الاثنين، ٢ يوليو ٢٠١٢

أسئلة وجودية عن أزمة الهوية

تلك التدوينة هي بالأساس أسئلة – كانت ولازالت تؤرقني منذ مدة – تحاورت فيها مع أخي وصديقي أحمد جمال سعد الدين (ملحوظة لصديقي أحمد جمال سعد الدين: اسمك الثلاثي طلع طويل فعلا ولازم تشوف له حل) فلم يزدني إلا حيرة. وهنا ربما يصير من المهم أن نطرح سؤالا عن وظيفة الفلسفة أو فلنقل بشكل أكثر مباشرة، وظيفة العقل. هل هي طرح الأسئلة وترقب إجاباتها من العالم الخارجي؟ بمعنى توجيه العقل لكي يرى العالم الخارجي من منظار أسئلة بعينها فيتلقى الإجابات عليها بشكل تلقائي. أم أن وظيفة العقل هي البحث عن الإجابات في الداخل للأسئلة التي تأتينا من الخارج؟ قد لا أميل لأي من الإجابتين بشكل قاطع فربما تكون وظيفة العقل هي الجمع بين طرح الأسئلة والبحث عن إجابات عليها في ذات الوقت. فحينما يتخذ المرء قرارا بأن يكون عقله هو مصدر الأسئلة الوحيد يكون قد حكم على مصيره بالتقيّد بماضيه، فالأسئلة التي سيطرحها العقل في تلك الحال لن يكون مصدرها سوى تجارب الماضي، وحينما يتخذ المرء قرارا بأن يعمل عقله متلقيا للأسئلة من الخارج يكون قد تخلى عن قدر كبير من قدرته على الاختيار وسلّم نفسه للعالم الخارجي الذي سرعان ما سيحتل إدراكه بهيمنة ما. لذلك، قد يكون الصحيح هو أن يطرح العقل السؤال على العالم مع الأخذ في الاعتبار احتمالية تغيير السؤال طبقا لمقتضيات الواقع فلا يتحول ذلك السؤال لدوجما تفسّر العالم ولا يوجد ما يفسّرها ولا تقدر أن تفسّر نفسها.

كان السؤال المركزي في حواري مع صديقي أحمد جمال سعد الدين (آخر مرة أقول اسمك على فكرة، ولو اضطريت هاقول "جيمي" وخلاص، علشان تبقى فاهم !!) هو، هل أزمتنا أزمة وجودية أم هي أزمة مؤقتة ربما بزمان أو بمكان ما؟ وبالطبع نحن هنا بحاجة لتعريف من نحن وما هي أزمتنا. مبدئيا نحن وأزمتنا ليسا مفهومين منفصلين، بل متصلان تمام الاتصال. فأزمتنا هي مكون رئيسي في تكوين النحن وبالتالي لن تستطيع النظر إلى أحد المفهومين بمعزل عن الآخر. فنحن الذين ولدنا لآباء من الشرائح المتوسطة من الطبقة المتوسطة، الذين لم يكونوا من عائلات أرستقراطية ولم يستطيعوا اللحاق بركب الانفتاح وليسوا أيضا من الفقراء المعدمين. دفعتهم قدرتهم الاقتصادية إلى سكنى الأحياء الشعبية ودفعهم مستواهم التعليمي والوظيفي إلى السعي للحفاظ على مظهر ما، فانتهى بهم الحال لأن يكونوا غير منتمين إدراكيا لهيمنة طبقية بعينها. وكنت أظن أن ذلك التموضع بين الهيمنتين هو التموضع المثالي الذي يقي من السقوط في أسر هيمنة ما، غير أن ما تكشّف لي أنه لا توجد مساحة فاصلة بين الهيمنتين، فالصراع الطبقي يجعل تلك المساحة ليست فاصلة، وإنما مساحة التحام وتقاطع فيصير أبناء تلك الطبقة المتوسطة أسرى الهيمنتين.

هل إذن أزمة الهوية التي نعانيها أزمة وجودية، مرتبطة باستحالة التسليم لهيمنة ما بعد أن كُشف لنا الوجه الآخر من الحقيقة، ومرتبطة أيضا بفقدان إرادة مواصلة المسير للمجهول الذي كُشف لنا منه ما يفقده القدرة على إدهاشنا؟

قادنا ذلك السؤال إلى سؤال آخر عن الخلق. إن افترضنا أن الله خلقنا من العدم. وأن أساس الخلق الروح، فإن إدراك تلك الروح متجاوز للزمان والمكان، فمتى انتهى ذلك الإدراك المطلق المتجاوز للواقع للروح ليبدأ الإدراك في التشكل بحسب ما يمليه عليه الواقع؟ أم أن الروح لا إدراك لها أصلا وأن الإدراك بدأ منذ اللحظة الأولى في سياق الواقع المجتمعي؟ وهل ذلك الإدراك الروحاني واحد في البشر جميعا، وأن كلا منا يصعد سلم التحقق الإنساني و النضج الإدراكي حتى إن وصل في النهاية لآخر درجاته وجد ما يتلوها هو العدم/الوجود حيث كل شيء لا شيئ وأي شيء كل شيء، فلا يهم حينها أي سلم صعدت فالنتيجة واحدة؟ أم أن تلك الروح التي هي أساس الخلق تختلف من واحد لآخر وأن لكل منا سلما يؤدي إلى نهاية ليست بالضرورة هي النهاية التي يؤدي إليها سلم الآخر؟

إذن لابد من صعود ذلك السلم، ولكن كيف؟ بالتأكيد يكون بعدم الرضوخ لهيمنة ما، وتحدي المألوف و"المفروض" باستمرار. وهنا تأتي مرة أخرى أزمة تموضع الطبقة المتوسطة التي تجعل طريق الهروب من الهيمنة غير واضح ويجعل طريق تحدّي المألوف غير واضح أيضا، وبينما يحاول المرء القيام بذلك يقوم بعمل بعض الأمور التي يشعر فيما بعد أنها لا تشبهه، ولكن إن كان قام بعمل تلك الأمور بالفعل فكيف إذن يدّعي أنها لا تشبهه؟! إن تلك المعضلة تؤكد على احتواء المرء على الشيء ونقيضه في ذات الوقت، وبالتأكيد وجود الشيء ونقيضه في ذات الوقت أمر غير منطقي، وهنا يحل هيجل تلك الأزمة بأن يقول أن الضرورة المنطقية تفترض أن يتفاعل الشيء Thesis ونقيضه Antithesis ليشكّلا مركب جديد Synthesis. ولكن هيجل كان يتحدث في إطار موضوعي غير ذاتي تحدث فيه تلك العملية بشكل لا إرادي Objective فما يحكمها هي الضرورة المنطقية فقط، لكننا نتحدث في إطار ذاتي Subjective تكون فيه نتيجة التفاعل بين تلك المتناقضات أمر محدد بالإرادة البشرية، فإما ألا يرى المرء تلك المتناقضات – وهو أمر مستحيل بالنسبة لمن تموضعه كما أسلفت – أو أن يرى تلك المتناقضات ويقرها مع إقرار بإن أحد جوانب تلك المتناقضات هو الخير المطلق والجانب الآخر هو الشر المطلق فيصل لقدر معيّن من التصالح وهو في حقيقة الأمر شكل من أشكال الرضوخ للهيمنة – وهو أمر مستحيل بالنسبة لمن له روح مغامرة لا يسيطر عليها الفزع من الجديد – وهنا يبقى لي ولصديقي "جيمي" احتمالان، الأول أن نسلم أنفسنا لمستشفى الأمراض العصبية والثاني أن نتصالح مع تلك المتناقضات، فيحل التصالح مع المتناقضات هنا محل الضرورة المنطقية عند هيجل .. ولكن كيف؟ هنا مربط الفرس!



باسم زكريا السمرجي
2/7/2012

الثلاثاء، ٢٩ مايو ٢٠١٢

خطوات على طريق "الشكرمون طاخ في الترللي"

أبدع صناع السينما المصرية حين تركوا لنا تصورات متعددة نقيس عليها ما يمكن أن يؤول إليه حالنا – نحن المهتمين بالشأن العام أو المتابعين له – إن استمر الوضع السياسي على ما هو عليه. فلدينا محمود عبد العزيز حين طاف الشوارع في آخر مشهد من فيلم (جري الوحوش) يهذي بـ "عايز طرلوب على قدّي يا أهل الطب ". ولدينا يحيى الفخراني في آخر مشهد من فيلم (الكيف) حين أعلن عن سره الخطير قائلا "أنا اللي صهفصت الهوا وبهيصت الشفاشي باللولة" ثم صار يرقص هاتفا "اتعلمت اللغة .. اتعلمت اللغة". وأيضا محمود عبد العزيز مرة أخرى في فيلم (العار) .. "الملاحة، الملاحة .. وحبيبتي ملو الطرّاحة". وإن كنت مُخيّرا بين الثلاثة لاخترت "اتعلمت اللغة" فمن المفيد أن نتوهم أننا تعلمنا شيئا حتى لو كان آخر شيء نستطيع أن نتعلمه قبل أن نفقد القدرة على الإدراك. وهذه التدوينة هي مجموعة من الأسئلة التي لا إجابات لها ولكنها خطوات على طريق "الشكرمون طاخ في الترللي" فنحن بالطبع نعرف كيف أن "الشكرمون" ركن ركين في اللغة التي تعلمها يحيى الفخراني.

  • متى أصبح الطرف الذي نواجهه قادرا على أن يحصرنا في مربع رد الفعل؟ وهل كنا دائما في مربع رد الفعل، غير أن إدراكنا لذلك كان متأخرا بعض الشيء؟ هل قمنا حقا بثورة ما زال الصراع فيها مستمرا؟ أم هل كانت انتفاضة فاجأتنا وفاجأتهم (لا أدري من هم بالتحديد .. ربما يكونون "الشكرمون" ذاته) لكنهم كانوا أكثر حنكة منا فاستطاعوا احتواها ولم نستطع لسذاجتنا – التي نحب أن نخدع أنفسنا ونسميها نقاءنا الثوري – أن نطوّرها؟ أم هل كانت أحداث "دُفعنا" إليها من البداية لاحتواء احتمالات لثورة حقيقية؟!
  • من هو الطرف الثالث؟ بل من هو الطرف الثاني؟ هل هو المجلس العسكري، المخابرات، شبكات مصالح الحزب الوطني؟ أم أنها أطراف خارجية يجذبها إلى مصر وضعها المتميز على الخريطة الذي وصفه بدقة الراحل نجيب سرور؟ ماذا تريد أمريكا وإسرائيل، السعودية، إيران، تركيا، الصين، قطر، جمهورية الكونغو الديمقراطية؟! وكيف تتقاطع كل مصالح كل تلك الأطراف؟ من هو توفيق عكاشة؟ ولصالح من يعمل؟ من هو إبراهيم عيسى؟ ولصالح من يعمل؟ ما حقيقة الراجل اللي واقف ورا السي بي سي وجريدة الوطن؟ من هو عمر سليمان؟ ولصالح من يعمل؟ وما حقيقة علاقته بآل سعود؟
  • ماذا يحدث داخل أروقة جماعة الإخوان المسلمين؟ ماذا كان يحدث داخل أروقة جماعة الإخوان المسلمين؟ كيف يتعامل الإخوان المسلمون مع المجلس العسكري؟ كيف يتعامل الإخوان المسلمون مع أمريكا وإسرائيل؟ ماذا تريد جماعة الإخوان/خيرت الشاطر من الثورة؟ لماذا صبحي صالح؟ وليه مابيروحش يكشف عند دكتور مثلا؟! (مش هاقول لماذا عبد القادر أحمد علشان ماصعبهاش على نفسي) ..
  • من هم السلفيون؟ وما الفوارق بين مجموعات السلفيين المختلفة؟ لماذا أيدوا أبو الفتوح لا مرسي الأقرب عقديا لهم؟ هل فعلا أسطورة النضوج السياسي لحزب النور صحيحة أم أنهم قاموا بذلك بناء على تعليمات من جهة ما؟ لماذا بعد أن أيدوا أبو الفتوح لم يحشدوا له؟ ففي المطرية رأيت مسيرة لتأييد أبو الفتوح لا تتعدى 10 أفراد! وعلمت من إحدى مدارس تحفيظ القرآن التابعة للسلفيين ولجماعة حزب النور بالذات أن الشيخ قال لهم هو مرسي، رغم أن تلك المجموعة كانت تعمل ضد الإخوان في الانتخابات البرلمانية (اللي هيقول لي هم اشتغلوا على قد ما يقدروا واحنا كده بنظلمهم هاضايقه على فكرة)
  • من هو حازم أبو إسماعيل؟ وما حقيقة علاقته بأمريكا؟ وأين كان أيام موقعة العباسية؟ هل كان حقا في أمريكا؟ وما حقيقة علاقته بالإخوان وبالسلفيين؟
  • ما سر صعود حمدين صباحي المفاجئ قبيل الانتخابات الرئاسية؟ (هاعمل عبيط ومش عارف) هل كان لتفتيت الأصوات الذاهبة لأبو الفتوح لينتهي بهما الحال خارج السباق؟ أم هل كان المقصود أن يدخل للإعادة فيربح الانتخابات ويصير "رمز الثورة" الذي وصل للرئاسة فيتم احتواء الثورة بالكامل داخل مؤسسات الدولة؟ هل ما زال ذلك السيناريو قائما؟ هل يتم الفصل في قانون العزل؟ وهل يتم عزل شفيق الآن ليدخل حمدين الإعادة ويربح، فيطعن شفيق بعد الانتخابات فيقبل الطعن ونعيد الدور من الأول؟ أم هل يحدث العكس؟ هل يقبل حمدين صباحي منصبا في رئاسة شفيق أو الإخوان؟ هل يحل أحمد شفيق بعد وصوله إلى الرئاسة البرلمان، ويزج بالإخوان في السجون؟ وتعاد انتخابات البرلمان ليربح أغلبيته حزب ما قد يفكر حمدين صباحي في تأسيسه، فيصير التدافع شكلانيا بين الثورة والثورة المضادة، تنتهي بوصول حمدين صباحي للرئاسة في 2016 أو ربما قبل ذلك، والثورة انتصرت و"والله وعملوها الرجالة"؟
  • ماذا يريد الإخوان (تاني)؟ هل هم غافلون عن المشهد الذي يعد لمذبحة قادمة لهم؟ هل هم غافلون حقا عن الشعبية التي خسروها من انتخابات البرلمان وحتى الآن؟ لماذا يصرون على التعالي على القوى السياسية الوطنية؟ هل يظنون أنهم بذلك متوكلون على الله وأن الله نصيرهم فلا حاجة لهم في البشر؟ هل هم غافلون عن كلام الراحل علي شريعتي أن من الاستحمار أن ترى بيتك يحترق وتذهب لتصلي ركعتين بدلا من أن تُطفئ النار؟ أم هل رتب الإخوان صفقة مع الفشيق فريق يحصلون بموجبها على مواقع ما في السلطة التنفيذية أو ربما في مؤسسة الرئاسة؟ وهل يثقون في مثل تلك الصفقة؟ أم هل يدركون أن في سيطرتهم الكاملة على الدولة تعني تحلل التنظيم وأن المظلومية هي حصن التماسك التنظيمي الأخير وبالتالي هم يلعبون للخسارة؟ إن كان ذلك كذلك فلماذا إذن دفعوا بمرشح للرئاسة؟ هل لاستكمال حبكة المظلومية، أم أن انحسار شعبيتهم البادي في نتائج الانتخابات الرئاسية هو ما دفعهم لرؤية تلك الحقيقة؟
  • الحكم في قضية مبارك وولديه والعادلي؟!
  • هل فعلا الشكرمون طاخ في الترللي؟!



باسم زكريا السمرجي
29/5/2012

الأحد، ٢٧ مايو ٢٠١٢

تاتا تاتا .. هنعمل ايه في جولة الإعادة

وددت لو أن هناك باستطاعتي شيء غير كتابة تدوينة لن تفيد أحدا ولن تغير شيئا وربما لن تضيف للكثير شيئا ولكن ما باليد حيلة! وقبل أن أبدأ أحب أن أعترف أن التخطيط المُحاك ضد الثورة في الانتخابات – والذي أخرجها بالشكل الذي خرجت عليه – مرتبط بالتخطيط الجاري ربما منذ أيام الثورة ذاتها واتضح أنه "شغل فنادق" وأننا لم نستطع مواجهته بأي شكل من الأشكال، فالأدرينالين الثوري لم يستطع الصمود أمام التخطيط المؤسسي المنظم بل اتضح أن الأدرينالين الثوري هو نقطة ضعف الثورة التي نفذ منها التخطيط العسكري.

أنا لا أدعو الناس لكي يروا النصف الممتلئ من الكوب (فهذا كلام فارغ) بل أدعو الناس لكي يرو الصورة بشكل أكثر شمولية، فالانتخابات رغم ما كان بها من بعض الخيارات التي كان من شأنها أن تدفع الثورة للأمام إلا أنها في ذاتها لم تكن ولن تكون خيارا ثوريا بل كانت اضطرارا، اضطرت إليها الثورة لأسباب لا مجال للخوض فيها الآن. هي ليست تعبيرا عن الإرادة الشعبية إنما تعبيرا عن كفاءة ماكينات الحشد أو موازين القوى السياسية، وما نستطيع أن نستخلصه من نتائج الانتخابات هي اتجاهات عامة ليس إلا وربما تتلخص في الآتي:

  • يأس الناس من السياسة، فنسب المشاركة التي قلّت كثيرا عن التوقعات لا يفسّرها سوى يأس الناس من أن السياسة يمكنها أن تغير حياتهم، ويتحمل المسؤولية الكبرى في ذلك مجلس الشعب الذي فشل فشلا ذريعا في مخاطبة احتياجات الناس.

  • من مجمل الناخبين اختارحوالي 55% أجندة التغيير المتمثلة في الثلاثي أبو الفتوح – حمدين – مرسي وصحيح أن التباين بين الثلاثة واضح خاصة بين أبو الفتوح-حمدين ومرسي إلا أنهم جميعا لم يكونوا جزءا من السلطة التي ثار عليها الشعب، وعليه فإن أكثر من نصف الناخبين تقريبا يريدون التغيير بأشكال متباينة. وربما يظن البعض وأنا منهم أن المخابرات وشبكات مصالح النظام تدخلت في الانتخابات بأنها ساهمت في رفع مرشح على حساب مرشح لتفتيت الأصوات، لكن الناخب لا دراية له بذلك ولا ينبغي أن يُحاسب على ذلك

  • خسر الإخوان كثيرا، ولا يعني حصول مرشحهم على المركز الأول عكس ذلك، فأن يخسروا حوالي 5 مليون صوت في أربعة شهور تفصل بين انتخابات البرلمان وانتخابات الرئاسة في معاقلهم هي خسارة، وأن يحصلوا على المركز الأول بفارق ضئيل بعد أن كانوا يقولون أن مرشحنا سيحسم الانتخابات من أول جولة خسارة ولا يغفل عن رؤية ذلك إلا مكابر !


إذن أين نحن الآن؟ إن لم تغير الطعون النتائج فإن الإعادة ستكون بين ماكينة حشد الإخوان وماكينة حشد الحزب الوطني اللتان على ما يبدو متعادلتان، ولن يفصل بينهما غير الأصوات الخارجة عنهما، وهي أصوات تتأرجح دوافعها بين تقديم الرغبة في التغيير على ما سواها، وبين تقديم الرغبة في حصول الاستقرار على ما سواها، وبين تقديم الخوف من الإسلاميين على ما سواه. وأظن أنه إن استمر الوضع الحالي على ما هو عليه فإن الأقرب للتحقق هو فوز ماكينة الحزب الوطني حيث ستميل إليها أصوات الراغبين في الاستقرار، وأصوات الخائفين من المشروع الإسلامي وربما بعض أصوات الراغبين في التغيير.

إذن ما العمل حتى نتجنب وقوع مثل تلك الكارثة؟ أولا لابد أن نعرف أنه ربما تكون أصوات الراغبين في التغيير الذين صوّتوا لأبو الفتوح وحمدين هي الكفيلة بحسم المعركة، ولكن لابد أن نفهم طبيعتها فهي في الغالب لم تأت بحشد حزبي مباشر وإنما هي أصوات حرة صوتت لأجندة ثورية أو بشكل أكثر دقة لخطاب ثوري. وبالتالي فإن ما يمكن أن يستميلها في أي اتجاه ويدفعها للمشاركة بدلا من المقاطعة هو إنتاج خطاب ثوري لا غير ذلك وبالتالي فإنني من يقول بأن تلك الكتلة التصويتية مصدر قوة تفاوضية لمعسكر التغيير الذي أراد بديلا ثالث غير الإخوان والنظام السابق، وبالتالي فإن على السياسيين أن يتفاوضوا مع الطرفين (الإخوان والنظام السابق) على حد سواء من موقع قوة.. أوجه كلامي للقائلين بهذا القول وأقول لهم "صباح الخير .. هي اللالا لاند بيروحوا لها ازاي دلوقتي؟!" لسببين عمليين جدا، أولهما أنه لا يوجد ما يسمى "بمعسكر" التغيير بل هي أصوات فردية حرة غير ملتزمة بتوجيها "معسكرية". ثانيهما أن النظام السابق لا يحتاج منك أي شيء حتى يعطيك أي شيء، فهو معه شبكات مصالح الحزب الوطني التي لم تُفكك بعد، ومعه الجيش والداخلية والقضاء ومعه أيضا الخائفين من المشروع الإسلامي (وهم كثير) ومعهم دعاة الاستقرار، فأنت إن ذهبت أعطيته إضافة إلى ما لدية شرعية ثورية مجانية، (واللي هيقول لي هناخد ضمانات منه مش هارد عليه على فكرة !). بالطبع لن أذكر الموانع المبادئية التي تمنع من التفاوض مع رئيس وزراء موقعة الجمل الذي اعتمد طوال الحملة الانتخابية على خطاب "العباسية بروفة" فعلى ما يبدو لا مكان للمبادئ في السياسة وبالأخص في الانتخابات ... احنا آسفين يا ميكيافيللي

طبقا لما سبق فإن الخيار الوحيد المطروح أمامنا هو التفاوض مع الإخوان كما أن الخيار الوحيد المطروح أمام الإخوان هو التفاوض مع باقي القوى الوطنية. وهو في الحقيقة ليس خيارا وحيدا بل إن هناك خيارا آخر مطروح على الجميع وهو حبل المشنقة، فلا لحظة أدعى لاستحضار "ثقة الأعزل بالأعزل" غير تلك اللحظة. وحتى يثق الأعزل بالأعزل على الإخوان أن يقدموا بعض الضمانات التي حتى وإن لم يفوا بها – وهو أمر وارد جدا – فستظل ورقة "نمسكها عليهم". وربما لا أستطيع تحديد تلك الضمانات ولكنها بالأساس الضمانات اللازمة لإنتاج خطاب ثوري على الأقل (مش هنقول أجندة ثورية) من ضمانة للعدالة الاجتماعية (اللي بجد مش بتاعة الشعارات) وضمانة الحريات وإعادة النظر في معايير الجمعية التأسيسية وأيضا إعادة النظر في منطق التكويش/التمكين .. (معلش يقولوا لمولانا الشيخ صفوت حجازي يؤجل مشروع الصرف الصحي الإسلامي شوية !)

من ناحية أخرى، فعلى القوى السياسية الأخرى أن تتوقف عن المطالبة بمطالب كوميدية مثل أن يتنازل مرشح حصل على المركز الأول في الانتخابات لصالح المرشح الحاصل على المركز الثالث، فلا أدري أي عقلية فذة تفتّقت عن هذا الاختراع العبقري (يا خسارة العلام يا بتوع الدكتوراهات !) وألا تتلخص المطالب أيضا في الإتيان بفلان نائبا للرئيس وفلان رئيسا للوزراء، فليست تلك المطالب هي التي من شأنها أن تستميل أصوات الثورة بل على العكس ستشعرها بالخيانة وتدفعها أكثر للعزوف عن المشاركة.

كلمة أخيرة للإخوان: حتى لو استمريتم في المكابرة ولم تتفاوضوا ولم تتنازلوا سأصوت لكم لأني أفضل الاحتمالات العديدة التي تمنحها الحياة من أدناها إلى أقصاها على الاحتمال الوحيد الذي يمنحه الموت. أعرف ربما عشرات سيفعلون ذلك أيضا لكني لا أضمن باقي ال8 مليون !


باسم زكريا السمرجي
27/5/2012

الجمعة، ٢٥ مايو ٢٠١٢

ملاحظات سريعة للزملاء في حملة أبو الفتوح

إن لم تكن من أعضاء الحملة الرئاسية لعبد المنعم أبو الفتوح أو من مؤيديه فلا تُضيع وقتك في قراءة هذه التدوينة، فهذه التدوينة موجهة بالأساس للمهتمين بمشروع عبد المنعم أبو الفتوح – مصر القوية، وهي ليست إلا بعض النقاط القصيرة التي أحاول التفكير فيها معكم من واقع نتيجة الانتخابات التي تكشف عن جولة إعادة تدور بين اثنين من الثلاثي حمدين – شفيق – مرسي.


  • إن نظرنا نظرة سريعة لدوافع التصويت لأعلى المرشحين الرئاسيين حصدا للأصوات (مرسي – شفيق – حمدين – أبو الفتوح – موسى) نجد أنها بالأساس هوياتية إما لصالح المشروع الإسلامي أو فزعا من المشروع الإسلامي، ولا يتجاوز تلك الثنائية الاستقطابية إلا أبو الفتوح فكان أغلب المصوّتين له يصوّتون للطرح الوطني الجامع الذي يطرحه، وهذه حقيقة يجب البناء عليها بقوة.
  •  بينما كنا نتابع النتائج ونتناقش قال أحد الأصدقاء كلاما معناه أننا مستحقون للفوز لأننا أكثر الحملات التزاما بالمعايير الأخلاقية، فكان ردّي عليه ببساطة أنه على ما يبدو ليس هذا كافيا للفوز في الانتخابات التي على ما يبدو "بشكل عام" هي الممارسة الأكثر انتهاكا لفكرة الديمقراطية ذاتها التي تعني حكم الشعب. فللفوز في الانتخابات مقتضيات لا تتوفر إلا في ماكينات الحشد الانتخابي التي في الغالب تعتمد على الحشد على شعارات زائفة، أو تفعيل شبكات مصالح على الأرض، ليس على الخطاب السياسي "المنطقي" 
  • لذلك كان لابد للحملة أن تعلم على مستوى ما أن فرصتها في المنافسة الانتخابية ضعيفة لأنها تعتمد على الخطاب السياسي المنطقي، لا على الشعارات الهوياتية أو الأيدولوجية الزائفة. ولكن بناء على النقطة الأولى لا يجب أن يتفكك المشروع بل يجب أن يتبلور في مشروع سياسي يعمل في إطار الدولة حتى وإن فشل في الوصول إلى السلطة، (وأظنه لن ينجح في الوصول للسلطة وإن ظل ينافس) فهو يمكن أن يمثل رقما صعبا في المعادلة السياسية يحرسها من الاعوجاج، وليس الأمر بالعسير فلا يجب على مشروع "مصر القوية" سوى أن يبلوّر مشروعه السياسي في كيان مستقل يتواجد في المعارك السياسية بهدف ضبط الإيقاع دون أن يكون جزءا من مشروع آخر .. فمثلا في جولة الإعادة عليه أن يعلن دعمه للطرف الأقل محافظة (نقول مجازا الأكثر ثورية) دعما مبادئيا دون أن يكون جزءا منه على المستوى الحركي
  • بالإضافة إلى التواجد في المعارك السياسية على ذلك الكيان أن يخلق أجندته "السياسية" الثورية حتى لا يكتفي بدور الحارس الذي يمنع الممارسة السياسة من التراجع بل يدفعها للأمام ويعيد تشكيلها أيضا ويعطي فرصة للثورة أن تتجذر اجتماعيا


والله أعلم


باسم زكريا السمرجي
25/5/2012

السبت، ١٩ مايو ٢٠١٢

لا انتخابات تحت حكم العسكر؟!

أتفق مع الذين يرفعون شعار "لا انتخابات تحت حكم العسكر" وأختلف مع دعوة الكثير منهم لمقاطعتها. وأتفق مع الذين اختاروا خوض غمار الانتخابات – مرشحين وداعمين ومؤيدين ومصوّتين – وأختلف مع خطاب الكثير منهم الذي يتصوّر أننا فعلا بصدد انتخابات حقيقية تحت حكم العسكر. يبدو التناقض جليا في العبارة السابقة، غير أن معركة متناقضة كمعركة انتخابات الرئاسة التي نحن بصددها لا تصفها سوى عبارة متناقضة كتلك.

نظريا، انتخابات الرئاسة – كأي انتخابات – تدور في الحيز السياسي يحكمها قانون العرض والطلب؛ فهي عملية تنافسية بين أطروحات وبرامج يدفع بها أصحابها لسوق السياسة بهدف جذب أكبر عدد من المشترين، ويفوز بها من ينجح في إقناع أكبر عدد ممكن من الناس أن معروضه من البرامج والأفكار السياسية هو ما يخاطب – بأكبر قدر ممكن من الكفاءة – احتياجاتهم. وتفترض النظم الديمقراطية المستقرة أن تكون حدود وقوانين سوق السياسة موضوعة مسبقا ومعلومة للكافة ومُتفّق عليها من الجميع حتى تتحق ما يمكن أن تسمّى بالمنافسة الشريفة بين البرامج والأطروحات السياسية المختلفة.

أما انتخابات الرئاسة التي نحن بصددها في مصر فهي انتخابات تُجرى في خضم ثورة حيث حدود وقوانين السوق السياسي مازالت لم تُرسم بعد. والأهم أنها أيضا تقام في ظل حكم عسكري يُفترض بموجبها أن "يسقط حكم العسكر" فيُخضع العسكر أنفسهم لسلطة المدنيين. وهو أمر لم يُبد المجلس العسكري حياله نوايا طيبة؛ فمن كان واهما أن المجلس العسكري سيغلّب منطق الرشد على منطق القوة – فيسلّم السلطة "المطلقة" للمدنيين المنتخبين –  لابد أن يكون قد أفاق على المحاكمات العسكرية للمدنيين أو محاولات المجلس العسكري لفرض وضع مميز في الدستور أوغيرها من الممارسات التي لم تدع مجالا للشك أن المجلس العسكري يغلّب منطق القوة على منطق الرشد وأنه لن يدع السلطة تفلت من يديه دون أن يضمن لنفسه موقعا وصائيا ما على السلطة المدنية.

لذلك فإن معركة الانتخابات الرئاسية – على أفضل تقدير – هي معركة إصلاحية لا تتعدى كونها درجة أرقى من الممارسة الديمقراطية لم يمر بها الشعب المصري من قبل. ولكن من ناحية أخرى، فإن الثورة حيث تكون الجماهير، وإلا تحوّلت لسجالات فكرية نخبوية لا تكون الغلبة فيها للفكرة الأصلح بل لمن لديه ما يكفي من القوة لفرض فكرته. ولا يخفى على أحد أن الجماهير شغوفة بخوض غمار الانتخابات الرئاسية، رغم أن تلك الانتخابات تقوم تحت حكم العسكر الذي بدأت معدلات الغضب الجماهيري تتزايد في مواجهته. ربما يلوم البعض على الجماهير ذلك الوعي المتناقض غير أن الجماهير لها فلسفتها التي لابد أن نحترمها حتى نستطيع أن نفسّرها ومن ثم نستطيع الاشتباك معها بدلا من التعالي عليها، هذا إن أردنا الحديث عن الثورة!

لكن، هل يعني هذا أنّ علينا أن نخوض تلك المعركة بقواعدها التي فرضتها السلطة طالما الجماهير اختارت ذلك؟! بالقطع لا، فدور المثقفين والنشطاء والنخب أن يكونوا مع الجماهير لا ليسلّموا لهم أنفسهم بل ليكتشفوا ويكشفوا عن التناقضات الكامنة في كل أطروحة من أطروحات السلطة واستخدام تلك التناقضات للوصول إلى أطروحة مضادة تقود إلى قدر أعلى من التحرر من هيمنة السلطة؛ أي أن علينا أن نحول المعركة الإصلاحية لمعركة ثورية من خلال حركة الجماهير من داخلها فلا نتعالى على معارك الجماهير ولا نخضع لها تماما بل نشتبك معها.

والاشتباك مع معركة انتخابات الرئاسة فرصة حقيقية لتجاوز الاستقطاب الإسلامي العلماني الذي أوقد ناره المجلس العسكري في استفتاء مارس وساهم في إشعالها على مدار عام ويزيد بقصد أو بدون قصد النخب السياسية الإسلامية وغير الإسلامية على السواء، مما جعل الخيار المطروح على الجماهير خيارا هوياتيا بين الإسلام واللاإسلام بدلا من أن يكون خيارا سياسيا بين الثورة واللاثورة، فتأخرت الثورة كثيرا وتم التشويش عليها بذلك الاستقطاب الهوياتي الزاعق. من هذا المنطلق، يستطيع أن يستغل الثوار الاهتمام الجماهيري بمعركة انتخابات الرئاسة لخلق تيار قوي يخرج بخطاب الثورة من الغرف النخبوية المغلقة ويطرحه على الجماهير خطابا يؤكد على أن أجندة الثورة هي أجندة سياسية لا هويّاتية تتبنى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع أي؛ إعادة توزيع السلطة والثروة بين أفراد المجتمع بحيث تسترد الأغلبية المظلومة قدرا من حقوقها من الأقلية المتحكمة في هيكل توزيع الثروة والسلطة الحالي. فإن نجح ذلك التيار في الوصول إلى السلطة، تكون أجندة الثورة قد استطاعت أخيرا أن تدق أبواب السلطة مدعومة بجماهير اختارتها في الصندوق كما صنعتها في الشوارع من قبل، وتستمر القوى الثورية في ممارسة الضغط من أسفل على الرئيس لمعادلة ضغط جماعات المصالح – المُهدَدة بالثورة – من أعلى فتستطيع الثورة أن تستكمل مسارها وأن تؤسس بيئة سياسية مناسبة لمنافسة ديمقراطية تجري في الانتخابات اللاحقة، وإن لم يستطع ذلك المشروع الوصول إلى السلطة فإنه سيبقى نواة وأساس لمشروع معارض قوي يستكمل المعركة في الشارع بشكل أكثر تنظيما، يكشف عورات السلطة ويطرح خطابا ثوريا وبديلا سياسيا مقنعا للجماهير.

لا أتصور أنه يمكننا الحديث عن الثورة ونحن نخضع لخطاب السلطة فنتحدث عن انتخابات الرئاسة وكأنها انتخابات حقيقية بين مرشحين وبرامج، كما أنه لا يمكننا الحديث عن الثورة أيضا ونحن نتعالى على معارك الجماهير أو ونحن نساهم في تشويش وعيها بتعميق الاستقطاب الخاطئ الذي لا يصب إلا في مصلحة المالكين الحاليين مفاتيح السلطة والثروة في البلاد



باسم زكريا السمرجي
19/5/2012

الجمعة، ٤ مايو ٢٠١٢

ليلة الغريبين


ليلة فيها ارتكبنا السماء

غريبين كنا وكان القمر كسولا ملتحفا بالسواد

حتى رآنا .. توسّل إلينا كي نؤجل حكايتنا

حتى يستطيع أن يعبّئ ذاكرته بالحكايا الجديدة

كما يتوسل إليّ الوزن الآن لكي يمسك بزمام القصيدة

لكن، كان النسيم أضعف، كما هو طيفك الآن ..

وأنا يا غريبة كما تعلمين ..

قوي على البندقية، ضعيف أمام النسيم

وليس في ذلك مقابلة أو تضاد .. بل هو عين الترادف

***

على حافة التوهج وقفنا طويلا

نسلم أنفسنا للنسيم .. فيحملنا

بعيدا إلى ساحة الامتزاج السماوي البريء

إلى الكمال الذي لا يكتمل إلا باشتياقه المتجدد لنقصانه

***

كنا غريبين حتى أسكرنا النسيم

وامتدت برفق يداه، تنزع عنا رداء الغرباء ..

فنخرج من حدودنا إلى اللاحدود،

حيث تتشابه أوجه حجر النرد

فيصير كل شيء لا شيء ..

ويصير اللاشيء كل شيء

ربما لهذا زهدنا فتجاوزنا التوهج لما هو أبعد

***

وما بعد البعيد ..

لا تهم اللغة،

فكان الكلام لنا هو ذلك النقصان ..

المكمل لاكتمالنا



وما بعد البعيد..

لايهم من نكون أو ما نكون

فلقد رأيتك فراشة ورأيتك غزالة

ورأيتك في كل تلك الصور التقليدية التي تعلمناها في المدارس

ورأيتك مئذنة تخرج من سطح كنيسة

مصباحا كهربائيا خافتا ..

يتظاهر بأنه "لمبة جاز" تقليدية

رأيتك قمرا جنوبيا حملته رياح الشمال

ورأيتك أغنية تفرد لي جناحها لأنام

فكان من الطبيعي أن أستيقظ لأجد نفسي طائرا

يجيد الغناء

***

كنا غريبين .. وكانت الليلة

فارتقيناها لتوغل في غربتها

بينما نحن صعدنا فلم نعد كذلك




باسم زكريا السمرجي
2/5/2012

الأربعاء، ٢ مايو ٢٠١٢

شهادتي على اشتباكات العباسية

مبدئيا .. أنا عارف إني مش هاجيب التايهة ومش هانوّر المحكمة ومش هاجيب الديب من ديله بس بشكل ما حاسس إن عليا واجب إني أدوّن اللي شفته النهاردة، وعارف كمان إن مش كل ما يُعرف يُقال وكده بس متهيألي إن الحقيقة وقتها كل وقت والثورة قامت علشان ندوّر ع الحقيقة مش علشان نتاجر بيها ونشتغل "سياسة"

امبارح بالليل طبعا زي معظم الناس معرفتش أنام وصحيت الصبح مقدرتش أعمل أي حاجة غير إني أروح على الاعتصام. نزلت محطة مترو كوبري القبة ومشيت الخليفة المأمون كله الدنيا أمان والمواصلات ماشية ومفيش أي حاجة لحد ما وصلت للاعتصام عند ميدان العباسية برضه الدنيا أمان والعدد قليل جدا في الاعتصام، وأنا ضعيف في تقدير الأعداد لكن ما أظنّش إنهم يعدّوا مئات .. وصحيح مشفتش ولا يافطة لحازم أبو إسماعيل لكن أغلب المعتصمين سلفيين وده طبعا مش معناه إنهم يُعتدى عليهم أو يُسلبوا حق من حقوقهم بأي شكل من الأشكال.

المهم، عديت الاعتصام ولاقيت ناس من ناحيتنا محتلة الكوبري مأمّناه (وأنا مش هاقول ثوار وبلطجية .. هاقول من ناحيتنا ومن ناحيتهم) وساحة المعركة الأساسية هي موقف أوتوبيس العباسية .. الملاحظة الأساسية هي إن الناس اللي من ناحيتنا والناس اللي من ناحيتهم شبه بعض، الفرق بس إن ناحيتنا في سلفيين كتير .. السلاح الأساسي في المعركة الطوب والمولوتوف، وشفت اتنين من الناحية التانية معاهم فِرَد خرطوش .. واللي بيحصل كالآتي: احنا محتلين ساحة موقف الأوتوبيسات كله تقريبا معظم الوقت وهم واخدين البيوت في ضهرهم والطوب والمولوتوف شغال، وفي كذا فرشة خضار اتحرقت في الموقف من المولوتوف بتاعنا، وكل شوية العيلين اللي معاهم خرطوش يضربوا علينا فنرجع لنص الموقف أو نرجع لحد ما نجيبهم عند الكوبري فالناس اللي واقفة فوق الكوبري تحدف عليهم من فوق فيرجعوا ونتقدم تاني .. وهكذا، يتقدموا فنرجع ونتقدم فيرجعوا، في معركة متكافئة لأقصى حد .. مشفتش إصابات عندهم لكن شفت عندنا إصابات أغلبها من الطوب

الناس اللي بيضربوا علينا قلت إنهم شبهنا، وفيهم حتى عيال صغيرة وناس تانية بتحدف طوب حتى بطريقة ماتدلّش على إنهم محترفين إجرام .. لكن في ناس منهم شكلهم فعلا محترفين إجرام، وفي ناس من عندنا شكلهم برضه محترفين إجرام والسلاح الوحيد اللي شفته من ناحيتنا واحد معاه مطواة كان عايز يدخل الناحية التانية يجيب واد كده كان بيحاول يستفزّنا .. (بالمناسبة، أرجوكم محدش يزايد عليا في حوار الناس اللي شكلهم محترفين إجرام ده، أنا ولا شاب برجوازي ولا طبقى وسطى ولا كل الكليشيهات دي)

في ميدان العباسية العربيات بتعدّي عادي .. وشفت حالتين مرة عربية تاكسي ومرة عربية سوزوكي صغيرة معدية والناس حدفت عليها طوب لسبب مش فاهمه في حالة السوزوكي لكن في حالة التاكسي على حسب ما فهمت إن الراجل كان بيزمّر لهم علشان يعدّي .. وشفت حالة تانية لواحد كان ماشي وبيقول كلام من نوعية خربتوا البلد فواحد من ناحيتنا قلع له الحزام وكان هيدبّ فيه لولا الناس حاشته .. سمعت من أكتر من حد كلام عن الإحباط وعن إنها شكلها كده مش هتخلص إلا لو جبنا سلاح .. أنا مشفتش سلاح بعيني لكن كان في ناس بتتكلم عن "رغبة" مش "نية" في إنهم يجيبوا سلاح وذخيرة

الخلاصة: أنا أول مرة أبقى متلخبط لأن اللي بيدبّوا من الناحيتين زي ما قلت شبه بعض .. شكلهم مدني وماستبعدش يكون في بلطجية في الناحيتين فالموقف الأخلاقي فعلا صعب وهي مش هتتحل إلا بإن الناس ترجع لمكان الاعتصام وماتخرجش منه تمهيدا لفضّه لأن الموضوع قلب لتار مع أهالي العباسية .. وسمعت كلام إن أهالي العباسية بيقولوا احنا مش **لات علشان تيجوا تضربوا فينا، ماتضربوا في اللي بيضربوكوا (ويقصدوا الجيش والشرطة)

آخر حاجة: محدش يحمّس الناس إنها تنزل تنصر اخواتنا اللي بينضربوا هناك لأن اللي بيضربوا برضه شبه اخواتنا اللي بينضربوا واحتمال يكون منهم إصابات وشهداء برضه أنا معرفش .. اللي عايز ينزل ينزل بمبادرة كبيرة لمحاولة تخليص الناس وإرجاعهم

الحاجة اللي بعد الأخيرة: الدم اللي سال متحمل جزء كبير من مسؤوليته حازم أبو إسماعيل ... أنا أتقرب إلى الله ببغضي هذا "الرجل"

ملحوظة: دي شهادتي ليوم الأربعاء 2 مايو 2012 من حوالي الساعة 9:30 صباحا إلى حوالي الساعة 12:30 مساء



باسم زكريا السمرجي
2/5/2012