السبت، 19 مايو، 2012

لا انتخابات تحت حكم العسكر؟!

أتفق مع الذين يرفعون شعار "لا انتخابات تحت حكم العسكر" وأختلف مع دعوة الكثير منهم لمقاطعتها. وأتفق مع الذين اختاروا خوض غمار الانتخابات – مرشحين وداعمين ومؤيدين ومصوّتين – وأختلف مع خطاب الكثير منهم الذي يتصوّر أننا فعلا بصدد انتخابات حقيقية تحت حكم العسكر. يبدو التناقض جليا في العبارة السابقة، غير أن معركة متناقضة كمعركة انتخابات الرئاسة التي نحن بصددها لا تصفها سوى عبارة متناقضة كتلك.

نظريا، انتخابات الرئاسة – كأي انتخابات – تدور في الحيز السياسي يحكمها قانون العرض والطلب؛ فهي عملية تنافسية بين أطروحات وبرامج يدفع بها أصحابها لسوق السياسة بهدف جذب أكبر عدد من المشترين، ويفوز بها من ينجح في إقناع أكبر عدد ممكن من الناس أن معروضه من البرامج والأفكار السياسية هو ما يخاطب – بأكبر قدر ممكن من الكفاءة – احتياجاتهم. وتفترض النظم الديمقراطية المستقرة أن تكون حدود وقوانين سوق السياسة موضوعة مسبقا ومعلومة للكافة ومُتفّق عليها من الجميع حتى تتحق ما يمكن أن تسمّى بالمنافسة الشريفة بين البرامج والأطروحات السياسية المختلفة.

أما انتخابات الرئاسة التي نحن بصددها في مصر فهي انتخابات تُجرى في خضم ثورة حيث حدود وقوانين السوق السياسي مازالت لم تُرسم بعد. والأهم أنها أيضا تقام في ظل حكم عسكري يُفترض بموجبها أن "يسقط حكم العسكر" فيُخضع العسكر أنفسهم لسلطة المدنيين. وهو أمر لم يُبد المجلس العسكري حياله نوايا طيبة؛ فمن كان واهما أن المجلس العسكري سيغلّب منطق الرشد على منطق القوة – فيسلّم السلطة "المطلقة" للمدنيين المنتخبين –  لابد أن يكون قد أفاق على المحاكمات العسكرية للمدنيين أو محاولات المجلس العسكري لفرض وضع مميز في الدستور أوغيرها من الممارسات التي لم تدع مجالا للشك أن المجلس العسكري يغلّب منطق القوة على منطق الرشد وأنه لن يدع السلطة تفلت من يديه دون أن يضمن لنفسه موقعا وصائيا ما على السلطة المدنية.

لذلك فإن معركة الانتخابات الرئاسية – على أفضل تقدير – هي معركة إصلاحية لا تتعدى كونها درجة أرقى من الممارسة الديمقراطية لم يمر بها الشعب المصري من قبل. ولكن من ناحية أخرى، فإن الثورة حيث تكون الجماهير، وإلا تحوّلت لسجالات فكرية نخبوية لا تكون الغلبة فيها للفكرة الأصلح بل لمن لديه ما يكفي من القوة لفرض فكرته. ولا يخفى على أحد أن الجماهير شغوفة بخوض غمار الانتخابات الرئاسية، رغم أن تلك الانتخابات تقوم تحت حكم العسكر الذي بدأت معدلات الغضب الجماهيري تتزايد في مواجهته. ربما يلوم البعض على الجماهير ذلك الوعي المتناقض غير أن الجماهير لها فلسفتها التي لابد أن نحترمها حتى نستطيع أن نفسّرها ومن ثم نستطيع الاشتباك معها بدلا من التعالي عليها، هذا إن أردنا الحديث عن الثورة!

لكن، هل يعني هذا أنّ علينا أن نخوض تلك المعركة بقواعدها التي فرضتها السلطة طالما الجماهير اختارت ذلك؟! بالقطع لا، فدور المثقفين والنشطاء والنخب أن يكونوا مع الجماهير لا ليسلّموا لهم أنفسهم بل ليكتشفوا ويكشفوا عن التناقضات الكامنة في كل أطروحة من أطروحات السلطة واستخدام تلك التناقضات للوصول إلى أطروحة مضادة تقود إلى قدر أعلى من التحرر من هيمنة السلطة؛ أي أن علينا أن نحول المعركة الإصلاحية لمعركة ثورية من خلال حركة الجماهير من داخلها فلا نتعالى على معارك الجماهير ولا نخضع لها تماما بل نشتبك معها.

والاشتباك مع معركة انتخابات الرئاسة فرصة حقيقية لتجاوز الاستقطاب الإسلامي العلماني الذي أوقد ناره المجلس العسكري في استفتاء مارس وساهم في إشعالها على مدار عام ويزيد بقصد أو بدون قصد النخب السياسية الإسلامية وغير الإسلامية على السواء، مما جعل الخيار المطروح على الجماهير خيارا هوياتيا بين الإسلام واللاإسلام بدلا من أن يكون خيارا سياسيا بين الثورة واللاثورة، فتأخرت الثورة كثيرا وتم التشويش عليها بذلك الاستقطاب الهوياتي الزاعق. من هذا المنطلق، يستطيع أن يستغل الثوار الاهتمام الجماهيري بمعركة انتخابات الرئاسة لخلق تيار قوي يخرج بخطاب الثورة من الغرف النخبوية المغلقة ويطرحه على الجماهير خطابا يؤكد على أن أجندة الثورة هي أجندة سياسية لا هويّاتية تتبنى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع أي؛ إعادة توزيع السلطة والثروة بين أفراد المجتمع بحيث تسترد الأغلبية المظلومة قدرا من حقوقها من الأقلية المتحكمة في هيكل توزيع الثروة والسلطة الحالي. فإن نجح ذلك التيار في الوصول إلى السلطة، تكون أجندة الثورة قد استطاعت أخيرا أن تدق أبواب السلطة مدعومة بجماهير اختارتها في الصندوق كما صنعتها في الشوارع من قبل، وتستمر القوى الثورية في ممارسة الضغط من أسفل على الرئيس لمعادلة ضغط جماعات المصالح – المُهدَدة بالثورة – من أعلى فتستطيع الثورة أن تستكمل مسارها وأن تؤسس بيئة سياسية مناسبة لمنافسة ديمقراطية تجري في الانتخابات اللاحقة، وإن لم يستطع ذلك المشروع الوصول إلى السلطة فإنه سيبقى نواة وأساس لمشروع معارض قوي يستكمل المعركة في الشارع بشكل أكثر تنظيما، يكشف عورات السلطة ويطرح خطابا ثوريا وبديلا سياسيا مقنعا للجماهير.

لا أتصور أنه يمكننا الحديث عن الثورة ونحن نخضع لخطاب السلطة فنتحدث عن انتخابات الرئاسة وكأنها انتخابات حقيقية بين مرشحين وبرامج، كما أنه لا يمكننا الحديث عن الثورة أيضا ونحن نتعالى على معارك الجماهير أو ونحن نساهم في تشويش وعيها بتعميق الاستقطاب الخاطئ الذي لا يصب إلا في مصلحة المالكين الحاليين مفاتيح السلطة والثروة في البلاد



باسم زكريا السمرجي
19/5/2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق