الأحد، 8 يوليو، 2012

الموقف الثوري بين الإخوان والبديل الثالث


لا تتناسب ثورية الموقف طرديا مع يساريته، فالاتجاه يسارا لا يعني بالضرورة الاقتراب من الثورة، وإنما يكفي أن تتجه يسارا بالقدر الذي يُخرجك من الخضوع لشرعية هياكل السلطة دون الخروج على جماهير المجتمع المقهورة، فتضمن أن تتحرك خارج إطار السلطة ولكن مع الجماهير الذين هم وقود الثورة وصناع التاريخ الحقيقيون وإلا أصبحت الثورة مجرد مجموعة من الأحلام الشخصية المتناثرة في أدمغة أو "أمزجة" أصحابها.

في ذلك الإطار فإن الموقف الثوري في الوقت الراهن لابد أن ينطلق من ثلاثة منطلقات على التوازي. أولها وأهمها على الإطلاق هو بناء البديل للقوتين المتصارعتين على السيطرة على المشهد السياسي الحالي، شبكات مصالح الحزب الوطني التي اختطفت الدولة وتنظيم الإخوان المسلمين الإصلاحي الذي قادته الظروف لتصدر الثورة. فتطور الأحداث أثبت أن انتصار الأفكار ليس مرهونا بشكل أساسي بجودتها أو ملاءمتها للواقع فقط، بل بقوة التنظيم الذي يستطيع أن يحولها إلى حقيقة مادية تتجلى في مجموعة البشر يستطيعون الدفاع عنها وإنفاذ إرادتها، وتجلى ذلك بوضوح في المعركة الانتخابية في جولتيها الأولى والثانية، فبينما أتت نتيجة الجولة الأولى معلنة عبور التنظيمين سالفي الذكر لجولة الإعادة، لم تكن لتخرج نتيجة جولة الإعادة على هذا النحو لولا الكفاءة التنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين الذين استطاعوا الإفصاح عن النتيجة النهائية قبل إعلانها بشكل رسمي، ذلك الإفصاح الذي قطع الطريق على تزوير كان مرتقبا، والذي أعقبه بحشد جماهيري حسّن من موقف الإخوان التفاوضي في مقابل المجلس العسكري وما يمثله من قوى الثورة المضادة. ومن يدري، ربما لو لم ينجز الإخوان المسلمين هذين الإجراءين لما كانت النتيجة على ما هي عليه.

إن كان الإخوان بهذه الكفاءة التي تمكنهم من إنفاذ إرادتهم في مواجهة قوى الثورة المضادة فلم البحث عن بديل؟ ليست الأزمة في الكفاءة بل في الإرادة؛ فالإخوان تنظيم إصلاحي لا ثوري لذلك فإن إرادتهم على الدوام تكون بالالتفاف حول المواجهات وسلوك أقل الطرق خطورة وأكثرها أمنا والتي بالضرورة لا تفكك هيكل السلطة القائم وتعيد صياغته بل تسعى إلى ترميمه وإصلاحه. لذلك فإن البديل لابد أن يكون تنظيم ذا إرادة ثورية وكفاءة تنظيمية عالية تستطيع أن تُنفذ تلك الإرادة، من خلال بلورة حركة الجماهير في أطر سياسية تعبر عن تلك الحركة فتدفع الجماهير لتطويرها ونتوقف عن إهدار الفرص الثورية. ليس ذلك التيار بالطبع هو ذلك المسمى بالتيار الثالث الذي يطلقه في الغرف المكيفة ويتحدث باسمه نخب النظام القديم، إنما هو ذلك التيار الاجتماعي الذي يتشكل من جماهيرٍ حياتها النضال اليومي من أجل لقمة العيش، تلك الجماهير التي اقتحمت في الثورة – حتى وإن كان بالمتابعة – مساحات السياسة المُحتكرة من قبل النخب.

المنطلق الثاني للموقف الثوري هو نقد جماعة الإخوان المسلمين. فالإنجاز الثوري الحقيقي حتى الآن هو كسر احتكار طرف واحد – الحزب الوطني – لأوراق اللعبة السياسية، وبعثرتها بين أطراف عديدة في الداخل والخارج. لذلك فإن تسليم أوراق اللعبة لطرف ما وتوكيله لمواصلة الثورة هو هزيمة ليس انتصارا، فانتصار الثورة ليس بوصول ثوري للسلطة – فضلا عن وصول إصلاحي لها – بل إن انتصار الثورة هو تفكيك احتكار السلطة واستردادها لجماهير الشعب، وهو هدف بعيد المدى مرهون بالقدرة على استدامة تهديد من في يده السلطة.

ضرورة أخرى لانتقاد جماعة الإخوان المسلمين وهي تلافي ما يمكن أن يحدثه وصول الإخوان المسلمين من تصدعات طائفية تفكك المجتمع لمصلحة الاستبداد. وقد لا يكون الإخوان المسلمون هم الفصيل صاحب النزعات الطائفية الأكثر تطرفا – وإن كانوا لا يخلون منها – ولكن وصولهم للسلطة قد يطمئن أصحاب النزعات الطائفية الأكثر تطرفا فيطلقوا أيديهم في المجتمع، وعلى الإخوان المسلمين أن يتحملوا مسؤوليتهم في هذا الصدد بالقوانين والتشريعات لا بالوعود والتطمينات !

سبب آخر لضرورة انتقاد الإخوان المسلمين، وهو إيصال رسالة للجماهير مفادها أن وجود الإخوان كبديل وحيد للنظام القديم ليس قدرا أبديا لا يمكن الفكاك منه، بل إنه أمر مؤقت بالظرف التاريخي الذي نحياه والذي نستطيع أن نغيره. بل يجب أن يتجاوز نقدنا للإخوان المسلمين ذلك الحد ليكشف عن تخلفهم عن اللحظة الثورية فيصبح تجاوز هم نحو صنع بديل أكثر ثورية ليس رفاهية وإنما واجب الوقت. غير أننا حين نطرح تلك الرسالة لابد أن نؤكد على أن تجاوز الإخوان المسلمين يعني التقدم للأمام وصناعة بديل جديد لا العود للوراء والسقوط في أحضان النظام القديم وهذا هو المنطلق الثالث للفعل الثوري. فلابد أن نؤكد في رسالتنا أن نقد جماعة الإخوان المسلمين ليس لمصلحة النظام القديم، فتجاوز النظام القديم – بما يمثله من عسكرة للدولة وسيطرة لشبكات المصالح عليها – أمر من المعلوم من الثورة بالضرورة، ليس فقط لأن العودة للنظام القديم تعني العودة للاستبداد بل لأن العودة للنظام القديم تعني تأخير تجاوز الإخوان المسلمين – الذي لن يحدث إلا بالنقد الموضوعي – ومن ثم الحفاظ على ثنائية الوطني الإخوان كما هي وتعني أن ذلك المقال سيكون صالحا للنشر في أعقاب الثورة الثانية التي ربما تحدث في المستقبل المنظور !

إن الثورة ليست حلما عابرا في خيال الشعراء، بل هي معركة انتزاع حقوق مادية لصالح الجماهير المقهورة التي تسبق قدرتها على الحركة قدرتها على صياغة تلك الحركة، وهنا يأتي دور التنظيم الذي لابد علينا لبنائه أن نتوقف عن الاقتناع بأن المراهقة الثورية هي السبيل الوحيد لمواجهة السلطة



باسم زكريا السمرجي
26/6/2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق