السبت، 10 سبتمبر، 2011

خواطر مُحبَط

لا أحب ولا أؤمن بم يسمى بالانقطاع التاريخي، فالتراكم التاريخي حقيقة لا يُمكن الفكاك منها، ولا أقصد هنا أن يُسجن الإنسان في مسارات مستقيمة تُفضي إلى حتميات مُحددة تحددها الخبرات التاريخية السابقة، فهذا يُنافي تماما ما أومن به من إقرار لمبدأ الحرية الإنسانية التي هي مناط الاستخلاف والمسؤولية والمحاسبة. غير أنه حتى وحين يتخّذ الإنسان أكثر القرارات راديكالية ويُقرر أن يغيّر ما يُتصوّر أنه مصير حتميّ لابد أن تُفضي إليه خبراته التاريخية السابقة فإن هذه القرارات الراديكالية تنصبغ على بعض المستويات بصبغة التراكم التاريخي.

وفي رأيي، نستطيع بالنظر في التراكم التاريخي المصري أن نُفسّر السلوك "الثوري" المصري. وأنا لا أستطيع أن أتجاوز عن قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وما لاقاه من قومه "الشعب المصري" الذي فاق كثيرا ما لاقاه من فرعون "السلطة المصرية". ولا أستطيع أنا أتجاوز عن التشابه الذي يصل حد التطابق بين سلوك قوم موسى بعد أن نصرهم الله على فرهون وبين سلوك الشعب المصري بعد أن نصرهم الله على مبارك.

فبعد أن منّ الله على الذين استُضعفوا في الأرض ونصرهم على الذين استكبروا وأراهم آياته ومعجزاته (كما أرانا في الثورة المعجزات التي لا يملك أحد ادّعاء أنه تنبأ بها أو قادها) بعد كل ذلك، وبعد أن أذن الله لبني إسرائيل في عبور البحر وأراهم فرعون غريقا (مبارك محبوسا) – آية من الله تعالى – وصلوا للصحراء وجاعوا وعطشوا، فطلبوا من موسى عليه الصلاة والسلام أن يحضر لهم ماء، فدعا الله أن يسقيهم فأوحى له الله أن يضرب بعصاه الحجر فانفجر لهم من الحجر اثنا عشر عينا يشربوا منها كما أرسل عليهم طعاما من السماء "طيور السمّان والعسل" كانت تنزل عليهم من السماء يأكلونها دون تعب. ولكنهم سئموا فطلبوا من موسى عليه الصلاة والسلام أن يأكلوا عدسا وفولا وبصلا وثوما فاستعجب موسى أن يطلب قومه الأدنى بديلا عما هو خير وأمرهم أن ذلك في الأرض فليزرعوا وليأكلوا. ثم مرّوا على قوم مشركين يعبدون أصناما فطلبوا من موسى عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم إلها كما أن لهؤلاء القوم آلهة (ومازالت عصا موسى التي غلب بها سحرة فرعون أمامهم في يده، ومازال منظر فرعون وجنوده غريقا منطبعا في أذهانهم، ومازالت أقدامهم لم تجف من أثر البحر الذي عبروه!!) فغضب موسى عليه الصلاة والسلام من شدة جهلهم واحتدّ عليهم وبيّن لهم ما في ذلك من كفر.

ثم الطامّة الكبرى حين واعد الله موسى عليه الصلاة والسلام ليلقي إليه الألواح ويبيّن له الحلال والحرام، فذهب موسى لميقات ربه وترك قومه وأقام هارون أخيه عليه السلام فيهم. فماذا فعل بنو إسرائيل في غياب موسى عليه الصلاة والسلام؟ .. قام من بينهم رجل يُدعى "السامري" صنع عجلا من الذهب الذي خرجوا به من مصر، وكان العجل مجوّفا ووجهه تجاه الريح حيث إذا جاءت الريح أحدثت فيه صوتا يشبه صوت العجل الحقيقي، وقال لهم السامري أن هذا إلهم وإله موسى فأعجبوا به واتخذوه إلها (شوف الخيابة!!!!!) ولم يستطع هارون عليه السلام أن يردّهم وخشي أن يأخذهم بالشدة فيتفرّقوا. ثم عاد موسى عليه الصلاة والسلام فغضب أيّما غضب وأحرق العجل وألقاه في اليم وعوقب بنو إسرائيل ثم عفا الله عنهم بعد ذلك ولم يتوقفوا عند ذلك بل توالت حلقات مسلسل حمق بني إسرائيل وجهلهم على أنبيائهم وحلم الله عليهم، غير أني اخترت تلك الحكاية لأنها قريبة الشبه بما حدث في الثورة عقب تنحّي مبارك/غرق فرعون.

المشكل أن مصر لم تكن دولة، خاصة في الثلاثين سنة الأخيرة. بل كانت شبكة علاقات ومصالح بين مجموعة أفراد تتكامل علاقاتهم لتتكامل أطراف القوة التي يمتلكونها، ونستطيع أن نرى شبكة العلاقات تلك واضحة جلية في قسم الشرطة (رمز الدولة) خاصة في المناطق الشعبية والعلاقات التي يقيمها مع مراكز القوى في المنطقة حتى لو كانوا خارجين عن القانون (بل يكونون أصلا خارجين عن القانون) القانون المنوط بقسم الشرطة أن يقوم عليه، فتتحول وظيفة قسم الشرطة من تمثيل الدولة وحماية القانون إلى محاولة إيجاد مكان لنفسه داخل شبكة العلاقات المجتمعية في هذه المنطقة أو تلك، ويتحول ضباط الشرطة من ممثلين للدولة قائمين على حمايتها إلى مجرد مجموعة من الأفراد يحاولون أن (يمشّوا حالهم) بأن يوجدوا لأنفسهم مكانا في شبكة علاقات القوى في المجتمع الموجودين فيه.

ومن الطبيعي أن ينتج عن تلك الرخاوة التي كانت عليها "الدولة" المصرية أن يستشري الفساد الإنساني (ليس فقط الفساد المالي أو الإداري أو السياسي) في عروق أغلب المصريين، فنظرا لتشابك العلاقات وتشعّبها وقيامها على أساس الأفراد وليس المؤسسات، فإن الفساد لم يتوقف عند حدود مؤسسة يمكن استئصال الفاسد منها أو حتى إحلالها إحلالا تامّا وإنما كلّ منّا طاله خبث ذلك الفساد إلا من رحم الله، وصار إصلاحه إصلاحا شاملا عصيّا على طاقة البشر، والثورة وما حدث فيها من معجزات تخرج عن التخطيط البشري خير دليل. وحتى وإن تحدثنا عن عبقرية العقل الجمعي المصري وتفاعله مع الثورة فلا يجب أن نغفل أن "المليونيات" كانت حافلة بالموضات والتقليعات ومحاولات جذب الكاميرا من "الثوّار". وذلك يفسّر ما حدث بعد الثورة من الذين ارتضوا العجل إلها، وهو لم يكن عجلا واحدا بل كل مجموعة اتخذت عجلا يحدث خوارا مبهرا لهم يجعلهم يقولون هذا إلهنا وإله الثورة. فالدستور أولا، الانتخابات أولا، السفير الإسرائيلي، حد أدنى للأجور، الجيش والشعب إيد واحدة ... إلخ ويلتف كل مجموعة حول مطلب من المطالب أو رؤية مجتزأة ويدّعون أن تلك هي الثورة وأنهم هم الثوار، ولا أحد يعلم حقيقة الثورة وأنها أشمل من كل ذلك وتحتوي كل ذلك ولا تكتمل إلا باكتمال كل ذلك.

حينما أنهيت دراستي الجامعية منذ عامين تقريبا كان المجال مفتوحا للبحث عن فرصة عمل في إحدى دول الخليج غير أني أعلم عن نفسي أنني لن أستطيع أن أحيا خارج مصر، فالسمك لا يعرف أن يعيش خارج المياه حتى ولو كانت "مياه مجاري" وهذا لم يتغيّرغير أني ربما أكون وصلت الآن لتصوّر وهو أن الثورة سيُنجزها الله إلى الحد الذي أراده، وليس في طاقة أحدنا أن يحدد كيف تُنجز ويقوم على تحقيق تلك الكيفية. لذلك فمن الأفضل لي ألا أقيّد نفسي بوجوب العمل من أجل الثورة أو ما شابه، بل علي أن أعمل من أجل نفسي تحقيقا لمراد الله مني وللمدخل الذي كتبه الله علي لتحقيق الاستخلاف وإعمار الأرض، ذلك المدخل الذي إن تقاطع مع مسار الثورة فبها ونعمة، وإن لم يتقاطع فهذا قضاء الله. ذلك المسار الذي إن تطلّب سفرا خارج البلاد – دون هجرة – وإن لم يتطلّب فهذا أو ذاك أمر الله.

أحب مصر وأحب المصريين إجمالا دون تفصيل وأحمد الله أني أحيا في ذلك البلد الذي يحيا قصة الإنسان بتقلباته وتركيباته وتعقيداته، ذلك البلد الذي نظرا لما يحمله من تركيبات وتعقيدات ومضحكات مبكيات مؤهَّل لأن يكون مؤهِّلا لإنبات الشعراء والمفكرّين والمتأملّين.


رحم الله العبقري جمال حمدان



باسم زكريا

10/9/2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق