الثلاثاء، 2 أغسطس، 2011

خاطرة رمضانية ... إيمان العوام

هي خاطرة ذاتية جدا شخصية جدا لا أبتغي من تدوينها تعميمها أو استنباط قوانين ونظريات منها، إنما فقط أحب أن أكتبها لأراها وأشارك بها إخواني.

صلاة التراويح أو القيام هي إحدى مكونات التجربة الرمضانية الكليّة التي ليست تجربة روحانية خالصة، بل هي كالعبادات الإسلامية كلها فرصة لرأب الصدع بين الروح والمادة حتى يكتمل البناء الإنساني بناء يجمع بين الجوهر والمظهر، بين الأخروي والدنيوي، بين الإنسان الفرد والمجتمع. وصلاة التراويح كركن رئيسي من أركان تلك التجربة فيها كل ذلك. غير أنه وللأسف بعض الممارسات التي ارتبطت بصلاة التراويح نزعت عنها الروح لحساب المادة وطمست الفردانية لصالح المجتمع/الجمهور، فقبل رمضان يبدأ الناس بالتباهي بينهم وبين بعضهم بالمساجد التي يصلون فيها والأئمة الذين يصلون خلفهم فتحولت المساجد والأئمة إلى علامات تجارية Brands وأصبحت هي معيار التمايز المجتمعي.

يذهب الناس ليصلون (لله خلف الشيخ فلان) والله سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك، يذهبون إلى المسجد الكبير المكيّف ويبكون وإن لم يستطيعوا البكاء تباكوا حتى لا يتخلفوا عن الحالة العاطفية التي تفرضها الأجواء، فيُبتذل البكاء من خشية الله ليصبح "ظاهرة جماهيرية" وهو ابتذال يصيبني بالامتعاض كلما رأيته وكلما مرت من أمامي إحدى نفحاته.

أصلي التراويح في أحد مساجد حيّنا الشعبي المتواضع (الحي اسمه المطرية والمسجد اسمه خالد بن الوليد) لا يختلف المسجد كثيرا عن غرفة كبيرة، مجرد مربع خرساني به بعض الأعمدة، يخلو من الزخرفة، يخلو من الرخام، يخلو من السجاد الفاخر، والأهم أنه يخلو من أجهزة التكييف (فجهاز التكييف هو رمز لغواية السيطرة التي وقع فيها الإنسان حينما تقدم بالعلم والتكنولوجيا لدرجة صورت له أن يستطيع أن يسيطر على الطبيعة بدلا من أن يتزن معها، وهو رمز أيضا لنزعة الإنسان لتقديم خلاصه الفردي على المشاركة المجتمعية أو الصالح العام)

المسجد في الدور الأول من مبنى، دوره الأرضي به غرفة للإداريات وغرفة تنضم للمسجد في الترحيب بالمصلين يوم الجمعة، وتستخدم في التراويح كمصلى للسيدات اللاتي لا يستطعن صعود السلم، يعلو المسجد مصلى للسيدات، ودار حضانة، كانت إليها أولى خطواتي نحو منظومة التعليم.

المسجد ليس به إمام ثابت للتراويح، ففي كل عام يأتي إمام ينتخبه الأهالي في الغالب، فالإمام الرئيسي للمسجد يصلي التراويح في مسجد أكبر، وينتخب الأهالي فيما بينهم إماما، غالبا يكون من شباب الحفاظ أو يكون شيخا كبيرا في بعض الأحيان، والإمام لا يكون ثابتا طوال الشهر أيضا. وللروعة فالإمام هذا العام هو طالب أزهري من إحدى دول جنوب شرق آسيا يقيم في الحي مع مجموعة من أقرانه.

الصلاة تكون خفيفة، وجلسة التراويح تكون درسا عاما سهلا يفهمه الناس (سعدت كثيرا بدرس اليوم حيث دعا الشيخ على مبارك وقال اللهم زده هو ومن معه ومؤيديه مما هم فيه J ) وأحلى ما في جلسة التراويح هم الأطفال الذين يطوفون بين المصلّين بأكواب المياه، التي لا يمكن أن تردهم بها، ليس بالضرورة لتروي عطشك، بل لتروي شغفهم وتأتنس بابتسامتهم.

المصلّون في مسجد خالد بن الوليد لا يصلون في مسجد خالد ليتباهوا بذلك، فليس في الصلاة في مسجد خالد بن الوليد ما يدعوا للتباهي بمعايير السوق، فلقد تم تحييد كل المعايير لتبقى فقط الصلاة لله


اللهم ارزقنا إيمانا كإيمان العوام



باسم زكريا السمرجي
2/8/2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق