؛ وقد تناغم خروجه للشارع في الثورة الخامسة الجارية الآن، بعد انسحاب الشرطة يوم الجمعة 28 يناير/كانون الثاني، مع حركة الجماهير الثورية، وجرت أحوال الثورة من يومها حتى 11 فبراير/شباط على مستوى فائق من التحضر: شعب يحتشد بالملايين ويصر على إسقاط النظام السياسي لعهد حسني مبارك، فلا يحطم مصباح نور في شارع من شوارع مدن مصر العديدة التي احتشد بها يومياً، وجيش يتناغم مع هذه الحركة ويمارس وظيفة حماية المنشآت العامة، ويحمي حركة الشعب بدلاً من أن يقاومها أو يردعها، بالرغم من أن من أنزله للشوارع إنما قصد بذلك أن يواجه به حركة الشعب الثورية. جيش لم يطلق رصاصة واحدة على فرد من أفراد الشعب.

ولكن ثمة فارق واضح بين أحداث ثورة 23 يوليو/تموز 1953 وأحداث هذه الثورة في سنة 2011.

في ثورة 1952، وبالرغم من التجاوب الوثيق بين حركة الجيش وحركة الشعب وتوحد مطالبهما ضد النظام القائم، إلا أن الفعل الثوري الأساسي المباشر صدر عن الجيش، وهو ما حسم المعركة السياسية ضد النظام الذي كان قائماً. ويدرك من يراجع وقائع عامي 1951 و1952 في مصر أن الحركة الشعبية (حزبية وغير حزبية) التي تصاعد فعلها الثوري ضد الاحتلال البريطاني وضد النظام الملكي وجماعة الظالمين لم تستطع بتجمعها وتصاعدها كله أن تطيح بالنظام القائم بفعل ثوري متصل. وقد جاء حريق القاهرة في يناير/كانون الثاني 1952 ليضرب هذه الحركة الشعبية ويؤجل ثورتها. ولذا، تقدمت حركة الجيش في 23 يوليو/تموز 1952 لتقوم بهذا الفعل الثوري، وليلتف الشعب حولها تأييداً لهذا الفعل.

أما في ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 فقد كان الفعل الثوري الأساسي هو الحركة الشعبية التي قدمت ما يزيد عن 385 شهيداً، وأكثر من 5 آلاف جريحاً، وذلك في الأيام الثلاثة الأولى لها، قبل أن تنسحب الشرطة من المدن وتترك مصر بلا أمن، وقبل أن يتولى الجيش حفظ الأمن بديلاً عن الشرطة ويتولى حماية الحركة الثورية رافضاً التصدي لها، كما يتولى حراسة المنشآت العامة، وقد جرى التجاوب بين الحركة الشعبية والقوات المسلحة في صورة بالغة الروعة.

ويظهر من ذلك أن الحركة الشعبية كانت صاحبة السبق الأول في إسقاط نظام الرئيس حسني مبارك، إلا أنها لم تمتلك القيادات التنظيمية والمؤسسية التي تتولى السلطة وتحل محل نظام الرئيس المخلوع. والأحزاب المعترف بها رسمياً أحزاب ضعيفة ولم تعرف لها مساهمة صغيرة في إشعال الثورة أو السير بها قدماً ولا في تحريك يؤبه به للثائرين وتنظيمهم. ثمة قيادات فكرية وثقافية ثورية مشهود لها بالوطنية والمكافحة، خاصة خلال السنوات السبع الأخيرة من نظام حكم مبارك، وساهمت مساهمة جليلة وغير مشكوك في أثرها المعتبر في تهيئة الحالة الثورية، إلا أن هذه القيادات لم تكن ذات روابط تنظيمية قادرة على تحريك هذه الثورة وتنظيمها شعبياً.

وكانت ثمة حركات شعبية احتجاجية قام بها عمال المصانع وموظفو الإدارات والوزارات وطوائف الناس في المدن المصرية على مدى السنوات السبع الماضية، وهي تقدر بالمئات من حركات الاحتجاج والاعتصامات والتجمعات، تراوحت في مطالبها بين المطالب الاقتصادية المتعلقة بالأجور وحقوق العمال، وبين المطالب السياسية المتعلقة بالحريات والإفراج عن المعتقلين، أو بمطالب فئوية أخرى؛ حتى أن ثقافة الخروج والتجمع والاحتجاج صارت منتشرة وشبه مستمرة، وهي أرهصت للحدث الكبير؛ ولكنها كانت متناثرة ومعزول بعضها عن البعض في أغلب الأحيان.

كان هذا هو الحال قبل الثورة، وهو يكشف عن أمر هام، وهو أن هذه الثورة بجماهيرها الحاشدة التي فاجأت القاصي والداني، وبتناميها المطرد، وبتحديها إرادة حسني مبارك، ووعيها بأهدافها ومطالب الشعب المصري، وبذكائها الجماعي في اكتشاف كل محاولات التضليل وزيف الوعود غير الجادة، وبقدرتها على تصعيد الموقف السياسي والتمسك بأهدافها وتثمينها، وبحسها السلمي، حتى في مواجهة عنف السلطة التي مارست ضدها القتل والتجريح، وتمييزها بين العدو والصديق، لم تكن ذات قيادة تنظيمية واحدة تعبر عنها وتتحدث باسمها. ولعل ذلك كان من توفيق الله سبحانه لها، لأن الفرد أو الأفراد يمكن أن يخطئوا وأن تتشعب بهم السبل، لاسيما وهم يتعاملون مع أحداث لم تكتمل في تتابعها اليومي، ولم يكن أحد من أطراف الصراع الدائر يملك تقديرا دقيقاً لحجم قوته الحقيقية إزاء وقائع وتصرفات تتتالى. لذلك، كان الحس الثوري العام هو المسيطر، وهو ما يستدعي استجابة شبه لتلقائية من جماهير لم تكن الروابط التنظيمية تسعهم أو تسع غالبيتهم.

إن عدم تبلور القيادة في زعامات، أو تشكيلات تنظيمية لها زعامات معروفة ومحددة، قد شلَّ قدرة حكومة مبارك عن أن تحدد من يمثلون شخصيات الحركة للتعامل معهم بالقمع أو بالعزل عن قواعدهم، أو بتضليلهم بأمر من الأمور. إضافة إلى ذلك، أحسب أن ما ساهم في نجاح هذه الثورة، كانت القدرة الهائلة للشعب المصري من أقصاه إلى أدناه على أن يندرج في حالة شعورية واحدة ينجم عنها موقف مشترك أو مواقف متشابهة وإحساس عارم واحد.

الانتقال إلى نظام جديد

عدم تبلور القيادة في زعامات، أو تشكيلات تنظيمية لها زعامات معروفة ومحددة، قد شلَّ قدرة حكومة مبارك عن أن تحدد من يمثلون شخصيات الحركة للتعامل معهم بالقمع أو بالعزل عن قواعدهم، أو بتضليلهم بأمر من الأمور.
لكن كل ذلك شيء وأن تسقط سلطة سياسية وتحل محلها سلطة أخرى شيء آخر؛ ذلك لأن السلطة هي مؤسسة، أي تنظيم مؤسس يجمع إرادات وينظمها ويقرر ويدفع بأفعال من خلال جماعات بشرية منظمة بطريقة تتجمع بها المعلومات ثم تتخذ القرارات وتتوزع التكليفات وتتحرك الأفعال. والثورة الشعبية بغيتها في النهاية سلطة الدولة، أي الإمساك بمؤسسة الدولة؛ والدولة لا تستقيم مع فراغ مؤسسي، ولا يمكن أن تحتمل مثل هذا الفراغ، وهي لا تتلاءم مع السيولة التنظيمية، ولا بد لمن يمسك بها ويسيطر عليها أن يبني كياناً تنظيمياً، وهذا ما لم تكن أحزاب المعارضة المصرية الضعيفة تستطيعه، لأنها لا تملك زمام الثورة، ولا الكيانات التنظيمية الناشئة يمكن أن تمسكه، ولا السيولة التنظيمية التي اتصفت بها الثورة أن تحوز عليه.

وهكذا تقدم الجيش المصري لملء هذا الفراغ. كان المؤشر الأول على عزم الجيش على اتخاذ مثل هذه الخطوة هو انعقاد المجلس الأعلى للقوات المسلحة بغير رئاسة القائد الأعلى حسني مبارك، وبرئاسة المشير محمد حسين طنطاوي القائد العام للقوات المسلحة، وإصداره البيان رقم واحد معلناً مبادرته للعمل السياسي وحمايته لمكاسب الشعب المصري ولطموحاته. ثم جاء تخلي مبارك عن رئاسة الجمهورية في 11 فبراير/شباط، وإناطة السلطة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. وهذا يفيد بأن السلطة في الدولة باتت تمارس من خارج مؤسسات دستور 1971، لأن المجلس الأعلى ليس من الهيئات المناط بها طبقاً لهذا الدستور أن تصدر قرارات سياسية أو أن يصدر عنها فعل سياسي. بكلمة أخرى، أدى تخلي مبارك عن الحكم إلى انتقال السلطة السياسية بموجب شرعية الثورة وتجاوزاً لأحكام الدستور؛ وأعلن الجيش بموجب الشرعية الثورية انتماءه للشعب المصري واكتسابه الولاية الشرعية للحكم وعزمه الحفاظ على مكتسبات الشعب ورعاية طموحاته.

احتاج هذا الانعطاف في مقدرات الدولة المصرية إلى أن يصدر القائمون الجدد على الحكم بياناً يحدد ماهية السلطة، والهيئة التي تقبض عليها، وماهية الوضع الدستوري الذي يحكم الوضع الجديد، وتلتزم به القيادة. فصدر بيان يقرر أن تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحكم سيكون لمدة محددة، وأن الدستور معطل وأن ثمة سعياً لتعديله؛ وهو ما يعني أن المجلس الأعلى سيتولى سلطة رئيس الجمهورية لمدة ستة أشهر فقط، وأن الدستور لم يلق به جانباً كلية، ولكنه معطل، وأن ثمة تعديلاً سيعد لأحكامه؛ هذا فضلاً عن حل مجلسي الشعب والشورى. وما يعني أيضاً أن المجلس الأعلى سيتولى سلطة هذين المجلسين أيضاً خلال الفترة الانتقالية.

ونحن نعرف أن المؤسستين اللتين تمارسان العمل السياسي الدستوري، وتتخذان القرارات بشأن هذا العمل، هما رئاسة الجمهورية بسلطاتها التنفيذية، ومجلسا الشعب والشورى بسلطتهما التشريعية؛ وقد انتهت الأولى وحل الأخيرين، وصار المجلس الأعلى يمارس جميع السلطات مؤقتاً في فترة انتقالية. وبات واجباً خلال الفترة الانتقالية أن يعاد بناء هذه المؤسسات الدستورية السياسية على نحو ديمقراطي، لتعود إلى ممارسة سلطاتها الدستورية؛ وهذا على وجه التحديد هو مجال التعديلات في الأحكام الدستورية التي كلفت بها اللجنة المناط بها وضع التعديلات على دستور 1971، والتي تشرفت برئاستها، وتمت المصادقة على التعديلات في استفتاء شعبي. وقد استهدفت هذه اللجنة إعادة بناء مؤسسات الحكم والدولة خلال الفترة الانتقالية على أسس ديمقراطية بقدر الإمكان؛ ومع الاستفتاء الشعبي على التعديلات وتشكيل هذه المؤسسات السياسية يعود مؤقتاً دستور 1971 إلى سابق وضعه حتى يتم إعداد دستور جديد يعكس الأوضاع السياسية لحقبة ما بعد الثورة.

نظام قديم يتهاوى ونظام جديد طالع

ما نستطيع أن نقوله إذن أن ثمة عدداً من النتائج الهامة التي ولدها لحراك الثوري الذي شهدته مصر مؤخراً، والذي لم يزل مستمراً:

أولى هذه النتائج، كانت إطاحة الرئيس حسني مبارك وأسرته من الحكم، ووضع نهاية قاطعة لاحتمال انتقال الحكم إلى ابنه. إن رئيس الجمهورية من الناحية التنظيمية والسياسية، وحسبما آلت الأوضاع في النظام المصري، وبخاصة في عهد مبارك، هو من تدور حوله سلطات الدولة، ويعني سقوطه أن نظاماً سقط ودولة تغيرت، أو أنها في طريقها إلى التغيير في صورة ملموسة. كما قد أطيح فعلاً بالكثير من رجالات نظام الحكم، مثل شريحة رجال الأعمال المرتبطين بالنظام ولجنة السياسات في الحزب الوطني وقيادات من هذا الحزب وأنصار جمال مبارك. هذه الشريحة في الحقيقة هي من كان يسيطر على رأس الدولة المصرية بمباركة ودعم من رئيس الجمهورية وحماية منه، وقد كان نفوذها يتصاعد تدريجياً حتى تمت لها السيطرة على النظام السياسي كلية خلال السنوات العشر الماضية، بحيث خلت لها الأجواء داخل جسم السلطة، بدون أن تظهر لها مقاومة ملموسة من القيادات التقليدية الأخرى في جهاز الدولة.

وثانية هذه النتائج، أن الحراك الثوري الشعبي أطاح بالنفوذ السياسي لجهاز الشرطة، وهو النفوذ الذي انحرف بالشرطة عن وظيفتها في حماية الأمن العام خلال العشرين سنة أو ما يزيد على ذلك من فترة حكم حسني مبارك. والمصريون يعرفون أن إدارات الدولة المختلفة في المجالات كافة كانت قد أصبحت خاضعة لجهاز الشرطة الذي استشرى فيها وتخللها جميعاً تقريباً. وقد أعاد الحراك الثوري بذلك، في المقابل، للقوات المسلحة المصرية ما كانت عليه من نفوذ سياسي قبل عهد حسني مبارك.

ما ساهم في نجاح هذه الثورة، كانت القدرة الهائلة للشعب المصري من أقصاه إلى أدناه على أن يندرج في حالة شعورية واحدة ينجم عنها موقف مشترك أو مواقف متشابهة وإحساس عارم واحد.
وثالثة هذه النتائج، أن الحراك الثوري أنتج جيلاً جديداً من الشباب، وقذف به كالموجة العالية الغزيرة إلى قلب الحياة السياسية لمصر؛ جيل ستظهر آثاره في الشهور والسنوات القادمة. وقد حاولت في دراسات سابقة أن أرصد حركات الشباب منذ بداية القرن العشرين، وقد بدا لي أن ظهور حركات الشباب يرتبط بحالة عدم التبلور الكافي للأهداف السياسية والاجتماعية للجماعة الوطنية المصرية، وعندما تكون التشكيلات المؤسسية والتنظيمية في المجتمع عاجزة عن التعبير عن هذه الأهداف، إما بسبب القمع أو لما تحمله من إرث مرحلة تاريخية سابقة لم تعد أهدافها تتناسب وأهداف المرحلة الراهنة. في مثل هذا الظرف تظهر حركة شباب جياشة من خارج أطر النظام القائم وتلفت إلى نفسها الأنظار بفجائيتها وكثرتها العددية وتلقائيتها وجيشانها؛ وهي تكرس بهذا الوجود ميلاد واحد أو أكثر من الكيانات السياسية ذات التأثير الممتد لعدة سنوات أو عقود قادمة. بعض هذه الحركات الشبابية ظهر منفرداً ومتميزاً بذاته في فترة لم يكن بها مد ثوري، وبعضها ظهر وتم استيعابه في حراك ثوري شامل كان هذا الشباب هو من فجرها أو هو من قدم لها الزخم والفعالية العالية. وتعد حركات شباب 1906، 1935، 1946، 1972، أمثلة على النمط الأول. وأما مثال النمط الثاني فنشهده في ثورات 1919، 1952، 2011. ولذلك، فلا بد لهذا الحراك الشبابي الثائر أن يتبلور في تشكيلات تنظيمية، تنشأ من هذا الزخم السياسي الحادث وتجمع الناشطين السياسيين حول الأهداف السياسية والاجتماعية التي قامت الثورة من أجلها، وتحفظ ما يمكن أن نسميه بروح الحراك الحاصل بوصفه دافعاً وجدانياً وثقافياً عاماً للبذل والتضحية والإصرار.

وتكشف حركات الشباب في سياقها التاريخي عن أن الأمور تسير وتتغير مهما كانت ضخامة المعوقات التاريخية، ومهما كانت جهود الحكام والنظم القائمة في قمع الحركات المعارضة، ومهما طغى الاستبداد وبغى؛ لأن كل وسائل القمع والطغيان إنما تلحق في جبروتها جيلاً قائماً، ثم يظهر جيل آخر جديد يشب في خلسة بعيداً عن عيون الرقباء الفاحصة والمراقبة والحارسة للأوضاع القائمة؛ جيل لا يعرف القائمون على الحكم لغته الفكرية أو السياسية ولا يعرفون أشخاصه وتنظيماته، وليس له سجلات في أجهزة الأمن؛ وهو ما يجعل حركته طليقة غير مقيدة.

كان نظام حسني مبارك، قد أكمل إغلاق كل منافذ المقاومة المرئية له؛ فالأحزاب السياسية محاصرة في نشاطها منذ عشرات السنين، لا تجد فسحة عمل سوى إصدار الصحف والأحاديث في الغرف المغلقة؛ والنقابات المهنية مفككة؛ والاتحادات العمالية مسيطر عليها من قبل رجال النظام؛ والأحزاب الجديدة عاجزة عن اكتساب الشرعية نظراً لسيطرة الدولة القانونية على الإمكانات القانونية لتشكيل الأحزاب؛ وإدارات الحكومة والجامعات وغيرها مسيطر على أمنها السياسي من قبل الشرطة؛ وأية تشكيلات أخرى تصنف بأنها خارجة عن إطار القانون وتعامل بالعنف؛ والصحافة الحرة في النهاية مملوكة لرجال أعمال يمكن الضغط عليهم ومساومتهم على مصالحهم الاقتصادية والمالية. ومن جهة أخرى، فإن حركات الاحتجاج السياسي التي تتعهدها عناصر مثقفة كانت محدودة الفعالية، وليس لرجالها علاقات تنظيمية بفئات الشعب، ولا تملك فكراً عميقاً مؤثراً أو صوتاً جهيراً وحركة شعبية؛ وحركات الاحتجاج الشعبي في المصانع ومناطق التجمع تتعلق بمطالب فئوية، وهي مجزأة، متفرقة، ويمكن قمعها بسهولة نسبية، أو التعامل مع كل منها بالترغيب والترهيب، قبل أن تتحول إلى أفعال جماعية. وقد بدا لوقت ما أن لا مخرج من هذه الحالة التي أطبقت على البلاد وأغلقت المنافذ. فماذا حدث؟ جاءت شرارة الثورة من شباب ليسوا من هذه الفئات والهيئات والتشكيلات السابقة، وقامت مقام العمل التنظيمي في توليد حراك واسع، ساعد على سعته أن الشعب المصري كان يعيش مناخاً ثورياً بالفعل. وقد نجحت الحركة لأنها لم تصدر في بدايتها عن المؤسسات المفككة ولا عن الأحزاب المخنوقة ولا عن المثقفين الثوريين المرموقين، وأنها بعيدة تماماً عن أعين أجهزة الأمن وعمال النظام السياسيين، لعدم سابق معرفة بها، ولا تعامل معها. وهذا مفاد القول المأثور (اشتدي أزمة تنفرجي)، وقول القرآن الكريم {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى}.

من المستحيل لأي نظام حكم فاسد تخطاه الزمن وعجز عن مواجهة التحديات التي تحدق بالجماعة أن يبقى.
وربما يمكن القول في النهاية، أولاً، أن من المستحيل لأي نظام حكم فاسد تخطاه الزمن وعجز عن مواجهة التحديات التي تحدق بالجماعة أن يبقى، وأنه لا بد في وقت ما أن تظهر من القوى الشعبية المتجددة ما يزيله ويقضي عليه. وأن لكل نظام حكم، ثانياً، شرعية تلتصق به، وأن فعل إزالة هذا الحكم لا بد أن يأتي من خارج حدود هذه الشرعية، التي تفصل عادة على مقاس النظام الحاكم. إن الخروج على هذا النظام يعني فيما يعني خروجاً على الشرعية التي أسست له، ويعني وجوب إنشاء شرعية جديدة تستجيب لمتطلبات النظام الجديد وعلاقاته السياسية والاجتماعية. وهذا ما يستدعي وضع دستور جديد فور القضاء على النظام البائد. وترتبط الفترة الانتقالية التي تعد فيها الأسس السياسية والاجتماعية للمرحلة التاريخية الجديدة، وما يواكب هذه الأسس من نظم دستورية ومؤسسية، بظهور تكوينات حزبية جديدة تعبر عن القوى الحاضنة لحاجات المجتمع في الظرف التاريخي الراهن


http://www.aljazeera.net/NR/exeres/19DE2515-6C4F-47CD-A07A-5261F7EFB22C.htm?GoogleStatID=27

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق