الأحد، 17 أبريل 2011

الإسلام والأيدولوجية

تتغلب أمة على أخرى في حركة التاريخ بأن تعولم مفاهيمها التي هي مصدر معياريتها، فتقيس باقي الأمم نجاحها وتقدمها منسوبا إلى مفاهيم الأمة المتغلبة فيما يُظـّـن أنها المفاهيم المطلقة التي لا خلاف عليها. غير أن حقيقة الأمر أن تلك المفاهيم تكون شديدة النسبية لا توائم حقيقتـُها إلا منشئيها ولا تنمو إلا في التربة التي بُذرت فيها ،وكلما جد المغلوب في السعي وراء اللحاق بمعايير المتغلب كلما كرّس لانسحاقه ولتغلب الآخر عليه. فالأسد لا يباري النسر في الطيران والنسر لا يباري الحوت في العوم. وكان حري باللاهثين وراء سراب اللحاق بما قدّه غيرهم لأنفسهم أن يدركوا حقيقة أن طريق استعادة زمام المبادرة والغلبة من المتغلب أن يبدأ المغلوب بالرجوع إلى أصوله واستنطاقها بمعايير تناسبه هو ومفاهيم تنتمي إليه وينتمي هو إليها. فاللوم الواقع على من صنع الصنم أقل بكثير من اللوم الواقع على من رضي بالصنم إلها بل وتبارى مع غيره في إثبات جده واجتهاده في الطواف حوله.

وبإسقاط ما تقدم على واقعنا المعاصر نجد أن المعيارية المتغلبة هي معيارية الغرب ومنبعها منظومته المفاهمية التي بالتحليل البسيط نجد أنها تستبطن فكرة رئيسية مؤداها أن الإنسان مادة وأنه نتاج تطور طبيعي لمخلوق بدائي، وهذه الفكرة التي لا يعدو تعبير داروين "العلمي" عنها كونه انعكاسا لثقافة سائدة أو فكرة رئيسية مسيطرة على العقل الغربي. وتتجلى هذه الفكرة في أشكال وقوالب عدة منها مفهوم الأيدولوجيا. والأيدولوجيا في تعريفها الاختزالي البحت – الذي يكفينا الإطالة – هي العقيدة السياسية ولابد أن نفرق بينها وبين الإجراءات التنظيمية فالاشتراكية أو الليبرالية مثلا أيدولوجية بينما الديمقراطية هي عملية إجرائية تنظيمية بحتة تختلف باختلاف الإطار الأيدولوجي الحاكم لها، فالديمقراطية الاشتراكية غير الديمقراطية الليبرالية.

والأيدولوجيات على ما يبدو بينها من اختلاف وتناحر أدى إلى حروب واقتتال هي كلها تستبطن النظرة المادية للإنسان. فالإنسان – طبقا لهذه النظرة الداروينية – هو أحادي البعد مُكون من مادة ومادة فقط غير متجاوز لها، تحكم علاقاته القوانين الطبيعية المادية السببية الجامدة. فكل فعل إنساني يسهل التنبؤ به وتقييمه وتقويمه مسبقا بتحليل مسبباته "علميا". وفي هذا الزعم إغفال تام لمساحة الحرية التي يتفرّد بها الإنسان عن ما هو دونه. تلك المساحة المتجاوزة للقياسات العلمية المادية الطبيعية الجامدة، تلك المساحة من الحرية التي قد تجعل الإنسان يأتي بردود أفعال مدهشة يصعب بل يستحيل التنبؤ بها مسبقا أو تأطيرها في إطار مادي أحادي البعد ضيق الأفق يزعم الإحاطة بجميع أبعاد الحقيقة وحيازة كل أطراف الحق. فمثلا ليس كل إنسان يتعرض للنار يبعد يده عنه تلقائيا بل العكس تماما فقد يُعرّض الإنسان نفسه للنار بغية التطهير أو التضحية أو التعبد كبعض ديانات الشرق الأقصى أو قد يحرق الإنسان نفسه بغية إعلان موقف وليس محمد البوعزيزي – رحمه الله – عنا ببعيد.

نخلص مما سبق إلى تهافت الزعم بإمكانية تأطير كل أفعال الإنسان وتصرفاته في الإطار المادي الذي يستبطن معرفة يقينية مدّعاة بجوانب الإنسان جميعها. وهذا الزعم هو المؤسس لفكرة الأيدولوجية ذاتها فواضعوا الأيدولوجيات إنما يضعون تصورا دقيقا لكل صغيرة وكبيرة في حياة الإنسان يسير وفقا له المنتظمون في إطار أيدولوجي ما. وعلى النقيض من ذلك نجد التصور الإسلامي فرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو المُؤيَّد من السماء، أو هو الذي يظن في نفسه ذلك ويعلم أن من حوله يظنون فيه ذلك أيضا، يقر حقيقة أنتم أعلم بأمور دنياكم وليس هذا في أمور الصغائر وفقط بل وفي أمور كبار كالحرب أيضا ففي غزوة بدر الكبرى – وهي أول لقاء عسكري بين المسلمين وكفار قريش – قال الحباب بن المنذر بن الجموح : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ، ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال : يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ، ثم نغور ما وراءه من القلب ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أشرت بالرأي . فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس ، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ، ثم أمر بالقلب فغورت ، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه ، فملئ ماء ، ثم قذفوا فيه الآنية وغير ذلك، فالنظر إلى ظواهر الألفاظ يجعلنا نتساءل هل من الحكمة أن يكون دعاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يقدم نفسه على أنه رسول الله "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" وكأنه يدعو القوم إلى الشك فيه وفي رسالته؟ فكيف يثقون فيمن لا يثق في أنه سيثبت على الدين؟ غير أن النظر العميق المتجاوز للألفاظ لهذا الأمر يؤدي بنا إلى حقيقة نفي الاستبداد عن الإسلام، فها هو الداعي الأول للإسلام والزعيم الروحي والسياسي للمسلمين يعلن أن الحق الثابت الذي يرجى منه التثبيت والمرجعية الحقيقية التي يقاس عليها هي مرجعية متجاوزة لأي حدود طبيعية مادية حتى وإن كانت حدود المؤيد من السماء – صلى الله عليه وسلم – بل هي مرجعية بيد الخالق – سبحانه وتعالى – المتجاوز للطبيعة والقيّم عليها غير الحالّ فيها وفي هذا نفي صريح لشبهة الاستبداد في الإسلام. فكيف يستبد برأيه من يوقن أن الحق متجاوز لحدوده. فالإسلام في جوهره رسالة تحرير عبر عنها الصحابي الجليل ربعي بن عامر حين قال: "لقد ابتعثنا الله لنحرر العباد من عبادة العباد لعبادة رب العباد وليخرجوا الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام" ليس رسالة استبداد فكري أو إخضاع لنظريات معينة أو أطر ضيقة محددة، بل إن الهدف الأسمى للإسلام هو إطلاق حرية الإنسان في سبيل التحقق بحقيقة إنسانيته وهو هدف مطلق فضفاض يستوعب الناس جميعا ولذلك جُعلت رسالة الإسلام رحمة للعالمين، فالمسلمون يلتقون على تلك الفكرة الجامعة وذلك الإطار الإنساني الواسع الذي يتميز بطبيعته الاستيعابية، بينما المؤدلجون يلتقون على الانصياع لفكرة وضعية ما وعلى تجلياتها في كل تفاصيل الحياة تلك التجليات المحددة سلفا والمدروسة دراسة "علمية" لا تقبل الخروج عليها.

خلاف آخر بين فكرة الأيدولوجيا والفكرة الإسلامية هو في علاقة الفرد بالمجتمع. فالأيدولوجيات على اختلافها الظاهري تنظر للمجتمع البشري كمجتمع النحل حيث مناط التمايز بين البشر وبعضهم – بمقتضى هذه النظرة – هو تمايز وظيفي ومعيار الكفاءة هو زيادة الإنتاج المنسلخ من كل معايير أخلاقية، فيصير الإنتاج من أجل الإنتاج والتسلح من أجل التسلح بل ويصير مكونا أساسيا في معيار تقييم تقدم الأمم هو قدرتها على التدمير، وفي الحرب الباردة لنا عبرة. يتحول الإنسان – وفق هذه النظرة – إلى موظف مسلوب الإرادة لا يُراد منه إلا التحقق بحقيقة وظيفته في المجتمع فينسحق الجوهر الإنساني تحت وطأة عجلة الإنتاج وثقافة الجماهير ويصير المجتمع هو الغاية والمقصد والمنال. وهذا هو ما يقف التصور الإسلامي على نقيضه فهو يكرّس لمبدأ الفردانية ولكنها فردانية إنسانية أيضا ليست فردانية حيوانية فالنظرة الإسلامية تسوّي بين الفرد والمجتمع حيث أن المرجعية التي لابد أن يرجع إليها كليهما – الفرد والمجتمع – متجاوزة لهما بل يقيس كل منهما الآخر عليها ولذلك حين سأل حذيفة بن اليمان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في حديث طويل عن الفتن ماذا يفعل إن تفرق المسلمون ولم يكن هم جماعة ولا إمام رد عليه – صلى الله عليه وسلم – : "فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو تعض بأصل شجرة ، يدركك الموت وأنت على ذلك" فكان أن بيّن أن الأصل المتجاوز، لحدود المجتمع ولحدود الفرد هو الذي يُرجع إليه ويتخذ على أساسه المرء موقفه حتى وإن كان ذلك الموقف هو اعتزال المجتمع تماما في تلك الصورة المجازية.

لكل ما تقدّم أرى أنه من الظلم للإسلام كدين ودعوة وفلسفة أن يُختزل في "أيدولوجية" حتى وإن كانت الأيدولوجيات كلها تبحث عن تحقيق السعادة الإنسانية فهو بحث في المكان الخاطئ فالإنسان الدارويني الذي يبحثون عن سعادته غير موجود سوى في توهّماتهم، غير أنهم في بحثهم صادفوا بعضا من الصواب، ولذلك أتفهم من يقول أنه يأخذ من أيدولوجية ما ما يتفق والنموذج الإنساني الإسلامي ولكني أعجب من الذين يدّعون أن أيدولوجية ما هي أصل الإسلام كمن يدّعون أن النظام الاقتصادي الإسلامي هو في حقيقة الأمر نظام رأس مالي أو من يدّعون أن الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري كان زعيم الاشتراكيين مثلا وهذا كله من مظاهر الانسحاق التي ورد ذكرها في أول المقال.

إن الأيدولوجيات وقد أثبتت فشلها حيث انهزمت الشيوعية بسقوط الاتحاد السوفييتي وهاهي تنهزم الرأسمالية أخلاقيا ويثور الغربيون عليها سواء في صورة رفض صريح لها أو في صورة هروب منها واللجوء إلى اليوجا وغيرها من ممارسات متعلقة بديانات الشرق الأقصى، فالعيب كل العيب أن يتخلف المسلمون – الذين علّمهم الله حقيقة الإنسان وحقيقة الحياة – عن اللحظة التي يثور فيها البشر على الأيدولوجيات ويتطلعون إلى الرجوع إلى أصولهم الإنسانية.

نسأل الله أن يهدينا إلى الحق ويعيننا على التحقق بحقيقته

باسم زكريا السمرجي
باحث في مركز المربع للدراسات الإنسانية والاستراتيجية
17/4/2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق