الثلاثاء، 3 أغسطس، 2010

خواطر حول استراتيجيات التغيير .. 1

شاهدت مؤخرا الفيلم الأمريكي “The Shawshank Redemption” أو "الهروب من سجن شاوشانك" وهو يحكي عن "آندي ديفرين" المحاسب الذي سـُـجن ظلما ، ولقد عاش في سجن شاوشانك حياة عادية كسجين مسالم يقضي وقته في التأمل في صور فتيات أحلامه المعلقة على حوائظ زنزانته ، و نحت الأحجار لصنع رقعة شطرنج يقتل بها وقته. كما أن مدير السجن استعان بخبرته المحاسبية لغسيل أمواله القذرة. وتمضي به الحياة مسالما غير مثير للمشاكل حتى حين تعرض لمحاولات تحرش لم يقاوم حتى الموت فالفيلم يحكي أنه كان يقاوم فيمنعهم أحيانا وينالوا منه أحيانا أخرى، حتى نفاجأ بعد عشرين عاما من السجن أنه هرب. وكيف هرب؟ لقد كان يحفر – باستخدام الآلة الدقيقة التي يشكل بها الحجارة – نفقا ويغطيه بصور الفتيات. حتى حانت اللحظة واكتمل الحفر فهرب منه إلى ماسورة الصرف الصحي إلى الحرية.

أثارت تلك القصة خواطري حول استراتيجيات التغيير السياسي. فلقد كان ما فعله "ديفرين" تغييرا تبنـّى استراتيجية طويلة المدى تعتمد في تكتيكاتها على الاستفادة من هامش الواقع و عدم الخروج منه قدر الإمكان، والكمون وعدم الاصطدام المباشر مع قوى النظام بل على العكس تعتمد تلك الاستراتيجية على الانحناء للرياح تفاديا لها. تعتمد تلك الاستراتيجية في البناء على التراكم طويل المدى الذي يشبه تراكم طبقات الصخور حتى يصير البناء من الصلابة بحيث يستعصي على الهدم. وبرغم (سينيمائية) هذه الفكرة إلا أنها نجحت في بلاد مثل تركيا التي استمر فيها مشروع التغيير عقودا وها هو يؤتي ثماره ومازال في الطريق بقية.

الاستراتيجية الأخرى للتغيير تعتمد على الوصول إلى الأهداف بأقصر الطرق وفي سبيل ذلك لا تخشى أن تصطدم مع قوى النظام بشكل مباشر بل وأن تقدم في سبيل ذلك معتلين وضحايا و شهداء. فهي تعتمد في تكتيكاتها على الاختراق الإبداعي ، حيث تحاول اختراق معطيات الواقع بطريقة مبدعة لتصيغ لنفسها معطيات جديدة تنظلق من خلالها، وكلما زاد عنصر الإبداع زادت احتمالات الوصول إلى الهدف. ويسعى متبنوا هذه الفلسفة إلى حشد الجماهير في أقصر وقت ممكن حتى لا تذهب تضحياتها هباء. وقد نجح مثل هذا النموذج مع بلاد مثل صربيا وأغلب دول أوربا الشرقية التي لم تستمر فيها معركة التغيير أكثر من عقد واحد.

وإذا تناولنا بالتحليل السريع الاستراتيجية الأولى نجد أهم مميزاتها:

1. الفرصة التي يتيحها طول الزمان للتهيئة التدريجية لقطاعات واسعة من القاعدة الشعبية مما لا يتيح فقط إدخالها في آتون التغيير ، بل يؤهلهم لاستقبال التغيير وصيانته حال حدوثه

2. يتيح تجنب الاصطدام المباشر مع قوى النظام فرصة لكسب ثقة عوام الشعب وعدم استفزاز مشاعر الخوف لديهم ، كما يعطي الفرصة للمصلحين أن يعملوا على تحقيق رؤاهم دون الحاجة إلى الاستقواء بقوى خارجية قد تخفي مصالحها في مشاريعهم.

3. من أهم ما يحققه طول الزمان للمصلحين صورة من صور الانتخاب الطبيعي الذي يـُبقي فقط على المؤمنين بالقضية المستعدين للتضحية في سبيلها ويقصي الباحثين عن المصالح الشخصية قصيرة المدى أو المندسين الذين حتى وإن دخلوا سرعان ما يخرجوا.

4. يؤدي طول الزمان أيضا إلى تراكم الخبرات وتعدد الإسهامات في الرؤية الإصلاحية كما يتيح أيضا فرصة اختبارها وإعادة صياغتها حتى تصل إلى النضوج الكامل وتترسخ في عقول وقلوب المصلحين تماما.

5. إذا وصل الزخم إلى الكتلة الحرجة يصعب بل يستحيل قمعه أو إثناء عزيمة المصلحين بعد أن ترسخ في قلوبهم وعقولهم الإيمان بالقضية والاستعداد للتضحية في سبيلها.


وعلى الجانب الآخر إذا تناولنا مخاطر هذه الاستراتيجية نجد الآتي:

1. عملية الصهر الأولى للأفكار قد يشوبها بعض االتعسر كما أنه إن حدث فيها انحراف ما قبل أن تندمج كل الأفكار الاندماج التام يؤدي هذا الانحراف إلى الإضرار بالمشروع والانحراف به ككل.

2. إن تنبه له النظام في المراحل الأولى – قبل الوصول إى الحشد الجماهيري المطلوب – يسهل قمعه دون أن يشعر أحد به عن طريق قمع المصلحين أنفسهم.

3. يحتاج إلى صبر و مثابرة من المصلحين وإيمان – غيبي – عميق، فما يسعون لتحقيقه قد لا يتحقق في حياتهم وإنما قد يستغرق عدة أجيال.

4. حتى يحدث التأهيل الاجتماعي للقاعدة الشعبية لابد من تواطؤ الاتجاهات الإصلاحية المختلفة السياسية و الاجتماعية و الثقافية وهذا أمر يصعب تنظيمه

5. مشكلة تعاقب الأجيال وصعوبة امتداد الإيمان الرؤى بين كل جيل والذي يليه ففي الغالب يكون لكل جيل رؤيته المستقلة ومشكلاته المستقلة وسعيه لإثبات ذاته المستقلة.

هذا تحليل سريع لأهم فرص ومخاطر استراتيجيات التغيير طويل المدى وفي مقال قادم إن شاء الله سأتناول فرص ومخاطر استراتيجيات التغيير السريع





باسم زكريا السمرجي

3/8/2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق