الأحد، 13 نوفمبر، 2011

عن سوريا .. العودة للأساسيات

من اكتفى بالتحليل السياسي الموضوعي نافذة للنظر على واقع الربيع العربي فقد اختار أضيق النوافذ وأقلّها رحابة حيث تختنق مساحة الرؤية الضئيلة التي توفّرها بفعل فقر المعلومات الذي هو في الغالب نتيجة لتشابك مؤامرات الداخل والخارج وتنازعها فيما بينها على إدارة الواقع المضطرب في تلك المنطقة الحيوية من الخريطة الجيوسياسية العالمية.

اليوم بدأت جامعة الدول العربية في اتخاذ بعض القرارات التي من شأنها رفع الغطاء العربي عن النظام السوري ذلك الذي ربما يكون تمهيدا لتدخل عسكري ضد سوريا خاصة وأنه يأتي في وقت ارتفعت فيه حدة التراشق اللفظي بين إسرائيل وإيران. وأمام هذه الخطوة وما تثيره من ارتباك في التحليل السياسي للوضع في سوريا لمسته في بعض الحوارات مع بعض الأصدقاء أجدني مضطرا لتجاوز التحليل السياسي للواقع، بل ونسبية الواقع كله وأعود للأساسيات المطلقة التي تقوم على الواقع لا يقوم الواقع عليها، وفي رحاب تلك الأساسيات أحاول أن أدوّن بعض الخواطر في الشأن السوري.

أولا: من حق الشعوب أن تثور، فالشعب هو مصدر الشرعية، والشرعية هي مصدر السلطة، وأي سلطة تقوم بدون توافق الجمهرة الغالبة من الشعب عليها هي سلطة غير شرعية، وإن كُتب لها البقاء بعض الوقت فشرعيتها هي شرعية القوة وتملّك السلاح التي لا تختلف كثيرا عن شرعية الاحتلال الأجنبي. والشرعية تسبق القانونية، ففي الدول المحكومة بالاستبداد يفقد القانون شرعيته حيث أن المؤسسات المنوط بها شرعنة القانون يُفترض بها حتى تحقق تلك الغاية أن تكون ممثلة للشعب، ذلك التمثيل الذي نعرف بالضرورة أنه لم يكن إلا أكذوبة خاصة في ظل أنظمتنا العربية المستبدة. والثورة فعل غير قانوني ولكنه شرعي، وهي تنتقل من كونها فعل احتجاجي جزئي إلى كونها ثورة حين تلتحم تحت رايتها فئات الشعب المختلفة، وحين تكون تلك الراية لا تعرف مطالبا جزئية بل هي مرفوعة فقط في سبيل المجرّدات المطلقة كالحرية والعدل. والشعب ليس مجموعة أفراد، فلا يمكن أن نحدد حدا أدنى من عدد الأفراد حتى نبدأ بتسميتهم "الشعب" بل إن الشعب روح وإرادة، وطالما أن فئات مختلفة – عمادها عوام الشعب – ائتلفت تحت راية لا تعرف مصالحا شخصية أو جزئية فهؤلاء هم الشعب وهذه هي الثورة ... وما يحدث في سوريا ثورة

ثانيا: المقاومة ليست قضية سياسية تُوظف في سبيلها الأخلاق، بل العكس .. المقاومة قضية أخلاقية ابتداء، تفرض هي أخلاقها على السياسة لا تسيّس أخلاقها. فلا يمكن أن يُتصوّر أن نظاما يرفع رايات كالممانعة والمقاومة والمواجهة يوجه مدافعه لشعبه، ومن غير المقبول – مهما كانت الحجج – أن ينتقل السيد حسن نصر الله من الصمت إلى تأييد ذلك المدفع المُوجّه إلى الشعب العربي المسلم، يقولون أن للنظام السوري جميل عليهم فأقول وهل دماء الأبرياء أصبحت نبيذ الملوك؟! وهل خلع السيد حسن نصر الله رداء المقاوم ليرتدي جبّة الملك؟! يقولون أن بيد النظام السوري ما يمكّنه أن يوقع بهم، فأقول للسيد حسن، الشيعي، من يدّعي اتباع الإمام الحسين – عليه السلام – أما في كربلاء عبرة؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثالثا: الموت حق، أمر الله النافذ، وعده الذي لا يُخلف، يأتينا لا نعرف على أي هيئة. مات خالد بن الوليد سيف الله المسلول على فراشه وما بجسده موضع إلا وفيه أثر لرمح أو لسيف، وقُتل الطفل حمزة الخطيب بسلاح مرتزقة بشار وما بروحه موضع إلا وفيه أثر لطائرة ورقية أو حمامة بيضاء. يأتينا الموت سلّمنا أنفسنا له أو تصنّعنا التمنّع عنه باتّقاء أسبابه، فلا قرار لنا في الموت. أما ما لنا فيه قرار فإرادتنا التي لا تُسلب منّا إلا إن رضينا بذلك، فكما قال من قال "لن يمتطي أحد ظهرك حتى تنحني له"، الإرادة هي ما يهون الموت دونها، بل هي ما تستحيل الحياته بدونها. وأي محاولة لبيع الإرادة في مقابل شراء مزيد من أرواح هي مفارقة أجسادها لا محالة هي الموت عينه. أقول هذا لمن يستغيثون بالتدخل العسكري الأجنبي – الغربي خصوصا – لإنقاذ الأرواح في سوريا، أما ترون عن أيمانكم عراقا تمزّق؟! وعن شمائلكم ليبيا تُباع بين الضباع في سوق "إعادة الإعمار"؟! لن يكرر الغرب خطيئته في العراق ويواجه مواجهة مباشرة يخسر فيها دوما، بل سيترك مهمة الموت لكم ثم على أنغام الموسيقى الجنائزية يوقّع مع من تبقى منكم عقود "إعادة الإعمار" ليستلب منكم إرادتكم مرة أخرى لصالح السوق الذي يديره هو عن طريق نخب مصطنعة ... الموت لا قرار لنا فيه، أما الإرادة فهي قرارنا .. قرارنا الوحيد.

رابعا: لي ولكل المصريين: أخشى أن نلقى الله والدم السوري في رقابنا.


"حيوا أهل الشام يا أهل الله"



باسم زكريا السمرجي

13/11/2011

هناك تعليق واحد: