‏إظهار الرسائل ذات التسميات المجتمع المصري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المجتمع المصري. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، ٨ فبراير ٢٠١٢

إنهم يبتذلون الأشياء

تنويه: ما سيأتي من كلام كتبه رجل غاضب، فإن كنت تنتظر كلاما عقلانيا، موضوعيا، وأفكارا تستحق النقاش فلعلك تحب أن تبحث عن نشاط آخر تشغل به وقتك غير قراءة هذا الكلام

قاعدة: أخطر ما يمكن أن يحدث في مجتمع مهزوم، أن تنمو فيه طبقة ما نموا اقتصاديا يُغنيها عن التفاعل الإنساني مع السواد الأعظم لهذا المجتمع. فمع الوقت يتسبب ذلك الاستغناء المزعوم في الانفصال عن المجتمع، ومحاولة الالتحاق بهوية المنتصر، الذي ما انتصر إلا عليهم، يكون بالضرورة مستعمِر لهم، استعمارا مباشرا أو غير مباشر .. ولأن تلك الطبقة المُستفيدة تمتلك أسباب القوة فهي لن تستسلم للشعور بالغربة، بل ستعمد لما يمكن أن تسميه كذبا وادعا الارتقاء بالمجتمع ليقارب صورة المنتصر، وهو ليس ارتقاء بل مسخ للمجتمع، وسيلتهم فيه ابتذال الأشياء...

  • تُبتذل الغايات وتحتل الوسائل مكانها في الخريطة الإدراكية، فيصير الشال الفلسطيني ليس وسيلة للحفاظ على الهوية بل غاية مظهرية لا يعرف صاحبها عن مغزاها الفلسفي شيئا. وربما سبب حرصه على ارتدائه بشكل منتظم أنه أبيض في أسود ... "فيمشي مع كل الألوان"
  • يُبتذل الشهيد، ويتحول إلى صورة تتدلّى على الجدار يحتسون في ظلالها قهوة الصباح ويتبادلون بعض النكات السخيفة
  • تُبتذل الفوارق بين الجنسين، فبالكاد تستطيع أن تميّز ما إن كان الواقف أمامك ذكرا أم أنثى، فالهيئة تقريبا متشابهة وحتى الصوت أيضا
  • تُبتذل قصص الحب التي لا سحر فيها إلا إن اكتست بالحياء، والتمنّع، والمغامرة، والحِـيَل، والتضحية. وتصبح مجرد علاقة ما بين شاب ما وفتاة ما، لا يهم أي شاب ولا يهم أية فتاة .. فالمهم أن تكون "مِصاحب" أو "مِصاحبة"
  • يُبتذل الجمال .. فكل النساء يشبهن بعضهن البعض بشكل سخيف، وكل الرجال كذلك .. بل كل النساء يشبهن كل الرجال وكل الرجال يشبهوا كل النساء
  • يُبتذل الإنسان، فحتى حينما حاولت أن ألتمس قبسا من حقيقة رأيت ذلك الرجل الذي يلوم الشعب المصري على تكاسله واستسهاله الاعتصامات والإضرابات بحثا عن وظائف حكومية يتقاضون فيها أجورا لا يستحقونها نظير عمل لا يقومون به .. لا تتعجل عزيزي القارئ، فتظن أن قائل هذا الكلام يتصبب عرقا من جرّاء ما يكدح، فحقيقة الأمر أن علاقة هذا الرجل بالعملية الإنتاجية أنه يجلس على كرسيه طوال اليوم ليضغط على زر Enter ويقول "الأوردر" بتاع حضرتك جاهز عند "برينتر ثري"

أسير طوال اليوم تلفح وجهي برودة الجو، وتخترق روحي برودة الحداثة، أشعر وكأنني أسير على الأشواك وفوهات المدافع مصوّبة إلى وجهي .. ولم أصادفني مبتسما إلا ابتسامة وجع وسخرية

  • في طريقي إلى البيت أمر على إحدى الحدائق العامة وقد نُصب بجوارها نصبة "النشان" الشهيرة التي نشاهدها في الموالد، وأجد فتاة وأباها يتنافسان في "التنشين" على "البمب" المرشوق في السلك، فتصيب الفتاة فتقفز فرحا، ويخطيء الأب فتزداد البنت فرحا أن غلبت أباها، ويفرح الأب الذي يبدو أن أقصى ما يمكن أن يوفره من مُتع لابنته الصغيرة هي متعة أن تغلبه في لعبة "النشان". وتقف السيدة صاحبة النصبة تحيي الفتاة المنتصرة على مهارتها لعلّها تغريها بالضغط على أباها لتلعب "دور تاني"
  • أركب المترو المزدحم، فأعيد اكتشاف أن الجسد البشري قادر على التمدد والانكماش حسب الحاجة
  • أصل لمحطة مترو المطرية فيستقبلني نداء باعة الفاكهة "بـتلاتة ونص ويالا علشان نروح"، وأرى ذلك البائع الذي رافقنا في الميدان في الأيام الأولى للثورة
  • في طريقي القصير من المحطة إلى البيت أراجع أن "تاني محل عصير قصب بعد المحطة هو اللي جامد، الأولاني تعبان" .. دائما ما كنت أخلط بينهما
  • أواصل السير فأمر على بعض الشوارع الجانبية وأذكر أن هنا بالتحديد كانت ملاعب الصبا، حيث كانت الكرة "زلطة" وكانت باب الدكّان المغلق هو المرمى .. صحيح أن السيارات المتناثرة على طرفي الشارع قد التهمت منه الكثير لكن تظل الذكرى محلّقة في الجو، ومنطبعة في الظفر المكسور من إصبع القدم.
  • قبل أن أقترب من البيت أذكر ذلك الرجل السلفي، الذي أصيب بإعاقة في الثورة، ولم يسمع به أحد. وكان يقول عن نفسه أنه لا يفهم في السياسة .. حدثتكم قبل ذلك عنه وعن آخرين من حكايات مصر العشة هنا


ثم أصل للبيت وأنا أعلم أن في الوجود متسعا للحقيقة، وأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة



باسم زكريا السمرجي

8/2/2012

الثلاثاء، ٢٧ ديسمبر ٢٠١١

رسالة إلى حملات التوعية .. من "مصر العشة"

علّمني أخي سيف أبو زيد أن الحكايات هي أقصر الطرق لتوصيل المعاني، واستدعت تلك المعلومة من ذاكرتي حكاية من حكايات أطفال عزبة "أبو قرن" الذين كنت تحدثت عن إحدى حكاياتهم في تدوينة سابقة، والحكاية أهديها لللأعزاء من أبناء الطبقة الوسطى العليا، المتعلمين، المثقفين الذين يشعرون بمسؤوليتهم المجتمعية تجاه من هم دونهم في السلم الاجتماعي فيتجهون إلى توعيتهم

وفي حقيقة الأمر فإن مفهوم "التوعية" من المفاهيم التي تصيبني بالتوجس وتحتاج لمراجعة، فأنا أفهم التوعية في الإطار الفني التقني، كأن يعلّمني أحد الناس كيفية استخدام جهاز إلكتروني جديد، أو أن يقوم أحد الناس بتوعية الناس "بإجراءات" الانتخابات مثلا أما غير ذلك من التوعية الاجتماعية فلا يكون إلا توجيها، بغية تنميط الناس وتحويلهم إلى صورة واحدة ونمط واحد من البشر. وأذكر في هذا الإطار حديثا دار بيني وبين أحد الزملاء من الحزب الشيوعي المصري وكان يسخر من أحد زملائه في العمل ويبدو أنه كان أدنى منزلة منه وأقل تعليما حيث سأله "هو انت شموعي من بتوع مرقص؟" ويقصد "هو انت شيوعي من بتوع ماركس؟" وكان ردّي البسيط عليه أن العامل في المصنع لا يمكن أن يُقاس وعيه بمدى معرفته بماركس أو آدم سميث، فلماذا يحتاج أصلا لأن يعرف تلك الأسماء وتلك الأفكار؟ لماذا نقيس وعي الناس بمدى وعيهم بمعاركنا نحن؟!

أعتذر عن الإطالة في المقدمة، وإليكم القصة

كنا قد انتهينا من تجديد المدرسة الموجودة بالعزبة، وكان موعدنا مع يوم ترفيهي للأطفال. كانت إحدى فعاليات اليوم مسابقة بين الأطفال بالصلصال، حيث فرّقناهم إلى فرق، كل فريق مكون من حوالي خمسة أطفال، ويشرف على كل فريق واحد منّا. وكان الفائز بالمسابقة هو الفريق الذي ينجح في عمل نموذج بالصلصال للمدرسة في أقل وقت ممكن، وكنا نؤمّل أن نربطهم بالمدرسة وأن نعوّدهم على أن يعملوا سويا في فريق. بدأت المسابقة بأن وضعت قطعة الصلصال الكبيرة على الطاولة فتسارعت إليها الأيدي وتصارعت حتى ظفرت كل منها بما قدرت عليه، فكان من الطبيعي أن تعود يدا أحد الأطفال خالية فكان لابد لي من التدخل، في الحقيقة كان ما دار بذهني أن آخذ من أكثرهم نصيبا وأعطي ذلك الطفل. ولكني قررت أن أتدخل بشكل مختلف. أخبرتهم أننا لنفوز، لابد أن نشترك جميعا في اللعب. وأنتم لديكم مشكلة أن زميلكم لن يتمكن من المشاركة في اللعب فما العمل؟ ففكروا قليلا ثم قال أحدهم: "فليعطه كل واحد منّا قطعة صغيرة" وقد كان، وهو حل كما ترون أكثر ذكاء بكثير مما كنت أتصور، فبذلك سيتشارك الجميع فيه بمبادرة منهم ويتساوى نصيب الجميع في الحل دون أن يتوهم أحدهم أني اعتديت عليه أو أنه أكثر تضحية من غيره. لم تنتهِ القصة بعد. فلقد أبوا حين سألتهم أن يقوموا جميعا بالتشارك في بناء المدرسة، ولم يرضَ بذلك إلا اثنان منهم أما الآخرون فصاح أحدهم أنه يفضل أن يبني المقهى – الذي ربما يعمل فيه قهوجيا مع أخيه الأكبر بعد أن ينتهي من الدراسة – وصاح آخر أنه يفضل بناء نموذج لبائع الفطير، بينما صاح الثالث أن يفضل بناء منزله. فأجبت كل واحد إلى طلبه وأخبرتهم ألسنا بذلك نكون تشاركنا جميعا في بناء العزبة؟ فأجابوا بالموافقة وانطلقوا جميعا، وكان من ينتهي منهم يساعد زميله في إنجاز ما يعمل، حتى إذا انتهوا جميعا والتقطنا الصور (التي لسوء الحظ لا أعرف لها طريقا L) انطلقوا جميعا في هدم ما بنوا بمرح J

هذه القصة أيضا موجّهة لمن يبكون تشتت الجهود وينادون بالتنسيق وتوحيد الجهود وجمع كل المصريين تحت راية واحدة وتنظيم تحركاتهم بغية رفع كفاءات تلك الحركة، وهي دعاوى – رغم ثقتي في نوايا كثير من مطلقيها – إلا أنها تكريس للمركزية التي تسلب الحرية وتضيّق مساحات العمل، والأولى هو إطلاق يد الناس في العمل، حتى ولو تشتت الجهود ففي حقيقة الأمر المعارك في بلدنا أكثر من أن تحصى، وأكبر من أن تحتويها حركة واحدة، أو مجموعة واحدة، أو تيار واحد. دعوا الأزهار تتفتح، دعوا الناس لمعاركهم حتى وإن صغرت في أعينكم، فليس من حق أحد أن يحكم على معارك الناس. الناس تختار معاركها، ولا تُختار لها. واللامركزية هي الضامن الحقيقى للحرية التي تضمن بعد ذلك نضوج العمل وتطوره تطورا طبيعيا مما يضمن له الاستدامة. فالصورة الكبيرة لمصر لا تتشكل إلا إن تركنا الأزهار الصغيرة تتفتح وتفوح وتملأ الجو عبيرا




باسم زكريا السمرجي
27/12/2011

الجمعة، ٢٣ ديسمبر ٢٠١١

صور من مصر العشة

بفخر أقول، أنني من أبناء حي المطرية الشعبي، بفخر أقولها أنا من أبناء "مصر العشّة" ويزيد فخري بذلك ما أتاحه لي نشاطي في المجتمع المدني النظامي من التعرف على بعض ملامح "مصر القصر".

فخور بأني أحيا وسط الأغنياء، سكان "مصر العشة". نعم هم الأغنياء .. أليس الغني من استغنى؟ أليس من لم يمتلك الشيء أقرب للاستغناء عنه ممن امتلك الشيء حتى امتلكه الشيء؟! أليس الغني هو من يستطيع أن يقسم لقمته الوحيدة مع جاره دون أن ينتظر منه رد؟ أوليس من يتعمّد أن تكون العلامة التجارية لملابسه في مكان ظاهر منها فقير لتلك العلامة؟ أوليس من يُظهر هاتفه المحمول غالي الثمن هو الفقير إليه الذي لا تكتمل قيمته إلا به؟ لذلك أقول أن سكان مصر العشة المكتفين من الحياة بالقليل هم الأغنياء حقا

سكان مصر العشة – بعكس سكان مصر القصر – لا يعرفون الكلام عن المعاني ولا يصنعون خطبا رنانة حولها، بل إنهم يحيونها، يحيون المعاني، ولقد تبيّن لي ذلك بشدة في الثورة وبخاصة أثناء معارك محمد محمود، فلقد كان أبناء مصر العشة يصنعون الواقع في الصفوف الأولى ويجبرون المجلس العسكري على إعلان تاريخ محدد لانتخابات الرئاسة، بينما سكان مصر القصر يجتمعون ليناقشوا سبل الخروج من "الأزمة"!

يشفق بعض سكان القصر الطيبون على سكان العشة البسطاء الجهلاء ويودّون أن يمدوا لهم يد العون ليكونوا مثلهم، وفي هذه التدوينة أود أن أسوق بعضا من صور مصر العشة، لعلها تصل إلى بعض سكان مصر القصر فيعلمون أنهم هم الأولى بالشفقة لا غيرهم. ويتعامل بعض الباحثين مع هؤلاء البسطاء على أنهم فئران تجارب أو كتلة صماء تتحرك وفقا لتوجيهات "الحكماء" سكان مصر القصر، فإليه أسوق تلك الصور ليعلم أن لدية الكثير ليتعلمه


في الثورة

نزلت للشارع يوم 28 يناير إلى ميدان الجيزة ولم أظن أبدا أن ميدان المطرية ستندلع فيه المظاهرات، وعدت لأجد الحي بأكمله تفوح منه رائحة الحرية المسيلة للدموع وعلمت بعد ذلك أن معركة ميدان المطرية كانت من أهم معارك الثورة وحي المطرية كان من أكثر الأحياء الذي قدّم الشهداء. وبحسب رواية شاهد عيان، فما أجج المعركة إصابة سيدة كانت تحمل طفلتها أصابها الأمن برصاص الغدر - وكل رصاصهم غدر - فسقطت، تزامن ذلك مع وصول مسيرات تعزيز للميدان من الشوارع المؤدية إليه. وانتهت المعركة باحتجاز قوات الأمن في مسجد في الميدان – ظلوا يطلقون منه نيرانهم ويبادلهم الناس بالطوب – واقتحام قسم المطرية وتهريب العساكر الذين سلموا أنفسهم للثوار. الذين كانوا وهم يقتحمون قسم المطرية يقتحمون رمز القمع والرشوة والفساد وحامي حمى البلطجة في المنطقة.

استمعت لتلك الحكاية من شاهد العيان أيام اللجان الشعبية، التي استحالت بعد يومين إلى جلسات سمر ودورات لكرة القدم والطاولة والشطرنج. وكان أحد المُحرَرَين من حجز قسم المطرية يقوم باستخدام دراجته البخارية هو وزميل له بتفقد محيطنا السكني من آن لآخر للكشف عن أي هجمة للبلطجية.

كنا نذهب لميدان التحرير صباحا، ونعود نقضي الليل ساهرين أمام البيوت نقتسم الطعام متحفزين بأسلحتنا التي لم نُضطر لاستخدامها

محمود ضاحي

محمود ضاحي هو طفل ربما عمره الآن أربعة عشر عاما. كان تلميذا في مدرسة في عزبة "أبو قرن"، تلك المنطقة التي تعاني من الفقر المدقع حتى أن أهلها يعيشون في بيوت دون أسقف وتفصل بين بيوتهم ترع الصرف الصحي، كنا ونحن طلاب في كلية الهندسة بجامعة عين شمس نعمل من خلال نشاط طلابي اسمه "علشانك يا بلدي" على تنمية تلك المنطقة من خلال عدة برامج للتنمية، وكنت أشارك في برنامج فصول التقوية، حيث نعمل على مساعدة تلاميذ الصف الثالث الابتدائي في دراستهم.

محمود ضاحي كان الفتوة بين أقرانه، وكنا نقيم لهم احتفالا في آخر العام الدراسي ونحضر لهم من المأكولات والمشروبات ما لم يسمعوا بها بهدف الاحتفال والترويح عنهم. احتفظ محمود ضاحي بنصيبه، بعد أن انقض أقرانه كلٌّ على نصيبه فأفناه. لم يذق محمود من نصيبه شيئا وظل محتفظا به حتى خرج من المدرسة مدافعا عنه ضد هجمات أقرانه الذين كانوا قد انتهوا من أنصبتهم ويتطلعون للمزيد، علمت بعد ذلك أن محمود كان يحتفظ بنصيبه حتى يذهب به لأمه وإخوته، يُطعمهم مما طعم ويسقيهم مما شرب ... أتخشون خروج محمود ضاحي للشارع، وتسمونه بلطجيا أو ثائرا في ثورة جياع؟ هل الجائع هو من يؤثر مشاركة أهله الطعام على الاستئثار به لنفسه؟ أم أن الجائع هو من لم يكترث على رقاب من يدوس ليزيد صفرا على يمين رصيده البنكي ذو الأصفار الستة والسبعة

ولا أترك محمود ضاحي وأهله إلا بعد أن أذكر لكم أننا حينما كنا نتجول في العزبة كان أهالي تلك البيوت التي لا أسقف لها دائما ما يدعوننا بكرم بالغ للشراب أو الطعام الذي ربما يكون آخر قوت في البيت

هذا هو محمود ضاحي وهؤلاء هم أهله

بعض تلاميذ عزبة أبو قرن

سلفي لا يفهم في السياسة

قبيل الانتخابات البرلمانية، وبالأخص يوم السابع عشر من نوفمبر للعام 2011 اجتمعت مع بعض أهالي المنطقة لنتناقش في أمور الانتخابات، كان المكان هو جمعية خيرية ذات مزاج سلفي وكذلك كان الحضور. بدأ أحد الحضور كلامه – وهو سلفي ذو لحية كثة، يعمل تاجرا، وأصيب بخرطوش في يده اليسري يوم 28 يناير أدت إلى تشوه دائم في أصابعه ولكنه لم يملأ الدنيا عويلا – بدأ كلامه بـ "أنا ماليش ف السياسة ولا بافهم فيها"

وكان من ضمن ما قال موجّها خطابه لمرشحي السلفيين والإخوان: "المفترض أن يخاطب المرشحون المصريين جميعا، فهم سيكونون نواب الشعب المصري بجميع طوائفه، ولكنني أشعر من خطاب الإخوان والسلفيين – وبالذات السلفيين – أنهم يظنون أنهم سيأتون نوابا للمسلمين فقط بل وللملتزمين دينيا من المسلمين" .... يبدو فعلا أنه لا يفهم في السياسة

ثم حكى عن مشكلة حدثت مع جيرانه المسيحيين في أعقاب أحداث ماسبيرو، حيث يحكي أن بعض النساء تجلس أمام البيوت في محيط متجره، يتبادلن الأحاديث المعتادة التي لا تخلو من الضحك, وبينما كنّ يتضاحكن إذا مر بهنّ نسوة مسيحيات جيران لهنّ وكنّ لتوهنّ عائدات من تشييع جثامين الضحايا فاندلعت معركة كلامية بين الفريقين انتهت بأن ذهب الجميع إلى بيته. أتى صاحبنا السلفي بالنسوة المسلمات وذهب إلى جاره المسيحي بهن يقول له أننا موجودون معا كنا، ليس لنا إلا بعض. إن اعتدى أحد على الشارع سأحميك وأحمي أهلك وستحميني وتحمي أهلي، فوافقه الرجل على الفور وتصالحوا جميعا ... ألم أقل لكم أنه لا يفهم في السياسة!


رسالة لأمي

بينما نتناول طعام الغداء منذ أسبوع أو يزيد قليلا إذ برسالة تستقبلها أمي على هاتفها المحمول من إحدى صديقاتها التي تشترك معها في حفظ القرآن وبعض الأعمال المجتمعية، كانت الرسالة تقول "بتحلمي بإيه لمصر؟" ضحكنا من الرسالة واستخففنا بها. وكلّمتها أمي فيما بعد لتعلم أن تلك السيدة مع مجموعة أخرى من النساء تقوم بجمع أحلام المصريين ليسلموها للإخوان لأن الإخوان ربحوا في الانتخابات وسيحكمون البلد ... "يورونا بقى هيعملوا ايه" هكذا قالت السيدة البسيطة، ربة المنزل، لأمي

صورة لبعض سيدات المطرية يدلين بأصواتهم في الاستفتاء

الصورة الأخيرة

تعمل أمي موجهة بالتربية والتعليم، وفي يوم وجدتها تحكي لنا حكاية عن مدرسة إعدادية في منطقة فقيرة جدا من مناطق المطرية. قام ناظر تلك المدرسة بالتعاون مع بعض الطلبة والإخصائيين الاجتماعيين برعاية الطلبة الأيتام في المدرسة. والتعامل مع أسرهم وبحث سبل مساعدتهم، وإذ بهم يواجهون مشكلة أخرى وهي أنهم علموا أن بعض التلاميذ يتعرضون لحالات قطع طريق من بعض الأطفال المعروفين بالاسم، وحينما بحثوا وراء هؤلاء الأطفال قطاع الطرق وجدوهم ينتمون لأسر مزدحمة بالأبناء ووجدوا آباءهم إما عاطلين عن العمل أو يعملون في أعمال لا تكفيهم، فماذا فعل هذا الفريق؟ تواصلوا مع كبار القوم في تلك المنطقة من أصحاب الأعمال وحثّوهم على توفير فرص العمل لهؤلاء الأباء، وفعلا تم التشبيك وتضاءلت ظاهرة الأطفال قطاع الطرق

كانت تلك صورا بسيطة وموجزة، فلم أحكِ عن المسيرة التي خرجت من المدرسة الثانوي أيام معارك نوفمبر تهتف يسقط يسقط حكم العسكر، ولم أحكِ عن الشباب الذين كرّموا شهداء المطرية في مؤتمر شعبي، أو عن المبادرة التي قاموا بها للتعريف بمرشحي مجلس الشعب باستخدام شبكات وصلات الدش، المبادرة التي تطورت فيما بعد لتكون إعلاما محليا

لكل تلك الصور وغيرها فخور بانتمائي لهؤلاء الأحرار، المتحررون من ربق الإذعان لمظاهر اجتماعية زائفة، يتحركون ببساطة أفقيا ورأسيا، هؤلاء الأحرار ... سكان مصر العشة



باسم زكريا السمرجي
23/12/2011

الأحد، ٦ نوفمبر ٢٠١١

العيد بهجة :)

يأتي هذا العيد في خضم أجواء تبعث على الحزن والأسى. وربما الموجة الغالبة هذا العام خاصة بين المنشغلين بالشأن العام هي التفنن في المجاهرة بالحزن والأسى وعدم القدرة على الفرح، صيانة لدماء الشهداء أو إظهارا للتعاطف مع ثورة يقولون أنها سُرقت, ولكني بصراحة – وعلى عكس ما يبدو أنه الشعور الواجب أو الأقرب للإنسانية – أشعر بالبهجة، وسأكون صريحا أكثر مع نفسي وأقول أنني لم أحزن يوما على الشهداء وهل مثل من قُتل في سبيل الحق والحرية والعدل يُحزن عليه؟! وهل منّا من لا يرتجي لنفسه مثل تلك القتلة؟! وحقيقة الأمر أنني لا أعرف معنى لهتاف "يا نجيب حقهم يا نموت زيّهم" فلا أرى مانعا من أن "نجيب حقهم" و "نموت زيّهم". بل سأكون صريحا أكثر وأقول أن الثورة نفسها لا تمثل لي أكثر من ذكرى طيبة، والذكرى لا تنشأ إلا من تفاعل بين الزمان والمكان والإنسان، والزمان رغم أنه كهل عجوز إلا أنه لا يعرف السكون فهو يدور ويترك آثار أقدامه الثقيلة على المكان والإنسان فلا يتركهما كما كانا. وهذه الحركة رغم أنها تبدو قاسية تدهس كل شيء تحت عجلاتها إلا أنها تحفظ لي الذكريات لأنها لا تعرف الحركة للوراء إنما دائمة الحركة للأمام تحملنا إلى المستقبل نُغير فيه ويُغير فينا وتُبقي الماضي على حاله دون إفساد أو تغيير، وهذه هي الحياة .. ديناميكية مستمرّة، حلقات تسلّم بعضها بعضا عن طريق التفاعل بين الزمان والمكان والإنسان. أما الذين يظنون أن الحياة هي مجموعة من الصور الاستاتيكية التي تصطفّ بجوار بعضها ويرفضون الحركة يظلمون أنفسهم بالتأيقن حول بعض تلك الصور فيتخلّون عن خصوصيتهم الإنسانية التي تُمكّنهم من الانتقال متعدد المستويات بين الماضي والحاضر والمستقبل، فيفقدون قدرتهم على إدارة حياتهم، وتنسحق أرواحهم تحت عجلات الحركة المسرعة من حولهم.

بدأ العيد في الدخول علي منذ أمس، وأمس كان يوم عرفة. استيقظت صباحا ولم أفارق الفراش بعد حيث سبق إليّ الشوقُ أصواتَ التلبية الصادرة من جهاز التليفزيون القريب من غرفتي، شوق لأن أكون معهم، شوق لأن أكون واحدا غير منظور من الملايين الذين أعلنوا لله تجرّدهم حتى ولو لم يكن لهم من التجرد حظ سوى الحظ الظاهري، شوق لأن أضع قدمي موضع قدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا بل شوق لأن ألثم موضع قدمه الشريف صلى الله عليه وسلم، شوق للرحيل إلى الله، للذهاب، للترقي الجسدي والنفسي والروحي. ثم شاهدت بعضا من المشاهد التي تبثها شاشات التليفزيون وكان ما في المشهد من عظمة يجبرك على تجاوز شكر المذيعين لآل سعود وكأنك لم تسمعه، وكان من خضم ذلك الحشد تشرق شمس المعنى، معانٍ كثيرة لا يتسع المقام لها، ولكن كان أول معنى أتى لي هو أن تلك الأمة العالمية التي جمع الله فيها الناس من كل جنس ولون في مكان واحد، وزمان واحد، في لباس واحد، يرددون دعاء واحدا، هي أمة فيها الخير. وأنه رغم ما أحاط بشعائر الحج من استغلال رأسمالي إلا أن الحد الأدنى الذي لا يقوم الحج إلا به إن أداه المسلم فقد التزم بحد أدنى من التواضع الإنساني الذي يكفل لهذه الأمة وحدتها وترابطها.

واليوم صباحا ذهبت لأداء صلاة العيد في الساحة التي أؤدي فيها مع أسرتي الصلاة كل عيد، ذهبت وإذ بي حين أشاهد الحشود في الساحة أرى نفس المعنى متجسدا أمامي كما كان متجسدا في مشهد الوقوف بعرفة على نطاق أصغر. انتهت الصلاة وبدأت الخطبة، ولم أكن أتوقع من الخطيب أكثر من أحكام الذبح أو فضائل العيد، غير أن الخطيب فاجأني بأن بدأ الخطبة بالحديث عن وجوب تطبيق شرع الله وظننت أنها خطبة انتخابية وسيوصي بانتخاب الإخوان والسلفيين غير أني رأيته يذكر سوريا ويدعو على بشار الأسد، ليس هذا فحسب بل إنه ذكر الاستبداد في السعودية، وذكر الاستبداد في إيران، واستشهد بعبد الرحمن الكواكبي، بل واستشهد بالشيخ كشك ورسالته للقذافي حيث حذره الشيخ في خطبة شهيرة من الظلم. ليس ذلك فحسب بل إن الخطيب ذكر مبارك، وقال ما نصّه: " إن القذافي كان يقتل الأحرار فقُتل شر قتلة،بن علي كان يطرد الاحرار فطُرد شر طردة، مبارك كان يسجن الاحرار فسُجن.والبشرى لبشار" ثم وجّه خطابه للتيارات الإسلامية المقبلة على الانتخابات ونبههم لوجوب التوحّد تحت راية واحدة، وأن يختاروا مرشحين هم الأصلح والأشجع والأكفأ والأقوى والأكثر أمانة، ويختم خطبته بأن أساس الدين الإسلامي العفو والرحمة والتسامح، وأن علاقة المسلم بغير المسلم قائمة بالأساس على السلم والأخوة الإنسانية، ونحن نحب البشر جميعا ونحب الخير للبشر جميعا ونحب أن يكونوا مسلمين أو على الأقل يكونوا صالحين في دنياهم حتى وإن اختلفوا في المعتقد. الشيخ اسمه محمد عبد رب النبي، من علماء الجمعية الشرعية.

كانت الخطبة مفاجئة بالنسبة لي، فاقت توقعاتي، وأدخلت السرور إلى نفسي. وفي الصلاة وُزعت علينا بعض أوراق الدعاية الانتخابية لحزب الحرية والعدالة وحزب الوفد أيضا، ولا أدري ربما في أماكن أخرى من الساحة تم توزيع أوراق لأحزاب أخرى، كما تم توزيع كتيبات صغيرة عن رؤية الجمعية الشرعية عن العمل الإسلامي المشترك والسياسة الحزبية، وأول ما وقعت عيناي عليه في هذا الكتيب هو كلام معناه أن لقيام الدولة الإسلامية لابد من توافر شرطين، الشرط الأول قيام الحكومة الإسلامية أو القانون الإسلامي حتى لا نجد قانونا يحرّم ما أحل الله أو يحلّ ما حرّم الله، والشرط الثاني هو قيام المجتمع الإسلامي لأن وجود قانون إسلامي بدون مجتمع إسلامي سينتج أفرادا يلتفون على القانون ولا يعبأون بتطبيقه ... وهو كلام أدخل البهجة على نفسي أيضا

في طريق العودة إلى المنزل شاهدت بعض مظاهر العيد المعتادة في حيّنا الشعبي، حيث تقف في "حوش" كل بيت أضحية يلهو معها الأطفال استعدادا لمشاهدتها تُذبح فيبدؤون بممارسة طقوسهم بعد الذبح من اللهو في الدماء وطباعة الكفوف على جدار المنزل. أثار هذا المشهد في نفسي بعضا من مزايا العيش في حي شعبي التي تتجلّى أكثر ما تتجلّى في المناسبات، وحينما أتحدث عن المناسبات فأنا أتحدث عن رمضان والعيدين، لا أتحدث عن "الهالوين" و"الفالانتاين". تذكرت البهجة التي طارت بنفسي والنشوة التي ملأت روحي وأنا أدخل الحي في أولى ليالي رمضان لأشاهد الزينة والأنوار تتدلّى من الشرفات وفي شوارعنا الضيقة، وكيف أن أطفال الحي يطرقون الأبواب بابا بابا ليجمّعوا الأموال اللازمة للأنوار والزينة (التي قد تتضمّن فانوسا كبيرا) التي يتم تعليقها في الشوارع، فزينة الشوارع يتشارك فيها الجميع بينما تُترك زينة الشرفات للإبداع الفردي، وأذكر هنا أحد جيراننا كانت دائما ما تتزيّن شرفته بألوان وأشكال عجيبة من الأنوار، وكنا دائما ما نسأل أنفسنا من أين أتى بتلك الأنوار المبهجة، ولكننا حين علمنا أنه يعمل كهربائيا زال العجب .. في عيد الفطر، أو قبيل عيد الفطر بقليل تجد صاجات الكحك تحملها رؤوس النساء أو أيادي الرجال في رحلاتها المكوكية من وإلى الفرن، ثم تجد يوم العيد الأطفال وقد ارتدوا ملابسهم الجديدة المُلوّنة وانطلقوا للشوارع، تلمع في أياديهم نقود العيدية الجديدة، وفي عيونهم بهجة لا تنقطع .. في عيد الأضحى، أو قبيله بقليل أيضا تجد في حوش كل بيت أو على سطوحه حيوانا، يصادقه الأطفال ويلعبون معه، وربما يُطلقون عليه اسما أيضا حتى إذا ما أتى العيد شاهدوه يُذبح واستمروا في اللهو بدمائه، وعلى ما يبدو في هذا المشهد من قسوة إلا أنني أجد فيه تسليما لله يُربى عليه الطفل صغيرا دون أن يدري، فليس كل ما نسنتحسنه حسن وليس كل ما نستقبحه قبيح.

أشياء كثيرة تبعث على البهجة في العيش في حي شعبي، فأنت تمشي في الشارع تعرف الجميع والجميع يعرفك، مقامات الناس محفوظة، وليس معيار التمايز هو القدرة المادية أو المؤهل العلمي كما في بعض المجتمعات بل إن معيار التمايز هو "الاحترام" فشيخ المسجد له الإجلال والتقدير، ثم الأمثل فالأمثل، ونستطيع أن نفهم هذا المعيار في ضوء المثل الشعبي الذي تحول إلى عقيدة وهو "اللي عنده دم أحسن من اللي عنده عمارة"

أصل إلى البيت لنبدأ في جولات العيديات، وهي جولات بالمعنى الحرفي للكلمة، فكل من له وظيفة يعطي عيدية لكل من في البيت، في دورة يبدأها أبي، ثم أنا، ثم أختي، حتى أني لا أعرف حسابا نهائيا للصادر والوارد، وهو أمر مُبهج أيضا

ننتهي من جولة العيديات ثم تهم أمي بالنوم (نسيت أن أقول أن أمي مُستثناة من جولة العيديات المالية) فأمنعها من النوم مطالبا بحقنا الشرعي في الفتة، وأدعو إخوتي بإيعاز من أبي – الذي يُفضل أن يلعب دور الأيادي الخارجية في هذا الأمر – ونقوم باعتصامنا على السرير لنمنعها من النوم وتقوم لتحضر لنا الفتة طعام الإفطار. وهذا السيناريو يحدث تقريبا كل عام بنفس الترتيب.

كثير من الكلام كنت أود أن أقوله عن بهجة العيد لكن حضرت الفتة وهي لي كالفجر لشهرزاد.

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وكل عام وأنتم بخير



باسم زكريا
6/11/2011

الثلاثاء، ١١ أكتوبر ٢٠١١

ملاحظات على هامش جريمة ماسبيرو

قبل أن أبدأ أود أن أؤكد على أمر هام. وهو أن الجنة والنار في علم الله، وإن كان كشف الله لأحد عن مصائر العباد .. هذا إلى الجنة وهذا إلى النار فهذا الأحد ليس أنا، ولن أشغل نفسي بما هو خارج نطاق قدرتي وإدراكي، ولكن هذا لا يمنعني من اعتبار الذين دُهسوا وقتلوا يوم الأحد الماضي في ماسبيرو شهداء، مثل "الشباب الجميل اللي نزل يوم 25" هم شهداء، مثل الذين صرخوا في وجه سلطة القمع المتمثلة في قسم الشرطة هم شهداء لا يهم إن كانوا يرتدون "بولو شيرت" أو "فانلة حمّالات مقطّعة". قُتلوا دفاعا عن حقوقهم، قُتلوا وهم يستردّون حريّتهم، قُتلوا وهم عُزّل من سلطة تمتلك من القوة والعتاد ما يفوق ما يملكون. هم شهداء، والله أعلم بهم

****************************************************************************************************************************************

لا يمكن – إن أردنا فهم ما حدث – أن نتوقف عنده دون ربطه بسياقه المجتمعي، فما حدث له دوافع وآثار مباشرة وغير مباشرة على المدى القريب والبعيد.

إن نظرنا إلى المدى القريب أو السبب المباشر لما حدث فسنجد الآتي :

  • أن الأمر ليس حادثا ولا فتنة ولا أزمة، الأمر جريمة يتحمّل الجزء الأكبر منها الجيش، فالقاعدة البديهية تقول أن المحاسبة تكون على قدر المسؤولية والمسؤولية على قدر القدرة، وبم أن الجيش هو الطرف الأقدر فإذن هو الطرف الذي يتحمّل الجزء الأكبر من المسؤولية عن الجريمة، وبالنظر للطبيعة الهيكلية للجيش وأسلوب اتخاذ القرار في إطاره فلا يُتصور أن يأخذ مجند قرار دهس المدنيين بمدرعته (حتى لو بدؤوه بالهجوم) أو رميهم بالرصاص الحي دون الرجوع لرؤسائه الكبار، فلابد أن يُحاسب الجميع.
  • أن من أخطر ما يُمكن فعله أن يُصور الحادث على أنه حادث طائفي – حتى وإن كان له دوافع طائفية – ففي ذلك تكرّيس للطائفية وإغراق للمجتمع فيها. فالذي دهس المتظاهرين "المصريين" لم يكن جيشا إسلاميا، بل جيشا مصريا "وطنيا". والذين استُشهدوا هم شهداء مصريون لا يهمني أن أعرف تصنيفا لهم غير ذلك.

أما إن نظرنا إلى المدى البعيد وحاولنا ربط الحادث بالسياق فربما ينكشف لنا الآتي:

  • دور الإعلام الرسمي بات واضحا جليا في دفع عجلة الثورة المضادة، فالتغطية لا يُمكن أن تتصف إلا بالمشينة، فأن يكون العنوان الأساسي هو أن المتظاهرين "الأقباط" قتلوا جنودا من الجيش المصري، وأن يُذاع تسجيلا لمجند يسب المسيحيين، وأن يناشد المذيعون الشعب المصري أن يحمي الجيش، لا يُمكن أن تكون مصادفة أو "انفعال مذيعين" بل هو أمر مُدبّر بليل. وأظن أن الضالعون في التدبير أطراف متعددة إما بالتخطيط والتدبير المباشر أو بالحمق والجهل.
  • ونحن مقبلون على انتخابات لا يعلم إلا الله ما ستخلّفه من انقسامات، أخشى أن ينزل حلبة الصراع السياسي فصيل "مسيحي" يطالب بتمثيل سياسي مسيحي أو ما شابه، فالتمثيل السياسي على أساس طائفي هو أول خطوة على منحدر سحيق يودي بمشروع الوطن المصري – ولا أقول الدولة المصرية – إلى الهاوية، فلقد علمت أن القنوات الفضائية المسيحية كانت تدعو لمظاهرات حاشدة يوم الأحد (اليوم الذي وقعت فيه الجريمة) وإن كان هذا صحيحا فهذا خطير خطير خطييييييييير، مسيحيا كان أم إسلاميا. الحشد الطائفي خطييييييير. الحقوق المهدورة هي حقوق مصرية، حقوق مصريين، يدافع عنها المصريون جميعهم في إطار الوطن. الطائفية بئر مظلم لا يجب أن نسقط فيه وإلا فقد حكمنا على أنفسنا بعدم رؤية النور مرة أخرى.

والعمل:

  • أولا: لابد من محاسبة المتورّطين المباشرين في الجريمة من أفراد الجيش محاسبة يعرف الناس نتائجها.
  • ثانيا: لابد أن يتوقّف المسلمون عن تقديم الاعتذارات أو محاولة التضامن مع "الإخوة المسيحيين" شركاء الوطن فالمسلمون والمسيحيون ليسوا شركاء يُمكن في يوم من الأيام أن ينفصل كل منهم بنصيبه، بل إن الدم واحد والروح واحدة والوطن واحد.
  • ثالثا: لابد للقانون أن يُطبّق، لابد للعدل أن تُرسى دعائمه، لابد للمخطئ أن يُحاسب، لابد لمن خالف القانون أن يُعاقب.
  • رابعا: لابد لأصوات العقل المسيحي أن تتصدّى لمحاولات بعض القيادات المسيحية التلاعب بمشاعر الشباب المسيحي المتحمّس والغيور على دينه بغية تمرير بعض المشاريع السياسية، فأنا أكرر أن إدارة السياسة على أساس طائفي أخطر ما يُمكن أن نفعله بأنفسنا مسلمين ومسيحيين.
  • خامسا: لعلماء المسلمين اجتهادات قيّمة في مسألة التعامل مع المسيحيين في مصر، لابد من إعادة تصدير تلك الاجتهادات وتناولها بالبحث والدراسة والنشر على أوسع نطاق.
  • سادسا: الإعلام الإعلام ... الإعلام الإعلام .. الإعلام الإعلام. لابد من تطهير الإعلام، ولا يجوز أن يُكتفي بشبكة الإنترنت مساحة للتعبير، فمن حديثي العشوائي مع الناس في الشارع (ومنهم من شارك في الثورة) فوجئت أن الناس ينصتون إلى أحاديث التليفزيون الرسمي وأحاديث بعض الإعلاميين على بعض القنوات الفضائية عن أن الثورة كانت مؤامرة أمريكية صهيونية ماسونية. فلابد من تطهير الإعلام الرسمي، ولابد لأحد الفاعلين القادرين أن يجعل من مبادرة تطهير الإعلام شغلا شاغلا له، وأرى أننا إن استطعنا حشد الغاضبين من أداء التليفزيون من داخله ستكون بداية جيدة جدا لطريق التطهير ذلك.



باسم زكريا
11-10-2011

السبت، ٢٤ سبتمبر ٢٠١١

عن الثورة والمجتمع ... خواطر من حي عشوائي

قديما كانت إحدى الحيل التي تستخدمها الجيوش لتخيف أعداءها كانت أن يتحرك الفرسان بخيولهم ليثيروا الغبار فيرتفع التقدير العددي للجيش في عيون العدو، ذلك التقدير الذي قد لا يكون إلا محض خيال.

وبعد مرور ثمانية أشهر على الثورة نستطيع أن ندّعي أن الغبار الثوري قد سكن الآن بم يسمح لنا أن نرى حقيقة المشهد. فقد ذهب أوان السكرة وحضر أوان الفكرة ومن التقصير أن نظل سكارى في أوان توجّب فيه حضور الفكرة.

إن أردنا تطوير الثورة أو استثمارها أو البناء عليها فلابد أن نعلم أن منبت الثورة الذي نبتت منه ومقصدها الذي يجب أن تتوجه إليه هو المجتمع المصري. وإن كان الأمر كذلك فلابد أن تبدأ فكرتنا منه "المجتمع المصري" بغية فهمه واستنطاقة بنموذجه الذي يرضاه لنفسه لا أن تبدأ من نقل نموذج مُنبتّ الصلة عن المجتمع والتمركز حوله معيارا للنجاح ومحاولة إخضاع المجتمع له. فتلك المحاولة مصيرها الفشل ولن تعود على المتصدّين لها إلا بالإحباط الذي يحوّلهم في نهاية الأمر إلى اتّهام المجتمع بالتخلف عن الحضارة بدلا من اتّهام أنفسهم بالتخلف عن المجتمع وانحراف بوصلتهم عنه.

وأجدني وأنا أحاول النظر في طبيعة السلوك الثوري المصري غير قادر على فك الارتباط بين هذا السلوك وبين فيضان النهر, النهر الذي يسري مختلطا بالدماء في عروق كل مصري نبت من طينة ذلك البلد، فالنهر يفيض في موسمه فيضانا عارما يمتزج فيه الهدير بالأهازيج بالغرق بالخصوبة بالمياه التي تغمر الأرض ثم يعود إلى سكونه، وتقصير الناس في الاستفادة من تلك المياه التي غمرت أراضيهم وتقاعسهم عن توجيهها لري أراضيهم وإنماء محاصيلهم لن يكون سببا كافيا لأن يرتد النهر إلى الفيضان في غير موعده ليجبر ذلك التقصير.

وإن كنت أتحدث عن أوان الفكرة فأنا أتحدث عن أوان ترشيد الفيضان الثوري الذي استكان وانفض زخمه ولكنه ترك المياه التي غمرت الأراضي دفقات من المجتمع اندفعت إلى شغل الحيز العام ولكنها كغمرات المياه، ساكنة في انتظار أن يحرّكها القائمون على الزراعة ترشيدا وتوجيها والقائمون على الزراعة هم النخب التي تصدّت للقيام على أمر المجتمع وإصلاحه، ولكي يحدث ذلك الترشيد لابد أن نُطوّر معرفتنا بذلك المجتمع بتنوعاته وبمنظوماته القيمية التي يرى العالم ويتفاعل معه منطلفا منها. فنهضة مجتمع ما لا تكون بأن يتابع ذلك المجتمع "المعايير العالمية" للنهضة والتقدّم فالمعايير العالمية تلك هي بالأساس معايير المتغلّب وهي خاصة به لا تُلزم غيره بل إن إلزام غيره بها هو تكريس لتغلبه، أما النهضة الحقيقية لمجتمع ما تكون باستنطاق ذلك المجتمع بخصوصيته الثقافية والحضارية كمكوّنات للهوية، الهوية التي توجّه طريق النهضة والتقدم الخاصين بذلك المجتمع.

إن الثورة كحلقة من حلقات التدافع والتنازع الأزليين بين الناس والسلطة على شغل الحيز العام، هي ثورة الناس على مؤسسات "الدولة" بغية إسقاطها واستبدالها أو تطهيرها. فمؤسسات الدولة وهي تحتكر القوة يثور الناس عليها حين يصل التدافع إلى نقطة ما قبل اختلال ميزان القوة، ويرتبط استمرار الثورة بمدى قدرة الناس على الدفع في اتجاه قلب ميزان القوة لصالحهم، ويُحكم على الثورة بالنجاح حينما تنجح في تطهير تلك المؤسسات أو إسقاطها وبناء مؤسسات بديلة، أي في بناء معادلة جديدة للقوة. وفي الحالة المصرية لم تكن الثورة على نظام مبارك ثورة على مؤسسات الدولة، فمصر في عهد مبارك كانت "لا دولة". ففكرة المؤسسية في الدولة المصرية تحتضر منذ بداية تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي التي وصف حقيقتها الأستاذ أحمد بهاء الدين حين أسماها "السداح مداح". فالسداح مداح هو عكس فكرة المؤسسية تماما التي تقوم على توحيد معايير القياس التي يُقاس عليها إنتاج الأفراد في خلال تلك المؤسسة ويُقاس عليها أيضا ترقي الأشخاص وتوزيع القوة بينهم داخل المؤسسة على معيار كفاءة ما، والمفترض أن تقترب تلك المعايير من الموضوعية وتبتعد عن الذاتية قدر الإمكان حيث أن الفكرة الأساسية في المؤسسات هي تجاوز التقلبات المزاجية للأشخاص بغية تحقيق استدامة الإنجاز المنوط بهذه المؤسسة أو تلك تحقيقه، غير أن انفتاح "السداح مداح" كان ضد ذلك كله، فمعايير قياس النجاح والترقي لم تكن إلا معيارا واحدا وهو مراكمة الثروة، وهو معيار ليس بحاجة إلى بيان فساده وتأثيره السلبي على منظومة المجتمع القيمية بأكملها، ويكفينا أن نتابع نوعية الإنتاج الفني مثلا في هذه الفترة وعلاقته بنوعية الإنتاج الفني قبلها. وهكذا فقد بدأت فكرة المؤسسات في الدولة في التهاوي منذ بداية تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي ووصل ذلك التهاوي إلى ذروته مع صعود نجم رجال الفكر الجديد في الحزب الوطني الديمقراطي وتمكّنهم من الاستئثار بمراكز القوى في "الدولة" استئثارا جعلهم على رأس المنظومة القيمية في البلاد، وكان كل ذلك يتم بالطبع برعاية ومباركة العائلة الحاكمة لمصر. والأمر لم يتوقف عند فساد المنظومة القيمية والأخلاقية لدى هؤلاء الذين استأثروا بمراكز القوى بل من البديهي أن ينسحب ذلك الفساد على كل من أراد أن يحقق نجاحا في إطار تلك المنظومة.

وحقيقة ما أنجزته الثورة في ذلك الأمر هو تفكيك تلك الكتلة الصلبة الموجودة في أعلى هرم المنظومة القيمية التي تؤول إليها المصالح والقوى. ولكن ليس هذا بكاف، فشبكات المصالح وتوازنات القوى أكثر تعقيدا من ذلك، وطول التعامل مع الفساد أدى إلى تماهي كثير من الناس معه ومع منظومته القيمية، وهؤلاء الذين تماهوا مع الفساد هم العقبة في طريق تقدّم الثورة وسيظلون كذلك حتى يتم تفكيك وإعادة بناء منظومتهم القيمية الخاصة.

ومن هذا المنطلق أتناول حالة تناقشت فيها مع أحد الأصدقاء وهو د. عمرو صلاح ودفعني لتدوينها أستاذتنا د. هبة رؤوف عزت والحالة هي حالة الأحياء الشعبية التي أسكن أحدها وهو حي "المطرية" بالقاهرة. فالحي نشأ أصلا من زحف الريف عليه، حيث يقترب جدا من القليوبية. وكان الحي قديما لا يوجد به سوى قصور الباشوات ومزراعهم، غير أن ماحدث هو زحف من الريف عليه بغية البحث عن الرزق، فتآكلت الزراعة حتى اختفت تماما وحلّت محلّها علب الكبريت الخرسانية، التي لا تشي إلا بأن من بناها يبحث فقط عن أعلى عائد مادي دون النظر لأي اعتبار آخر. وتم هجر القصور والفيلات وتم هدم بعضها واستبدال الأبراج الخرسانية بها. ولسنا في حاجة إلى أن نقول أن كل عمليات التعمير والبناء تلك (وهي في حقيقة الأمر تخريب وهدم) كانت تتم بمعزل عن القانون، القانون الذي يمثله ويقوم على تطبيقه قسم الشرطة، وتناول العلاقة بين قسم الشرطة وبين المجتمع يؤكد لنا على طبيعة مؤسسات "اللادولة" المصرية حيث نستطيع أن نرى شبكة المصالح تلك واضحة جلية في العلاقات التي كان يقيمها قسم الشرطة مع مراكز القوى في المنطقة التي تكون في الأغلب خارجة عن القانون المنوط بقسم الشرطة أن يقوم عليه، فتتحول وظيفة قسم الشرطة من تمثيل الدولة وحماية القانون إلى محاولة إيجاد مكان لنفسه داخل شبكة المصالح المجتمعية في هذه المنطقة أو تلك، ويتحول ضباط الشرطة من ممثلين للدولة قائمين على حمايتها إلى مجرد مجموعة من الأفراد لا يختلفون عن باقي أفراد المنطقة سوى في الزي، يحاولون أن (يمشّوا حالهم) بأن يوجدوا لأنفسهم مكانا في شبكة علاقات القوى في المجتمع الموجودين فيه. والتفاصيل في تجليّات ذلك المسلك كثيرة.

والتفكير التقليدي لإصلاح المناطق الشبيهة، يوجّه الفعل نحو طريقين لا ثالث لهما وهو إخلاء تلك المناطق وتسكين أهلها في تجمّعات سكنية جديدة، تجمّعات سكنية تتشابه وحداتها حد التطابق وكأننا نتعامل مع قطيع لا مع مجموعة من البشر، وهذا الطريق – إن تجاوزنا عن مسألة التنميط تلك – يغفل حقيقة مهمة جدا وهي أن هؤلاء القوم هم من صنعوا بيئتهم ولم تصنعهم البيئة فلا جدوى على الإطلاق من أن تنقلهم في بيئة أو في سياق مختلف، فالذي سيحدث هو أن هؤلاء القوم سينتقلون (هذا إن حدث) بمنظومتهم القيمية إلى المكان الجديد فلا يلبثوا إلا أن يُغيّروا بيئتهم الجديدة لتتوافق ومنظومتهم المعيارية المتجذرة في نفوسهم.

الطريق الثاني يكون بإدخال الخدمات أو تحسينها في تلك المناطق دون نقل أهل المنطقة وهو أيضا طريق يتوجّه إلى إصلاح البيئة ويتجاهل الإنسان، فلا يؤدي إلا إلى إصلاح ظاهري غير متجذّر لا ضمانة لاستدامته.

المشكل أنك إن أردت إصلاح تلك المناطق فلابد أن تُدخل إليهم مؤسسة بمعايير واضحة لقياس النجاح، غير أن هؤلاء القوم ضد المؤسسات، ولم تُفلح أي مؤسسة في الدخول بينهم بل على العكس هم يفككون المؤسسات ويُخضعونها لمعاييرهم هم (فما ينطبق على قسم الشرطة ينطبق على المدارس وباقي المؤسسات بأشكال مختلفة). الحل في أن يتبنّوا هم مؤسسة ما تخاطب بمعاييرها فطرتهم، تلك الفطرة التي لا يزالون على اتصال بها حتى مع ما بالمنظومة القيمية من فساد، فهم قوم يكرمون الضيف ويوقرّون الكبير ويعطفون على الصغير ويتعاونون فيما بينهم. لذلك فإن المؤسسة الوحيدة التي يُمكن أن يتقبلها القوم ويعتبروا بها هي مؤسسة تنبت من تلك الفطرة وتتوجه إليها. والمؤسسة التي تستطيع القيام بذلك هي مؤسسة المسجد.

مؤسسة المسجد التي تحوّلت للأسف من مؤسسة مركزية في المجتمع، إلى دكّان يُمارس فيه النشاط الروحي فقط وتنحّت تلك المؤسسة تماما عن مكانها في مركز الحيّز العام. وعن دورها في ضبطه واكتفت بكونها دكانا وتحوّل إمام المسجد من قيـّم على منظومة القيم في مجتمع المسجد إلى موظّف بساعات عمل / ورديات محددة، هو يأتي ليفتح الدكّان/المسجد. يقضي ورديّته/الصلاة ثم يغلق الدكان/المسجد وينصرف، ويكون في الغالب ذلك الشيخ ليس من سكان المنطقة، وقد يكون من سكان الريف مثلا فلا يستطيع أن يقيم كل الصلوات، فيوكل لأحد أهل المنطقة أمر إقامة الصلوات ويكتفي هو بإمامة صلاة الجمعة ويقضى بضعة شهور ثم تأتي حركة التنقلات لتنقله إلى مكان آخر وتأتي بغيره. وتوجهي الآن إلى الإسلاميين الذين ينشدون أناشيد النصر أو الشهادة وينذرون أنفسهم لمحاربة العلمانية وتطبيق الشريعة ويفدون المادة الثانية بأرواحهم ويبارزون بعضهم البعض بالتقعر بالمصطلحات، أقول لهم يا أصدقائي الأعزاء إن انسحاب مؤسسة المسجد من شغل الحيّز العام واكتفاءها بدور الدكّان يُمارس فيه النشاط الروحي هو جوهر العلمانية وحقيقتها حتى وإن لم تتسمّى بذلك، فالعبرة ليست بالمصطلح إنما العبرة بالحقيقة على الأرض.

الحل أن يعود للمسجد دوره المركزي في مثل تلك المجتمعات، وهو أمر ليس بالعسير خاصة في ظل ارتخاء القبضة الأمنية للدولة التي كان لها دور كبير في الحيلولة بين المسجد وبين ممارسة دوره الحقيقي. وبم أن الإخوان منشغلون بالانتخابات والسلفيون مشنغلون بمليونية اللحية، فالمسؤولية تقع على عاتق المجتهدين من المسلمين الذين يحملون همّ بناء المجتمع المسلم. عليهم أن يتواجدوا هم في المساجد ويعمّروها بأن يكون المسجد هو منطلق إقامة مختلف الأنشطة الطقوسية وغير الطقوسية بغية إعادة الناس للمسجد وإعادة المسجد للناس دارا للعبادة، والعلم، والتثقيف والاجتماع، والترفيه أيضا.




باسم زكريا السمرجي
24/9/2011

الأربعاء، ٢٥ مايو ٢٠١١

الثورة المصرية ... بين التغيير والتثوير

السلطة من التسلط، فالقهر في جيناتها ولا سلطة تستطيع أن تتصف بالطيبة، هي إما قاهرة لغفلة المجتمع أو مقهورة ليقظته. لذلك فإن الهدف الحقيقي من الثورة هو تثوير المجتمع وإيقاظه وليس تغيير السلطة. هذه رسالة أوجهها للمهتمين باقتفاء آثار الفساد السياسي للسلطة الموجودة – ليس فقط لمن يدعون لثورة غضب ثانية يوم الجمعة القادم – وفي تلك الرسالة بعض الكلمات تحتاج إلى ضبط سياقي في إطار أحداث ثورة 25 يناير مثل "السلطة"، "المجتمع"، "الثورة"، "التثوير"، "التغيير".

وأبدأ "بالمجتمع"، والمجتمع – عندي – ليس "الجماهير"، بل هو البناء متداخل اللبنات، متعدد الألوان أو هو المساحة التي تتكون من توافقات أفراده – كل في دائرة انتمائه الفرعية المهنية، أو الجغرافية، أو العمرية، أو الدينية أو حتى القـَبَلية – على خلفية الهوية الثقافية الجامعة. وأزمة مصر في العقود السابقة كانت بالأساس أزمة نخبة أصرّت أنها لا تنتمي إلى ألوان ذلك البناء المجتمعي فاختارت أن تبني لنفسها بناية صغيرة وانعزلت عن مساحة المجتمع إلى مساحة صراعات مفتعلة تدور فيها حول نفسها – حكومة ومعارضة – دون أن تهتم بأن تجد لتلك الصراعات مساحة في البناء المجتمعي فتلك النخبة انتخبت نفسها بالأساس ولم تــُـنتخب من المجتمع – وأعني بالانتخاب هنا التوافق – فهي بالتالي لا تستمد شرعيتها إلا من نفسها، تتساوى في ذلك الحكومة والمعارضة.

في الثورة حدث أن تحرّك ذلك البناء المجتمعي وتمددت تلك المساحة المجتمعية لتبتلع النخبة وتتبنى صراعاتها بشكل لم تعرفه مصر في تاريخها الحديث لأسباب عديدة أجد أهمها، محاولات النخبة التي بدأت منذ 2004 أن تندمج في البناء المجتمعي في رحلة كانت أهم محطاتها حركة كفاية، إضراب 6 أبريل، تكوين الحركات الشبابية وعلى رأسها حركة شباب 6 أبريل، حملة دعم ترشح البرادعي للانتخابات الرئاسية، حملة كلنا خالد سعيد. بالإضافة إلى دفعة الأمل الكبيرة التي دفعتها في النفوس الثورة التونسية، غير أن ذلك الاندماج الذي فاجأ الجميع – بين المجتمع والنخبة – لم يلبث أن انفصمت عروته بعد أن زال الخطر الآني ونـُحى مبارك عن الحكم، حيث تفلتت النخبة السياسية مرة أخرى من بين يدي المجتمع وارتدت من حالة ميدان التحرير عائدة إلى حالة سلالم نقابة الصحفيين، حيث عادت مرة أخرى لصراعاتها المفتعلة وظنّت أنها هي الثورة، وصار باقي الشعب ثورة مضادة. فالمشكلة لا تزال موجودة وهي أن النخب ليس لها شرعية التفويض أو التوافق فهي تستمد شرعيتها من نفسها ولا تدين للمجتمع بشيء.

وننتقل هنا إلى "السلطة" وما هي علاقتها "بالمجتمع".وأسأل وأقول هل حقا الناس على دين ملوكهم؟ أم كيفما تكونوا يُولّى عليكم؟! أرى أن الجمع بين القولين جائز، فالعلاقة بين المجتمع والسلطة علاقة دائرية ملتفة، يعبّر المجتمع عن نفسه فيتجلّى في السلطة فتدير السلطة شؤونه بالحكمة فتعبّر عن إرادته وتحميها فيستمر المجتمع في التعبير عن نفسه، وهكذا. ولا نستطيع أن نقول أن البداية لابد وأن تكون من المجتمع أو من السلطة، فالأمر أكثر تركيبية من ذلك، فالبداية على الإطلاق أظنها تكون من المجتمع، غير أن السلطة قد تصل إلى درجات من الفساد والإفساد تحول بين المجتمع وبين الصلاح فلابد هنا أن تكون البداية من "تغيير" السلطة ليس بهدف التغيير وفقط بل بهدف التخلية بين المجتمع وبين التعبير عن نفسه.

وينتقل بنا المقال هنا إلى "الثورة" التي أراها تمر بمرحلتين الأولى ضرورية وهي "التغيير" وأراها أنجزت أكبر أركانها، فالرئيس أصبح مخلوعا والوريث مسجونا. والثانية واجبة وهي "التثوير" وأعني بالتثوير هنا إيصال الثورة لمستحقيها وهم أفراد الشعب المصري، والتثوير الذي أعنيه هنا بالطبع ليس تثويرا لتغيير السلطة وإنما تثوير ذاتي يثور فيها المجتمع على أمراضه التي أورثها إياه نظام احتلال محلي الصنع وتغذى عليها، وهذا التثوير في رأيي يكون بأن يمارس أفراد الشعب المصري ملكيتهم لوطنهم بشكل مباشر كخطوة أولى نحو إعادة إنتاج نخبة جديدة أسميها نخبة مجتمعية تستمد شرعيتها توافقا من القاعدة الأعرض للمجتمع المصري، وتمارس تلك النخبة المجتمعية ضغطا – تدعمه شرعية مجتمعية – على النخب السياسية للدفع في اتجاه تحقيق المصلحة.

في ضوء كل ما تقدم أعلن أنني:

· لا أنكر على من تنادوا بالنزول يوم 27 مايو مطلقا ولن أشارك فيه

· أستنكر أن يُسمى ذلك اليوم بالثورة الثانية وإنما هي خطوة على طريق التغيير حالّة وواجبة لضمان استمرار مسيرة الثورة لكنها ليست ثورة مستقلة ولا هي أيضا "الثورة"

· أستنكر بشدة الالتفاف على الشرعية الشعبية والتنادي بمجلس رئاسي مدني، أو بتأجيل الانتخابات أو بتقديم وضع الدستور على الانتخابات البرلمانية

· أستنكر أن نفتح كل ملفات "الفساد"، كما أستنكر أن نتغاضى عن أي من ملفات "الإفساد". فمع شكل نظام كنظام المخلوع البائد اختلت المنظومة الأخلاقية والقيمية داخل المجتمع واضطر بعض الناس لأن يكونوا فاسدين مواكبة للظروف وهم كثير ولكنهم في النهاية يصلحون بصلاح السياق فأرى أن نهتم أكثر بملاحقة المفسدين حتى نستأصلهم وأن نتسامح مع بعض من "تورّطوا" في الفساد.

· أرى أنه بعد فشل مؤتمر الحوار الوطني ومؤتمر مصر الأول لم يعد لدينا سوى مبادرة إعادة إحياء التيار الرئيسي المصري كإطار واسع عريض – لا يملكه أحد – يمارس فيه المصريون ملكيتهم لوطنهم.



باسم زكريا السمرجي
باحث بمركز المربع للدراسات الإنسانية والاستراتيجية
25/5/2011

الأحد، ٨ مايو ٢٠١١

هوامش على متن بوادر الفتنة

هي هوامش لأن المتن الآن صراخ وصراخ مضاد، هي هوامش لأن المتن الآن تلاوم وتلاوم مضاد، هي هوامش لأن المتن الآن فلول وأجندات وثورة المضادة هي هوامش لأنها كلمة أظنها حقا في وجه سلطان رأي عام نخبوي جائر.

· إن نظام مبارك كان نظام احتلال وطني أتقن استخدام كل أدوات نظم الاحتلال التي كان من أنجعها "فرق تسد" فلقد اعتمد نظام مبارك على اقتفاء أثر الطائفية أينما وجدت بغية تذويب الدولة كأرضية تعايش وتفتيتها إلى أجزاء مُوزعة على الطوائف والفئات المجتمعية المختلفة كل حزب بما لديهم فرحون. والطائفية هنا ليست دينية فقط بين المسلمين والأقباط أو بين المسلمين وبعضهم وبين الأقباط وبعضهم بل إنها بين فئات المجتمع كله، بين سكان الأحياء الراقية وسكان العشوائيات، بين سكان العاصمة وسكان المحافظات، بين سكان المدينة وسكان "الكومباوندات"، بين العمال وأصحاب الأعمال. غير أن أشد أنواع الطائفية وأخطرها على السلم الاجتماعي الطائفية الدينية لأن ما عداها تتعلق بالمصالح الاقتصادية بالأساس بينما الطائفية الدينية هي طائفية دوجمائية تتعلق بالحق والباطل، بالهدى والضلال، بالجنة والنار.

· إن نظرنا إلى الأحداث الطائفية – التي لم تصل إلى درجة الفتنة حتى الآن – بين المسلمين والأقباط نجد أنها ناتجة بالأساس عن احتقان بين الكنيسة الرسمية وبين مجموعة من أتباع التيار السلفي الوهابي بالأساس، ولفهم أبعاد سياق هذه الأحداث جميعها يجب وضع أيدينا على طبيعة الطرفين. فالكنيسة الرسمية تتشابه مع الوهابيين في الطبيعة المركزية الهيراركية، فالسلطان الروحي والإداري لبابا الكنيسة على الأقباط هو نفس السلطان الروحي والإداري للشيخ على مجموعة الأتباع وتلك الطبيعة كانت تُسهّل مهمة أجهزة النظام في استخدام الطرفين فكانت تفتعل مشكلة للأقباط وتُنكّل بهم ولا ترفع ذلك التنكيل إلا بتدخل شخصي من البابا مع رئيس الدولة وكان ذلك يستلزم أن يُقدّم البابا بعض التنازلات السياسية من تأييد للرئيس ولوريثه وكانت آخر تلك التنازلات هو موقف البابا من الثورة. على الجانب الآخر كان يتم التنكيل بأتباع التيار الوهابي أشد تنكيل – وأشهد على أنهم كانوا أكثر الناس تعرضا للتعذيب "والمرمطة" في أمن الدولة لأنهم "ليس لهم صاحب" فلا منظمات حقوقية ولا هيئات محلية أو دولية تسأل عنهم – فيضطرون مشايخهم وبالتالي أتباعهم إلى تقديم بعض التنازلات السياسية – كان آخرها في الثورة أيضا – في مقابل عدم رفع سقف التنكيل أكثر من ذلك أو السماح لبعضهم بالظهور على شاشات التليفزيون وللبعض الآخر بإلقاء الدروس في المساجد. ومع تكرار تلك المواقف يزداد الحنق في نفوس الأقباط لشعورهم بالاضطهاد ويزداد الحقد في قلوب المسلمين لشعورهم بتمييز الأقباط.

· على قدر المسؤولية تكون المساءلة وإن أقررنا باشتراك مجموعات من التيار الوهابي مع الكنيسة الرسمية في المشكلة فلابد هنا أن أقر وبوضوح أني أتوقع من قداسة البابا أكثر مما أتوقع من تلك المجموعات المخالفة للإجماع المجتمعي بل وحتى لغالب التيارات الدينية، وأزمة السيدة كاميليا شحاتة في رأيي مثال على ذلك. فالسيدة مسيحية وأنا مقتنع بأنها على مسيحيتها لم تتزحزح عنها لكن القضية بها بُعد حقوقي إنساني قد يتذرّع به المتطرفون والقضية فعلا تسلّمها القضاء وكما ورد في برنامج العاشرة مساء بالأمس أرسلت النيابة استدعاء للسيدة كاميليا على محل إقامتها فلم تجد فيه أحد فأرسلت النيابة الاستدعاء للكاتدرائية فأعلنت الكاتدرائية عدم علمها بمكانها ثم ظهرت بعد ذلك السيدة كاميليا على قناة الحياة المسيحية المتطرفة التي تعارضها الكنيسة أصلا وتلك علامة استفهام كبيرة حتى بين بعض أصدقائي الأقباط.

· الآفة الأكبر في بعض "عقلاء الطرفين" الذين يتصورون أن حل المشكلة في إفطار الوحدة الوطنية أو حضور القداس في الكاتدرائية وما إلى ذلك من الممارسات الصورية التي تُفسد من حيث أرادت الإصلاح. إن التفاعل بين المسلمين والأقباط يجب أن يبقى في المساحة المدنية، حيث الاختلاف مشروع والحوار مطلوب والتوافق منشود أما المساحة الدينية العقدية لكل من الطرفين فهي مساحة اختلاف لا توافق فيها فالمسلم كافر بالإنجيل الذي بين يدي الأقباط حاليا حتى وإن آمن بنبوة سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، والمسيحي كافر بالقرآن حتى وإن أقر بقدر سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الإصلاحي في تاريخ البشرية، فمن العقل والحكمة أن نتجنب تلك المساحات العقدية التي يكون الخلاف فيها خلافا بين حق وباطل وأن نتفاعل في المساحات المدنية على أرضية الوطن المشترك، وللأسف هذا ما لا ينتبه إليه بعض النخب وبعض النشطاء حسنوا النية مسيئوا التصرف، فالمسلم الذي يحضر القداس في الكنيسة حين يذهب لطمأنة "الأقلية القبطية" أن "الأغلبية المسلمة" تشفق عليهم وتمد لهم يدها بالخير فمن يفعل ذلك يُكرّسو لمفهوم أهل الذمة بالتكريس لوجود ما يُسمى بالأقلية والأغلبية على أساس ديني وهو أمر مدني بحت تحسمه صناديق الانتخاب لا شئ سواه.

الحل يا سادة أن تقوم دولة القانون على البشر جميعهم، وأن تشترك باقي أطياف المسلمين والأقباط بعيدا عن المجموعات المتعصبة في التيار الوهابي وبعيدا عن السلطة المركزية للكنيسة الرسمية في مشاريع ومبادرات في المساحة المدنية على أرضية الوطن

لا أحب – في المعتاد – أن أتحدث عن أحداث جارية أو أزمات حالية لكن طفح الكيل منّي فآثرت إلا أن أقول ما يرضي ربي ويريح ضكيري في هذا الأمر وحسبي أني لا أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله



باسم زكريا
باحث في مركز المربع للدراسات الإنسانية والاستراتيجية
8/5/2011