‏إظهار الرسائل ذات التسميات الهوية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الهوية. إظهار كافة الرسائل

السبت، ٢٤ سبتمبر ٢٠١١

عن الثورة والمجتمع ... خواطر من حي عشوائي

قديما كانت إحدى الحيل التي تستخدمها الجيوش لتخيف أعداءها كانت أن يتحرك الفرسان بخيولهم ليثيروا الغبار فيرتفع التقدير العددي للجيش في عيون العدو، ذلك التقدير الذي قد لا يكون إلا محض خيال.

وبعد مرور ثمانية أشهر على الثورة نستطيع أن ندّعي أن الغبار الثوري قد سكن الآن بم يسمح لنا أن نرى حقيقة المشهد. فقد ذهب أوان السكرة وحضر أوان الفكرة ومن التقصير أن نظل سكارى في أوان توجّب فيه حضور الفكرة.

إن أردنا تطوير الثورة أو استثمارها أو البناء عليها فلابد أن نعلم أن منبت الثورة الذي نبتت منه ومقصدها الذي يجب أن تتوجه إليه هو المجتمع المصري. وإن كان الأمر كذلك فلابد أن تبدأ فكرتنا منه "المجتمع المصري" بغية فهمه واستنطاقة بنموذجه الذي يرضاه لنفسه لا أن تبدأ من نقل نموذج مُنبتّ الصلة عن المجتمع والتمركز حوله معيارا للنجاح ومحاولة إخضاع المجتمع له. فتلك المحاولة مصيرها الفشل ولن تعود على المتصدّين لها إلا بالإحباط الذي يحوّلهم في نهاية الأمر إلى اتّهام المجتمع بالتخلف عن الحضارة بدلا من اتّهام أنفسهم بالتخلف عن المجتمع وانحراف بوصلتهم عنه.

وأجدني وأنا أحاول النظر في طبيعة السلوك الثوري المصري غير قادر على فك الارتباط بين هذا السلوك وبين فيضان النهر, النهر الذي يسري مختلطا بالدماء في عروق كل مصري نبت من طينة ذلك البلد، فالنهر يفيض في موسمه فيضانا عارما يمتزج فيه الهدير بالأهازيج بالغرق بالخصوبة بالمياه التي تغمر الأرض ثم يعود إلى سكونه، وتقصير الناس في الاستفادة من تلك المياه التي غمرت أراضيهم وتقاعسهم عن توجيهها لري أراضيهم وإنماء محاصيلهم لن يكون سببا كافيا لأن يرتد النهر إلى الفيضان في غير موعده ليجبر ذلك التقصير.

وإن كنت أتحدث عن أوان الفكرة فأنا أتحدث عن أوان ترشيد الفيضان الثوري الذي استكان وانفض زخمه ولكنه ترك المياه التي غمرت الأراضي دفقات من المجتمع اندفعت إلى شغل الحيز العام ولكنها كغمرات المياه، ساكنة في انتظار أن يحرّكها القائمون على الزراعة ترشيدا وتوجيها والقائمون على الزراعة هم النخب التي تصدّت للقيام على أمر المجتمع وإصلاحه، ولكي يحدث ذلك الترشيد لابد أن نُطوّر معرفتنا بذلك المجتمع بتنوعاته وبمنظوماته القيمية التي يرى العالم ويتفاعل معه منطلفا منها. فنهضة مجتمع ما لا تكون بأن يتابع ذلك المجتمع "المعايير العالمية" للنهضة والتقدّم فالمعايير العالمية تلك هي بالأساس معايير المتغلّب وهي خاصة به لا تُلزم غيره بل إن إلزام غيره بها هو تكريس لتغلبه، أما النهضة الحقيقية لمجتمع ما تكون باستنطاق ذلك المجتمع بخصوصيته الثقافية والحضارية كمكوّنات للهوية، الهوية التي توجّه طريق النهضة والتقدم الخاصين بذلك المجتمع.

إن الثورة كحلقة من حلقات التدافع والتنازع الأزليين بين الناس والسلطة على شغل الحيز العام، هي ثورة الناس على مؤسسات "الدولة" بغية إسقاطها واستبدالها أو تطهيرها. فمؤسسات الدولة وهي تحتكر القوة يثور الناس عليها حين يصل التدافع إلى نقطة ما قبل اختلال ميزان القوة، ويرتبط استمرار الثورة بمدى قدرة الناس على الدفع في اتجاه قلب ميزان القوة لصالحهم، ويُحكم على الثورة بالنجاح حينما تنجح في تطهير تلك المؤسسات أو إسقاطها وبناء مؤسسات بديلة، أي في بناء معادلة جديدة للقوة. وفي الحالة المصرية لم تكن الثورة على نظام مبارك ثورة على مؤسسات الدولة، فمصر في عهد مبارك كانت "لا دولة". ففكرة المؤسسية في الدولة المصرية تحتضر منذ بداية تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي التي وصف حقيقتها الأستاذ أحمد بهاء الدين حين أسماها "السداح مداح". فالسداح مداح هو عكس فكرة المؤسسية تماما التي تقوم على توحيد معايير القياس التي يُقاس عليها إنتاج الأفراد في خلال تلك المؤسسة ويُقاس عليها أيضا ترقي الأشخاص وتوزيع القوة بينهم داخل المؤسسة على معيار كفاءة ما، والمفترض أن تقترب تلك المعايير من الموضوعية وتبتعد عن الذاتية قدر الإمكان حيث أن الفكرة الأساسية في المؤسسات هي تجاوز التقلبات المزاجية للأشخاص بغية تحقيق استدامة الإنجاز المنوط بهذه المؤسسة أو تلك تحقيقه، غير أن انفتاح "السداح مداح" كان ضد ذلك كله، فمعايير قياس النجاح والترقي لم تكن إلا معيارا واحدا وهو مراكمة الثروة، وهو معيار ليس بحاجة إلى بيان فساده وتأثيره السلبي على منظومة المجتمع القيمية بأكملها، ويكفينا أن نتابع نوعية الإنتاج الفني مثلا في هذه الفترة وعلاقته بنوعية الإنتاج الفني قبلها. وهكذا فقد بدأت فكرة المؤسسات في الدولة في التهاوي منذ بداية تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي ووصل ذلك التهاوي إلى ذروته مع صعود نجم رجال الفكر الجديد في الحزب الوطني الديمقراطي وتمكّنهم من الاستئثار بمراكز القوى في "الدولة" استئثارا جعلهم على رأس المنظومة القيمية في البلاد، وكان كل ذلك يتم بالطبع برعاية ومباركة العائلة الحاكمة لمصر. والأمر لم يتوقف عند فساد المنظومة القيمية والأخلاقية لدى هؤلاء الذين استأثروا بمراكز القوى بل من البديهي أن ينسحب ذلك الفساد على كل من أراد أن يحقق نجاحا في إطار تلك المنظومة.

وحقيقة ما أنجزته الثورة في ذلك الأمر هو تفكيك تلك الكتلة الصلبة الموجودة في أعلى هرم المنظومة القيمية التي تؤول إليها المصالح والقوى. ولكن ليس هذا بكاف، فشبكات المصالح وتوازنات القوى أكثر تعقيدا من ذلك، وطول التعامل مع الفساد أدى إلى تماهي كثير من الناس معه ومع منظومته القيمية، وهؤلاء الذين تماهوا مع الفساد هم العقبة في طريق تقدّم الثورة وسيظلون كذلك حتى يتم تفكيك وإعادة بناء منظومتهم القيمية الخاصة.

ومن هذا المنطلق أتناول حالة تناقشت فيها مع أحد الأصدقاء وهو د. عمرو صلاح ودفعني لتدوينها أستاذتنا د. هبة رؤوف عزت والحالة هي حالة الأحياء الشعبية التي أسكن أحدها وهو حي "المطرية" بالقاهرة. فالحي نشأ أصلا من زحف الريف عليه، حيث يقترب جدا من القليوبية. وكان الحي قديما لا يوجد به سوى قصور الباشوات ومزراعهم، غير أن ماحدث هو زحف من الريف عليه بغية البحث عن الرزق، فتآكلت الزراعة حتى اختفت تماما وحلّت محلّها علب الكبريت الخرسانية، التي لا تشي إلا بأن من بناها يبحث فقط عن أعلى عائد مادي دون النظر لأي اعتبار آخر. وتم هجر القصور والفيلات وتم هدم بعضها واستبدال الأبراج الخرسانية بها. ولسنا في حاجة إلى أن نقول أن كل عمليات التعمير والبناء تلك (وهي في حقيقة الأمر تخريب وهدم) كانت تتم بمعزل عن القانون، القانون الذي يمثله ويقوم على تطبيقه قسم الشرطة، وتناول العلاقة بين قسم الشرطة وبين المجتمع يؤكد لنا على طبيعة مؤسسات "اللادولة" المصرية حيث نستطيع أن نرى شبكة المصالح تلك واضحة جلية في العلاقات التي كان يقيمها قسم الشرطة مع مراكز القوى في المنطقة التي تكون في الأغلب خارجة عن القانون المنوط بقسم الشرطة أن يقوم عليه، فتتحول وظيفة قسم الشرطة من تمثيل الدولة وحماية القانون إلى محاولة إيجاد مكان لنفسه داخل شبكة المصالح المجتمعية في هذه المنطقة أو تلك، ويتحول ضباط الشرطة من ممثلين للدولة قائمين على حمايتها إلى مجرد مجموعة من الأفراد لا يختلفون عن باقي أفراد المنطقة سوى في الزي، يحاولون أن (يمشّوا حالهم) بأن يوجدوا لأنفسهم مكانا في شبكة علاقات القوى في المجتمع الموجودين فيه. والتفاصيل في تجليّات ذلك المسلك كثيرة.

والتفكير التقليدي لإصلاح المناطق الشبيهة، يوجّه الفعل نحو طريقين لا ثالث لهما وهو إخلاء تلك المناطق وتسكين أهلها في تجمّعات سكنية جديدة، تجمّعات سكنية تتشابه وحداتها حد التطابق وكأننا نتعامل مع قطيع لا مع مجموعة من البشر، وهذا الطريق – إن تجاوزنا عن مسألة التنميط تلك – يغفل حقيقة مهمة جدا وهي أن هؤلاء القوم هم من صنعوا بيئتهم ولم تصنعهم البيئة فلا جدوى على الإطلاق من أن تنقلهم في بيئة أو في سياق مختلف، فالذي سيحدث هو أن هؤلاء القوم سينتقلون (هذا إن حدث) بمنظومتهم القيمية إلى المكان الجديد فلا يلبثوا إلا أن يُغيّروا بيئتهم الجديدة لتتوافق ومنظومتهم المعيارية المتجذرة في نفوسهم.

الطريق الثاني يكون بإدخال الخدمات أو تحسينها في تلك المناطق دون نقل أهل المنطقة وهو أيضا طريق يتوجّه إلى إصلاح البيئة ويتجاهل الإنسان، فلا يؤدي إلا إلى إصلاح ظاهري غير متجذّر لا ضمانة لاستدامته.

المشكل أنك إن أردت إصلاح تلك المناطق فلابد أن تُدخل إليهم مؤسسة بمعايير واضحة لقياس النجاح، غير أن هؤلاء القوم ضد المؤسسات، ولم تُفلح أي مؤسسة في الدخول بينهم بل على العكس هم يفككون المؤسسات ويُخضعونها لمعاييرهم هم (فما ينطبق على قسم الشرطة ينطبق على المدارس وباقي المؤسسات بأشكال مختلفة). الحل في أن يتبنّوا هم مؤسسة ما تخاطب بمعاييرها فطرتهم، تلك الفطرة التي لا يزالون على اتصال بها حتى مع ما بالمنظومة القيمية من فساد، فهم قوم يكرمون الضيف ويوقرّون الكبير ويعطفون على الصغير ويتعاونون فيما بينهم. لذلك فإن المؤسسة الوحيدة التي يُمكن أن يتقبلها القوم ويعتبروا بها هي مؤسسة تنبت من تلك الفطرة وتتوجه إليها. والمؤسسة التي تستطيع القيام بذلك هي مؤسسة المسجد.

مؤسسة المسجد التي تحوّلت للأسف من مؤسسة مركزية في المجتمع، إلى دكّان يُمارس فيه النشاط الروحي فقط وتنحّت تلك المؤسسة تماما عن مكانها في مركز الحيّز العام. وعن دورها في ضبطه واكتفت بكونها دكانا وتحوّل إمام المسجد من قيـّم على منظومة القيم في مجتمع المسجد إلى موظّف بساعات عمل / ورديات محددة، هو يأتي ليفتح الدكّان/المسجد. يقضي ورديّته/الصلاة ثم يغلق الدكان/المسجد وينصرف، ويكون في الغالب ذلك الشيخ ليس من سكان المنطقة، وقد يكون من سكان الريف مثلا فلا يستطيع أن يقيم كل الصلوات، فيوكل لأحد أهل المنطقة أمر إقامة الصلوات ويكتفي هو بإمامة صلاة الجمعة ويقضى بضعة شهور ثم تأتي حركة التنقلات لتنقله إلى مكان آخر وتأتي بغيره. وتوجهي الآن إلى الإسلاميين الذين ينشدون أناشيد النصر أو الشهادة وينذرون أنفسهم لمحاربة العلمانية وتطبيق الشريعة ويفدون المادة الثانية بأرواحهم ويبارزون بعضهم البعض بالتقعر بالمصطلحات، أقول لهم يا أصدقائي الأعزاء إن انسحاب مؤسسة المسجد من شغل الحيّز العام واكتفاءها بدور الدكّان يُمارس فيه النشاط الروحي هو جوهر العلمانية وحقيقتها حتى وإن لم تتسمّى بذلك، فالعبرة ليست بالمصطلح إنما العبرة بالحقيقة على الأرض.

الحل أن يعود للمسجد دوره المركزي في مثل تلك المجتمعات، وهو أمر ليس بالعسير خاصة في ظل ارتخاء القبضة الأمنية للدولة التي كان لها دور كبير في الحيلولة بين المسجد وبين ممارسة دوره الحقيقي. وبم أن الإخوان منشغلون بالانتخابات والسلفيون مشنغلون بمليونية اللحية، فالمسؤولية تقع على عاتق المجتهدين من المسلمين الذين يحملون همّ بناء المجتمع المسلم. عليهم أن يتواجدوا هم في المساجد ويعمّروها بأن يكون المسجد هو منطلق إقامة مختلف الأنشطة الطقوسية وغير الطقوسية بغية إعادة الناس للمسجد وإعادة المسجد للناس دارا للعبادة، والعلم، والتثقيف والاجتماع، والترفيه أيضا.




باسم زكريا السمرجي
24/9/2011

الأحد، ٨ مايو ٢٠١١

الأنسنة قبل المواطنة

في البدء كانت كلمة، والكلمة هي الروح، والروح هي سر الله التي أودعها في الإنسان فكان الإنسان هو التجلي الأعلى لفعل الخلق. فالله خلق الإنسان من العدم وأتم خلق جوّانيته في عالم الأبد واستخلفه في الأرض على التأقيت ليعبده فيها حق عبادته بإعمارها حق عمارتها حتى يأتيه اليقين بأن تُنزع روحه من الجسد وتعود من عالم التأقيت إلى حيث تنتمي، إلى عالم الأبد. خلق الله الإنسان وكرّمه عن سائر المخلوقات بأن جعل عبادته لله حرية واختيارا لا قهرا وإجبارا. وهذا التكريم محدود بحدين، من تجاوز أي منهما فقد ارتضى بالدنية في إنسانيته، الحد الأول هو الإيمان بوجود الله مصدرا للمعيارية ومرجعية مطلقة وحيدة متجاوزة للطبيعة وللمجتمع وللإنسان ذاته غير حالّ في أي منهم، والحد الثاني هو اليقين بأن هذا التكريم للإنسان لأنه إنسان يسبق انتماؤه للإنسانية أي انتماء لهوية صنعتها عوامل الزمن.

وبإمعان النظر في مفهوم الاستخلاف أو العمارة نجد أنه بالأساس يتركز حول الإنسان – المنتمي أساسا إلى عالم الأبد – لا حول الأرض أو الطبيعة التي هي – مهما طال بقاؤها – إلى زوال، لذلك على الإنسان أن يضع نصب عينه دائما من أين يبدأ وما هو المهم لذاته فيُلتفت إليه وما هو المهم لغيره فيُلتفت عنه إلا بقدر الحاجة. فالإنسان لابد وأن ينطلق في تفاعله مع الحياة ومقصده هو التحقق بحقيقة جوهره الإنساني الجوّاني والأخذ من الظواهر ما يعينه على التحقق بذلك الجوهر الإنساني الكامن في حريته التي هي مصدر تكريمه كما بينّا في الفقرة السابقة.

ومن هذا المدخل أتناول – بشكل موجز – مفهوم "المواطنة"، الذي لا يستقيم أن نتناوله إلا مرتبطا بمفهوم "الدولة القومية" فالمفهومان ارتبطا ارتباطا عضويا في النشوء والمآلات. ولابد قبل البدأ أن أبيّن أن المفهومان تمت صياغتهما من تفاعلات الحضارة الغربية حينما ظن الإنسان الغربي أنه يحتاج مثل تلك المفاهيم ومدلولاتها وتجلياتها على الأرض، وفي هذا المقال سأحاول أن أقدم اجتهادا – يعزيني إن أخطأت فيه رجاء نوال أجر المجتهد المخطئ – للمقارنة بين "الدولة" و "المواطنة" ومدلولاتهما في النموذج الحضاري الغربي والنموذج الحضاري العربي الإسلامي.

إن الدولة القومية كسياق وأرضية يمارس عليها المواطن مواطنته نشأت في الغرب في أعقاب ثورات طبقية أو حروب اقتصادية أو عرقية، فكان لابد من نشوء كيان يحفظ مكسب المنتصر في تلك الصراعات وكان لابد لذلك الكيان أن يكون كيانا ماديا ذا حدود مرسومة لأن تلك الصراعات كانت كما قلنا صراعات على موارد فكان لابد من الحدود كي تحدد مناطق نفوذ الجماعة المتغلبة ليحفظها من الغزو ويصرف تركيز القائمين على تلك الموارد إلى تنميتها، فالدولة نشأت للحماية والتنظيم وفرض السلطة في الداخل والخارج بغية تعظيم الإنتاج واستغلال الموارد الاستغلال الأمثل، وارتبط بذلك نشوء المواطنة كوسيلة لإقامة العدل بين المواطنين في توزيع الموارد عليهم، فالقضية كلها قضية موارد وقضية إنتاج وكان لابد من ضمان حقوق الجميع حتى يسهل إعادة صياغة البشر كأعضاء وظيفيين في المجتمع. صاحب ذلك بعض أشكال الحقوق والحريات التي في النهاية ترمي إلى تصنيع الإنسان الموظف المثالي الذي يستقيم والعقلية الصناعية الحاكمة لمفاهيم الغرب والتي كانت بمثابة السياق العام الذي ازدهرت فيه حضارة الغرب.

بينما مفهوم الدولة الحديثة في الشرق العربي يختلف بالكلية عن مثيله في الغرب. هذا إن سلمنا بوجود هذا المفهوم أصلا في الشرق. على أية حال نستطيع أن نقسم دول الشرق إلى قسمين، القسم الأول دول مصنوعة ما بعد سايكس بيكو وهي دول حتى الآن لم يستقر لديها مفهوم الدولة الحديثة لا على مستوى النظرية ولا على مستوى التطبيق بل مازالت تلك الدول تأخذ شكل القبائل حتى وإن ادّعت غير ذلك. والقسم الثاني دول طبيعية ذات حضارة قديمة مثل مصر والعراق والشام. وصحيح أن الدولة نشأت في تلك الدول لتنظيم توزيع الموارد كما في دول الغرب غير أن الفارق كان في السياق الذي ازدهرت فيه تلك الحضارات وهو السياق الزراعي الذي يمتاز بأنه أكثر من السياق الصناعي اقترابا من جوهر الإنسانية. فبينما تقع العقلية الصناعية في غواية السيطرة على الطبيعة والإحاطة بجميع أبعادها، تتماهى العقلية الزراعية مع الطبيعة وتقر بعجزها أمام أساطيرها، لذلك نجد أن الدين – حتى الوثني منه – والأساطير مكونان أساسيان جميع الحضارات الزراعية بينما كان الإلحاد هو السمة الأساسية للحضارات الصناعية.

على أية حال توحّد الشرق بدوله وقبائله تحت راية واحدة وهي راية الدعوة الإسلامية لتتكوّن "أمة" إسلامية. والأمة في المفهوم الإسلامي غير الأمة Nation في المفهوم الغربي التي نشأت على أركانها الدولة القومية, فرابط الأمة في المفهوم الإسلامي ليس رابطا عرقيا أو اقتصاديا إنما هو رابط فكري وهي في ذلك تمتاز بالرخاوة والاستيعابية ولا يمكن أن تحتويها حدود بل هي عابرة للحدود تهدف إلى التجميع لا التفريق والتقريب لا إلى إثبات التمايز فرسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وأمة محمد هي العالمين وهي أمة دعوة أسلمت له وحملت همّ الدعوة إلى دينه وأمة استجابة وهي محل الدعوة والمراد لها أن تستجيب لها.

نرى من ذلك أن الأمة الإسلامية هي أمة رسالية وتلك الصبغة الرسالية منشؤها الدور الوجودي للأمة في الحياة الذي يبينه الله لها في قوله تعالى }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا{ وتلك الشهادة لن تتحقق إلا بتبليغ الدعوة وإقامة الحجة على العالمين، لذلك كانت الحاجة لشكل "الدولة" في الأمة الإسلامية حاجة تنظيمية لا حاجة سلطوية، فرسالة الإسلام وهي في جوهرها رسالة تحرير كما عبر عنها الصحابي الجليل ربعي بن عامر في حواره مع رستم قائد الفرس حين قال }إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام{ تلك الرسالة التحريرية لا يستقيم أن تُنشر تلك بسلطة القهر، فكانت مهمة الدولة هي تسهيل المهمة الرسالية للأمة في الدعوة إلى الله سواء كانت تلك الدعوة بالسلم أو بالحرب على السلطة التي تحول بين الأمة وبين الدعوة، فالمرجعية في الأمة الإسلامية متجاوزة للطبيعة وللإنسان وللمجتمع لذلك فإن التصور الإسلامي عن الإنسان – الذي يسوّي بين الإنسان وبين الطبيعة وبين المجتمع في التأكيد على حاجتهم جميعا للاتصال بالله مصدر المرجعية المطلقة المتجاوزة – ذلك التصور هو الأقرب للصواب وهو الأكثر تحقيقا للحرية الإنسانية، لذلك لم ينشأ مفهوم المواطنة في الأمة الإسلامية لأن الدولة لم تكن سوى أداة تنظيمية ولم تكن تمثيلا للوطن كما هو الحال في الغرب ويثبت ذلك كثرة الدويلات التي نشأت في كنف الدولة الإسلامية وكانت تظل محتفظة بصبغتها الإسلامية وتقيس كفاءتها على مدى قدرتها على تأدية دورها الرسالي وكانت تلك الدويلات تستقل أحيانا إداريا عن دولة وكانت أحيانا تلك الدويلات تحتفظ أحيانا بتبعيتها الصورية للخلافة.

إن أزمة دولة الحداثة أنها مرجعية نفسها يُقاس عليها ولا تُقاس تلتف حول نفسها حتى تختنق، فتجد بونا شاسعا بين نظرياتها وبين تطبيقات تلك النظريات على الأرض فالاشتراكية التي تجعل من العدل رسالتها الأساسية تحول البشر إلى مجموعة من التروس منزوعة الإنسانية في آلة الإنتاج وتحول الثورة والنفوذ من الإقطاعيين إلى رجال الدولة، والليبرالية التي تجعل من الحرية رسالتها الأساسية ترتبط ارتباطا عضويا بالرأسمالية التي تحول البشر إلى مخلوقات منزوعة الإنسانية تلهث وراء رغباتها الحيوانية وتحول بوصلة العبودية من عبودية قهر لرجال الكهنوت أو رجال الملك إلى عبودية طمع لرجال المال، والديمقراطية التي هي في أساسها إعطاء الفرصة لكل أفراد الشعب أن يُمثلوا في عملية صنع القرار تفتح الباب على مصراعيه لأصحاب المال أو النفوذ لأن يتلاعبوا بعقول البشر بغية الوصول إلى المناصب. كل ذلك منشؤه تحول الوسيلة الصناعية إلى غاية حتمية يُضحى في سبيلها بالمقاصد الإنسانية الحقيقية.

من أجل ذلك أدعو كل القائمين على الفكر في الدول الإسلامية أن ينتهزوا فرصة الثورات الشعبية وأن يجتهدوا في إعادة تعريف المفاهيم وإعادة رسم الخرائط الذهنية المكونة لتصوراتنا الحاكمة وألا يرتهنوا أنفسهم لمثاليات التنظير بل أن يسددوا ويقاربوا في التحرك وفقا لهذه الخرائط الجديدة. فالدولة القائمة على التفويض الذي يتم من خلال آليات الانتخاب يجب أن تُعاد صياغتها فيكون ذلك التفويض ليس لمن يحقق للفرد مصلحته النفعية ولكن لمن يتوافق والمعايير المستقاة من مصدر المعيارية المتجاوز فيعود الإنسان لحريته ويتحرر من عبودية للمال أو للمجتمع أو لرجال الكهنوت، ويعود الإنسان إنسانا لا موظفا وتعود الدولة دولة الإنسان لا دولة المواطن، وسيلة تنظيمية لا إلها.



باسم زكريا السمرجي
7/5/2011

الأربعاء، ٢٣ مارس ٢٠١١

خاطرة صباحية عن الشخصية المصرية

تحذير: إن كنت من هواة الاستغراق في التفاصيل فأظن أن لديك أعمالا أخرى تقوم بها أهم من أن تكمل قراءة هذه الخاطرة

صباح اليوم وفي طريقي إلى عملي كنت أستمع إلى الصورة الغنائية الشهيرة "قسم وأرزاق"، والتي تمثل مع مثيلاتها من الصور الغنائية والأوبريتات الإذاعية ملمحا من ملامح فترة من الفترات التي ازدهرت فيها الهوية المصرية، تلك الفترة التي حتى وإن لم تمكنّني أعوام عمري الثلاثة والعشرون من بلوغها فإني أشعر بالحنين إليها وكأني أنتمي إليها فكريا. تحكي تلك الصورة باختصار مُخلّ عن "مرزوق العُتَقي" الرجل الفقير الذي يضطره حسد الأغنياء على سعادته رغم الفقر إلى السفر خارج البلاد للبحث عن الرزق ويسافر فعلا ويرزقه الله من حيث لا يحتسب. ما دفعني إلى كتابة تلك الخاطرة هو ذلك المشهد الإذاعي الذي في جزئه الأول تجتمع أسرة مرزوق المُكونة منه ومن "أم شوق" زوجته وأولاده السبعة تجتمع تلك الأسرة على الغناء والرقص فيما بدا أنه جزء من روتين يومهم قبل النوم وبعد الانتهاء من طعام العشاء. أما الجزء الثاني ففيه توقظ "أم شوق" "مرزوقا" مع صياح الديك ليصلي الفجر وتقول له "أبو شوق .. الفجر بيدّن ..قوم لاجل ما تلحق الصلاة في الجامع" فيجيبها بأن يتلو الشهادتين ثم يلقي عليها تحية الصباح "صباح الخير يا ام شوق". رغم أن بعض ضييقي الأفق يرون هذا تناقضا بين الرقص والغناء من ناحية وصلاة الفجر في الجامع من ناحية ولكني أراه أحد الملامح الفطرية للشخصية المصرية التي كانت تنظر للحياة بصورة كليّة تجعل المقاصد الحياتية نصب أعينها مهما اختلفت حالات التعبير عن تلك المقاصد وبدت متناقضة لمن لا يبصرون أبعد مما تراه أعينهم. وهذا هو ما غاب عن إخواننا السلفيين الجدد فهم لديهم معلومات كثيرة منبتة عن بعضها البعض كوّنوا منها نسقا معرفيا يشبه الفسيفاء المشوه الغير المتجانس وصار هذا هو مفهومهم عن الحياة ومصدر معياريتهم الذي يحكموا من خلاله على مدى صحة واستقامة البشر. لقد حوّلوا الدين إلى مجموعة من القوانين المادية الجامدة التي لا يصح أن تحكم "حياة" البشر وهذا مناف لطبيعة الدين أصلا كإطار أخلاقي عام يمكن أن تنضبط فيه جميع أنماط حياة البشر حتى وإن لم يؤمنوا به.

وأود أن أقول فقط للذين يخافون من المد السلفي أن ما يقدمه هؤلاء السلفيون الجدد لا يصح أن يكون منهج حياة وانكشاف هذا المنهج في النور الآن سيعجّل بكشف عواره وسيعجّل أيضا بأن تطرده فطرة المصريين البسطاء ولكن الخطر كل الخطر ألا يجد المصريون البديل.



باسم زكريا السمرجي
23-3-2011

السبت، ٨ يناير ٢٠١١

كن محترفا Be Professional

“Be Professional كن محترفا” كلمة تمر علينا جميعا الآن وهي كلمة بريئة المظهر جدا ولا يدري كثير من المتعاملين بها أنها كلمة غير مجردة من المفاهيم والمعاني وإنما هي إحدى تجليات نموذج حضاري ما. أحاول في هذا المقال أن أكشف قليلا عن بنيته.

الاحتراف أو الـ Professionalism كما أراه هو تجلٍ آخر من تجليات النموذج الحضاري الغربي المادي الذي ينكر الصلة بين الإنسان والخالق بل إن وجود الخالق المتجاوز أصلا غائب عن تلك الرؤية الغربية المادية . وتأسيسا على هذه الرؤية كان لا بد من العلمنة الشاملة للمجتمع وتفريغه من القيم ونزع القداسة عن الإنسان فيتم تحييده وتشييئه (أي تحويله إلى شئ) ومن ثم تسهل حوسلته (أي تحويله إلى وسيلة) واستيعابه في العالم المادي دون أي اعتبار لتجاوزه الأصيل لعالم المادة ذلك التجاوز الذي يستمده من اتصاله بالخالق المتجاوز للطبيعة والقيّم عليها، تلك الصلة التي تنكرها الرؤية الغربية أصلا كما أسلفت. وحينما فشلت محاولات نزع الجوهر الإنساني تماما وافتقد الناس المشاعر الإنسانية كان رد فعل النموذج الحضاري الغربي رد فعل سلبي أيضا حيث تم اللجوء إلى حوسلة تلك المشاعر أيضا واستعمالها كأزرار لتعظيم الكفاءة الإنتاجية ” لماكينة ” الإنسان وأعني هنا ظهور وانتشار ما يسمى “بالتنمية البشرية Human Development” و حقيقتها – في رأيي – أنها “التوظيفية البشرية Human Functionizing” التي تمنهج حوسلة المشاعر والتفاعلات الإنسانية بهدف تعظيم الإنتاج. ولنأخذ رسائل البريد الإلكتروني مثالا فهي لا بد أن تبدأ بـ “عزيزي فلان Dear …… ” وتنتهي بـ “مع تحياتي Best Regards”. والسؤال هنا كم منا يقصد “حقيقة ً” أن يخاطب المرسل إليه “بعزيزي” أو أن يرسل “تحياته” في آخر الرسالة؟؟!!

وإذا أردنا أن نتتبع هذه الظواهر من أولها سنجد أن ما أوصلنا إلى تلك الظواهر مجموعة من الحلقات يفضي بعضها إلى بعض. فالبداية هي النظرة المادية للإنسان والكون وغياب البعد الربّاني المركزي في تلك النظرة، ومع اختلاف محاولات البحث عن مركز بديل للكون فإن كلها أدت إلى نتيجة واحدة وهي حلول مركز الكون فيه غير منفصل عنه أو متجاوز له. اختلف الناس فقط في طبيعة هذا المركز بين روحانية صرفة في الشرق ومادية خالصة في الغرب. ولأن الغرب هو المنتصر الآن فإن النموذج المادي هو النموذج الحاكم الذي تمت “عولمته” وتم اشتقاق كل معايير القياس “العالمية” منه. وكما أسلفت فإن هذه النظرة أدت إلى استيعاب الإنسان التام داخل قوانين الطبيعة الذي مرّ بحلقات أساسية سأتناول – في ما يلي – بعضها من وجهة نظري:

التحييد:

الطبيعة ليس لها إرادة حرّة والإرادة الحرة هنا أعَرّفها بالمساحة بين الفعل ورد الفعل. تلك المساحة التي هي “الأمانة” التي قـَبـِل أن يحملها الإنسان وسيحاسبه الله عليها تلك المساحة الغائبة في الطبيعة والعلاقات بين مكوناتها فالعلاقات داخل منظومة الطبيعة علاقات سببية مباشرة جامدة فكل سبب ما يؤدي إلى نتيجة “حتمية” ما. فمثلا نبات الأرز تتم زراعته بطريقة معينة يموت إن لم يتبعّها الزرّاع ولا يُـتصوَّر أن يقاوم النبات العطش بطريقة “تدهش” الزرّاع وتفاجئهم ، ومثال آخر أنك إن أسقطت تمثالا من الزجاج على أرض صلبة سيتكسّر ولا يُـتصوَّر أن ذلك التمثال سيحرك يديه في الهواء بحثا عن أي شيء يحاول التشبث به في طريقه إلى أسفل.

وكل تلك العلاقات والقوانين المباشرة الطبيعية المختزلة في علاقات السبب بالنتيجة موجودة في الإنسان أيضا ولكن بشكل جزئي ولا يصح أن تكون هي العلاقات الحاكمة للتفاعلات الإنسانية أو أن نخرجها من حيزها الطبيعي البيولوجي لتحكم على الجوهر الإنساني.

التنميط:

بعد أن نستبطن تلك الرؤية المادية ونبدأ في رؤية الإنسان “ككائن حي” مسلوب الإرادة يخضع تمام الخضوع لقوانين الطبيعة لابد لنا “كنتيجية حتمية طبيعية” أن ننتقل إلى مرحلة التنميط فكما أن الظروف والقوانين اللازمة لزراعة الأرز لا يُـتصوَّر أن تختلف باختلاف “ثقافة” الأرز المصري عن الأرز الصيني أو اليوناني مثلا، فكذلك الظروف والقوانين اللازمة لحياة الإنسان واحدة في كل زمان ومكان ويتجلى ذلك المفهوم بشكل شديد الوضوح في مفهوم “الإنسان الخاتم” الذي ظهر بسفور في كتاب فرانسيس فوكوياما “نهاية التاريخ والإنسان الخاتم The End of History and the Last Man” ولسنا بحاجة لأن نؤكد أن نموذج ذلك الإنسان المثالي هو النموذج الأمريكي الذي يمتلك كل عوامل القوة المادية والتسويقية والذي استطاع أن يملأ بها العالم في غياب قوة مقاومة له. فيصبح الإنتاج المادي هو معيار التفاضل بين المجتمعات ومعيار قياس التقدم. ولتعظيم ذلك الإنتاج لابد من اللجوء إلى تنميط البشر حتى يكونوا مستهلكين مثاليين يمكن للمنتج أن “يستعملهم كأوعية لسلعه”. ليس هذا فحسب بل تصبح السعادة في الاستهلاك ويصبح مقياس النجاح هو مدى قدرة الفرد على الاستهلاك فيصبح الاستهلاك ليس عملا ممتعا فحسب بل عملا ضروريا وأخلاقيا أيضا. وهنا لابد أن أستطرد وأقول أن الحضارة الإسلامية التي أنتمي إليها شهدت كثيرا من التقدم المادي وكانت رائدة في ذلك ولكن لي سؤال هنا عن مدى ارتباط التقدم المادي بالتقدم القـِـيـَمي في المجتمع الإسلامي، ألم تكن مرحلة النبوة ومرحلة الخلافة الراشدة أقل المراحل في التقدم المادي وأعلاها في التقدم القيمي؟؟!!

الترشيد:

ومن التنميط إلى الترشيد، فانطلاقا من مركزية الإنتاج المادي كمصدر لمعايير القياس كان لابد لنا أن يظهر مفهوم الترشيد كطريقة مُثلى لزيادة وتعظيم الكفاءة الإنتاجية لدى البشر. ولابد حين نتحدث عن الترشيد أن نتحدث عن عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر Max Weber” الذي وصف عملية الترشيد بأنها “نزع السحر عن العالم Disenchantment of the World” وهو التعبير الأدق عن النموذج الحضاري الغربي . فنحن عندما نرى العالم من منظار المادية لا بد أن يتحول كل شئ عندنا إلى “موضوع” مادي تسهل السيطرة عليه ومن ثم التحكم فيه فيزول عنه “الغموض” السحري وهذا هو المدخل لدخول المجتمع ككل إلى “القفص الحديدي”. والقفص الحديدي تعبير آخر استخدمه ماكس فيبر لوصف حالة الترشيد فنزع السحر عن العالم يقود إلى تفريغ المجتمع من معانيه الإنسانية فيتحوّل إلى مجموعة من الأفراد “الوظيفيين” – مفتقدي المعنى – يؤدي كل منهم وظيفته “بكفاءة” كأي آلة لا أكثر فيدخل العالم كله في مرحلة من “العبودية الاختيارية” حتى نصل إلى ما نعيشه الآن حيث دخل عموم البشر إلى مرحلة ما دون الإنسانية أو Sub humanity.


المجتمع التعاقدي في مقابل المجتمع التراحمي:

تحول الأفراد من “بشر” إلى “موظفين” كلٌ يؤدي وظيفته، فماذا بعد سوى أن تكون تلك الوظائف هي مناط العلاقات بين البشر ويصير النمط التعاقدي هو النمط الحاكم في العلاقات الإنسانية ؟ فتتحول”الوظيفة” التي يؤديها الإنسان هي مصدر قيمته ومعياريته. أليس هذا تأكيد على النزع الكامل للجوهر الإنساني عن الإنسان؟! تجدر الإشارة هنا إلى أنه في مقابل النمط التعاقدي كان النمط التراحمي هو النمط الحاكم في المجتمع القـَبَلي والذي لا أدّعي أننا يجب أن نستدعيه الآن فالمجتمع الآن أصبح أكثر تركيبية وتعقيدا من المجتمع القبلي ولابد من “بعض” الصياغات التعاقدية لتنظيم الحركة داخل المجتمع ولكني أرفض تماما أن تكون تلك العلاقات التعاقدية هي العلاقات الحاكمة

وفي النهاية أقول أن الاحتراف قد يؤدي بنا إلى تقدم مادي أو تقدم علمي كما هو الحال الآن ولكن التقدم العلمي وإن ساعدنا على إنجاز أهدافنا بكفاءة أكبر هل يساعدنا على اختيار تلك الأهداف من الأساس؟؟!

رحم الله الدكتور عبد الوهاب المسيري فما هذا المقال إلا جمعا لبعض آرائه رحمه الله




باسم زكريا السمرجي
21/12/2010


الأربعاء، ٢٢ ديسمبر ٢٠١٠

الشريط - مقال تميم البرغوثي في الشروق يوم الثلاثاء 21/12/2010


بقلم:تميم البرغوثى

21 ديسمبر 2010 10:02:43 ص بتوقيت القاهرة

تعليقات: 4

الشريـط

أراه دائما، وإن تعمدت أن نسيانه ذكرنى به تعمدى، وإن صددت عنه وجهى تخيلته أمامى، وهو ليس عدوا علا أو حبيبا قلى أو رئيسا يحب الصور والنظارات الشمسية، إنما هو شاشة رفيعة على شكل شريط يدور على مبنى كبير وسط ميدان التايم فى مدينة نيويورك.

هو شريط أخبار، تمر على شاشته الأخبار مضيئة ثم تنطفئ، كذلك الشريط الذى تراه فى الفضائيات أسفل الشاشة، يمر وعليه عناوين الأحداث.

وقد تسأل لماذا يحتل خيالى هذا الشريط فى مدينة مليئة بالألوان والأصوات تَجَمَّع فيها كل لسن وأمة، وما الذى يثنى مثلى عن التملى فى تمثال قارورة الكولا العملاقة، أو ساعة سواتش العملاقة، أو الفتاة العملاقة التى تعلن عن ملابسها وتعلن ملابسها عنها، إلى غيرها من عماليق الميدان المضاءة الدوارة كالرادارات على رؤوس الأبنية.

أقول ما الذى يشد انتباهى إلى هذا الهامش الأفقى الأسود ذى الأحرف الصفراء الركاضة بلا توقف، فأقف أمامه عير مدرك موقع قدمى حتى ينبهنى أحدهم أننى واقف فى طريق السيارات.

إن موقع هذا الشريط الهامشى الضئيل دال، هو موقع الأخبار من الإعلانات، وموقع العالم من البال العام والخيال الجمعى للإمبراطورية وربما مر فى هذا الشريط، بين العمالقة المضيئة، خبر مقتل خمسة فلسطينيين، أو خمسين عراقيا، أو انقلاب فى هذا البلد أو ذاك.

نحن هامش هذا المكان، بل نحن هامش هامشه، وحين نكون فى المقدمة فنحن فى مقدمة لائحة اتهام ما.

كلما مررت بهذا الشريط الذى يختصر تواريخنا العامة والخاصة فى لمحة، فكرت أن أكبر كبير عندنا لا يعنى هنا الكثير، فلو أتيت بكرام الخلائف والإئمة والسلاطين والشعراء إلى هذا الميدان لعاملوهم أساسا على أنهم رجال غريبو الأزياء والأطوار، ثم انصرفوا عنهم إلى إعلاناتهم العملاقة.

وإن أنت جمعت الراشدين، والأمويين والعباسيين والصحابة والأئمة، والشعراء والكتاب والمغنين من عهد عاد إلى يوم الناس هذا، ثم أوقفت دونهم دليلا يشرح للناس من هم، لاجتمع عليك، ربما، عدد مساو لمن اجتمعوا على فتية سمر يرقصون الراب، أو مجموعة من الدعاة يلبسون تيجان من الورق الأصفر ويزعمون أنهم القبيلة الضائعة من أولاد يعقوب بن إسحاق.

وليس هذا فى حد ذاته مؤلما، فأن تكون غريبا هو أن تكون ضعيفا، خارج المتن فى أكثر الأحيان، لكن المؤلم فى الأمر، هو مركزية الولايات المتحدة عندنا على علاتها، فالناس عندنا منقسمون بين مقاوميها والمتعاونين معها تعتمد حياتهم وحياة بنيهم على ذلك، أما بين الجموع المارة فى ميدان التايم فنحن المارون فى الشريط لمحا، مواقفهم منا تتراوح بين مساند ومعاند، لكننا لسنا قضيتهم، إن أحبوا أو كرهوا فلأنهم استحسنوا أو استقبحوا بقدر ما علموا أو عُلِّموا، أما حياتهم فلا تعتمد على مواقفهم تلك.

ذهابهم للحرب فى العراق، كما قال رئيسهم فى القاهرة، كان اختيارا، لم يكونوا مهددين حقا، وكان الأمر تفضيلا ومفاضلة. وبالتداعى، يذكرنى هذا الشريط بحروبنا جميعا، لم نخض أيا منها تفضيلا كأن يجتمع مجلسنا ثم يقرر أن الحرب مفيدة فيدخلها، كل حرب فى القرنين السابقين، منذ دخول نابليون الأزهر فرضت علينا فرضا، حتى حين حارب بعضنا بعضا واستعان بالاستعمار، فإن خوفه من الاستعمار كان يجبره.

ثم ترى حروبنا خبرا فى شريط على بناية عندهم، وترى حروبهم ركام بنايات عندنا.

ثم يزيد الموضوع تعقيدا، أن هذه نيو يورك، وهى فى رأيى من حسان المدن، حاول أن تكرهها وستفشل، فكما يقول صديقى العزيز القصاص الكبير حسام فخر، هى أكبر مدن العالم الثالث.

ليست نيويورك مدينة الشقر المسلحين، عريضى الرقاب جامدى الوجوه، حتى تحسب أنهم يرفعون الأثقال على خدودهم، أمثال هؤلاء يرسلونهم إلينا، أما أهل نيويورك، فمثلى ومثلك، عرب وفرس وترك وصينيون ولاتينيون، وأفارقة، من شرق أوروبا، ثم من غربها ثم من سائر الولايات المتحدة.

وهذه المدينة بنيت للغرباء، فشوارعها مقسمة عرضا وطولا لتشكل معا خريطة من المربعات المرقمة، فيمكن تحديد أى نقطة فى المدينة برقمين، كأن آثار أقدام أهلها آلاف من الرسوم البيانية التى تكتب وتمحى كل ساعة، فلا يحتاج الغريب فيها إلى معرفة بل يرى فيها سبيله بسهولة جمة، ثم يجد فيها من يشبهونه، ممن يأكلون طعامه ويفهمون كلامه.

لذلك، حين ترى أن موقع أهلك فيها من امرئ القيس إلى يومك هذا، مرورا بأنبيائك وعارفيك وشعرائك، ليس إلا بضعة مصابيح تلمع ثم تختفى على شريط مهمل بين الإعلانات فإنك تحزن حزنين أو ثلاثة.

فنيويورك تزعم أنها ليست منهم، أعنى من الإمبراطورية، نيويورك تزعم أنها منا، أنها للمغلوبين المتعبين، بل إن شعرا بهذا المعنى هو المكتوب على قاعدة تمثال الحرية ليحيى الداخلين إليها «أرسلوا إلى متعبيكم وفقراءكم»، وهذا الشريط يذكرك أنها لهم لا لك، وأن هذه المدينة الحية مملوكة لواشنطن الرخامية.

لست أدعو لأن تهتم بنا أمريكا أكثر، لا والله، فقد لقينا من اهتمامها ما كفى ولو اهتمت أكثر أوشك ألا يبقى منا أحد، إنما أدعو ألا تكون مرجعا، ولا نموذجا، والزيادة من كل علم خير، فلنعرفها أكثر، ولكن لنهتم بها أقل.

لأنها بخيرها وشرها أمبراطورية أخرى، ولو مثلت تاريخنا، وتاريخ جيراننا، أعنى الأمم كبيرة السن من فقراء هذا الكوكب كالهند والصين، أقول لو مثلته فى صورة ميدان، لكانت الإمبراطوريات تمر عليه مرورا كالشريط، نلقى عليها نظرة عابرة، لنعرف الأخبار، ثم نلتفت إلى أشغالنا.



http://www.shorouknews.com/Columns/Column.aspx?id=358422

الأحد، ٧ نوفمبر ٢٠١٠

نظرة إسلامية بين القومية والعولمة

إنَّ الكلمة المجرَّدة لا تعدو كونها حروفًا تصطفّ في ترتيبٍ معيّن ولا تكتسب معنى حقيقيًّا بذاتها، بل تأتي المناهج التفسيريَّة لتأوِّل الكلمة وتحوّلها من “كلمة” إلى “مفهوم”. والمناهج التفسيريَّة تختلف باختلاف المنطلقات الفكريَّة والثقافيَّة لأصحابها، ولا يخفى على أحد أنَّ القويّ هو من يفرض مناهجه التفسيريَّة، و يتلقَّاها الضّعيف بموضوعيّة متجرّدة على أنّها “علم” يَحتفي به، ويـُــنـَظـِّرُ له، ويجعل منه مركزًا لتفكيره. والمشكل ليس في أنَّ المناهج التفسيريَّة للغرب – وهو القويّ الآن – تستبطن النفعيَّة الماديَّة والنّظرة الاستعلائية لباقي البشر، المشكل في من يُذعنون ويرضون أن يكونوا مسوخًا حضاريَّة تتخلّى عن نفسها, وهي تظنّ أنَّها ستحلّق في سماءِ الغرب الرحيبة, فيهوون في أخدوده السَّحيق ضائعين منزوعي الشخصيَّة.

من تلك المفاهيم التي يدور حولها كثير كلام, تلك المفاهيم التي تتعلق بالإجابة عن السؤال الأزلي “من أنا؟” وأتناول في هذا المقال تناولاً مبسِّطًا مفهومي القوميَّة والعولمة, وأين – في رأيي – يقف الإسلام عقيدةً وحضارةً من هذين المفهومين.

القوميَّة

لكي نتناول مفهوم القوميَّة الذي يمثِّل الهويَّة الجماعيَّة، لابد أن نبدأ بتناول مفهوم الهويَّة الشخصيَّة، ولا أود أن أشغل القارئ بتعاريف الهويَّة في المعاجم العربيَّة والإنجليزيَّة، فهي إن تعدَّدت تتَّفق فيما عبّر عنه ابن حزم في كتابه “الفصل بين الملل والنّحل” بقوله: “إنَّ كلّ ما لم يكن غير الشيء فهو هو بعينه, إذ ليس بين الهويَّة والغيريَّة وسيطة يعقلها أحد البتة, فما خرج عن أحدهما دخل في الآخر ولا بد“, فأنا هو أنا ولا يمكن أن أكون غيري. وإن أردنا التعبير عنها بصيغة رياضية نقول أنَّ: “أ” هو “أ” ولا يمكن أن يكون غير “أ”, وهنا نرى أنَّ الهويَّة هي ما تخلق ثنائيَّة “أنا” في مقابل الآخر.

وبقدر بساطة وجمود مفهوم الهويَّة الشخصيَّة الذي يستعصي على التأويل، بقدر مرونة مفهوم الهويَّة الجماعيَّة الذي يستجيب للتأويل بل يستوجبه أيضًا، لذلك نجد تأويلات متعدّدة لهذا المفهوم, اخترت منها ما يربط الهويَّة بالذاكرة.

فالهويَّة الجماعيَّة “القوميَّة” هي محصّلة الذّاكرة الجماعيَّة لأناسٍ بينهم مجموعة من العوامل المشتركة مثل الأرض أو اللغة أوالدين أو اللون…إلخ.

وأقول أنَّ العقل البشري بطبيعته ليس عقلاً متلقيًّا موضوعيًّا بل هو عقل متحيّز يعمل بشكل انتقائي يكبـّر ويصغـّر ويـُـبرز ويستبعد. والذاكرة فرع على العقل فهي بالتالي ذاكرة انتقائيَّة أيضًا، والذاكرة الجماعيَّة – حين تؤسس لهويَّة جماعيَّة تثبت ذاتها وتطرد عنها الأغيار – تتجوّل في تاريخها لتنتقي منه أيّام عزّها ومجدها, وتنتقي منه ما تؤسس به دعائم هويتها، وتنظّر لفترات اندحارها وهزيمتها كفترات طارئة عليها. وهي تظل تستدعي تلك الهويَّة طوال الوقت خاصّة في أوقات الضّعف والهزيمة، لذلك يكثر الحديث عن الهويَّة في عالمنا العربي الإسلامي.

والهويَّة كما رأينا مفهوم استبعادي يحدد كنه الشيء ويطرد عنه ما ليس منه. وبداية ظهور الحديث عن القوميَّة كان في عصور التنوير الأوربي وتبدّت تجلياته في الثورة الفرنسية (1789 – 1799), ومن قبلها حرب الاستقلال الأمريكية (1775 – 1783)، ولم يكن ظهور ذلك المفهوم في تلك الأثناء مجرد ظهور بل كانت الدوافع القوميَّة هي المحركة للحدثين الهامين (الحرب الأمريكية والثورة الفرنسية)، فكان ظهور مفهوم القوميَّة كرد فعل مقاوم للأوضاع في أوربا في ذلك الوقت ونرى ذلك في مفهوم القوميَّة عند روسو (1712 – 1778) الذي يعبّر عنه بأنه التفاعل بين الشعب وعدو له ودور العامل العسكري في ذلك.

وبعد أن انطلقت القوميَّات كحركة مقاومة وبعد أن تغلَّبت على السلطة الكنسيَّة المهيمنة على أوربا، بدأت في الانقلاب على نفسها فكانت سببًا لحروب طويلة بين قوميَّات أوربا المختلفة تلك الحروب التي كان من نتائجها مثلا تفتّت الإمبراطوريّة النمساويّة. وهي لم تكف بالبقاء داخل أوربا بل امتدت لتتخطى الحدود الجغرافية لأوربا وتصير سباقًا في الاحتلال حتى أنكر جان فرنسوا ليتوارد (1924 – 1998) مفهوم القوميَّة باعتباره من مخلفات الجوانب المظلمة لعصر التنوير بينما ذهب الاقتصادي الأمريكي الكندي جون كينيث جالبرت (1908 – 2006) إلى الربط بين فرص السلام والقضاء على القوميَّة.

ولم يكن ذلك الحال في الغرب فقط بل نقل العدوى إلي شعوب الشرق والجنوب الاستعمار الغربي. وانطلقت في آسيا وأفريقيا الحركات الانفصاليَّة، وفي الوطن العربي انطلقت دعاوى الانفصال عن الخلافة العثمانيَّة – التي لسنا بصدد تقييمها ولا تقييم نظام الخلافة ككل الآن – وتأسَّس مفهوم القوميَّة العربيَّة لا لتجميع العرب – فالعرب كانوا متجمعين تحت راية الخلافة – بل لفصل العرب عن العثمانيين كخطوة أولى لتفتيت الوطن العربي ذاته إلى دول صغيرة يسهل النيل منها، وهذا ما فعله بنا الاستعمار الغربي قديمًا وتعيد الكرّة علينا الآن الإمبريالية الأمريكية عن طريق دعم تقسيم تلك الدول إلى دويلات تتخذ من القوميَّات العرقيَّة والمذهبيَّة والدينيَّة مبررًا لها.

وأرى هنا استطرادًا لا بد منه، فالدول العربيَّة والإسلاميَّة تحمل ذاكرة جماعيَّة وبينها مشتركات ثقافيَّة وفكريَّة وعضويَّة أيضًا تسوّغ الحفاظ على القوميَّة الإسلاميَّة غير أنَّ الاستعمار فرض على ذاكرتنا الجماعيَّة ما تبرزه وما تستبعده وما تنتقيه لـتـُـنـَّـقيه مما يـُتصَّور أنه ليس فيه، فمصر فرعونيَّة والعراق آشوريَّة والسودان إفريقيَّة و لبنان فينيقيَّة… إلخ.

العولمة

والعولمة هي مذهب سياسي واقتصادي يهدف إلى إزالة الحدود بين الدول وتحرير نقل البضائع ورأس المال من دولة إلى دولة, كما أنَّه ينطوي على بعد ثقافي أيضًا حيث يتفاعل بنو البشر مع بعضهم البعض ويفيدوا من ثقافاتهم المختلفة. والعولمة بهذا المفهوم أراها فطرة في الإنسان فالإنسان يميل إلى معرفة أبناء جنسه والتعرّف على ثقافاتهم المختلفة والتفاعل معها تأثيرًا وتأثّرًا، فرغم اختلاف الشعوب والثقافات إلا أنَّ الإنسان يبقى إنسانًا في كل مكان وزمان.

أما العولمة التي نحياها الآن ويرتبط بها “النظام العالمي الجديد” فهي آخر ما توصَّل إليه علم الاستعباد الحديث من آليَّات لتركيع الشعوب وهو – أي النظام العالمي الجديد – أداة الإمبرياليَّة الجديدة لتسخير الشعوب, ولقد أغناها – إلى حدٍ كبير – عن استخدام السلاح والحروب المباشرة التي لا يكتب لها فيها النجاح دومًا.

فذلك النّظام العالمي الجديد الذي يبدأ نظامًا اقتصاديًّا تسود فيه “قِيَم” رأس المال، وتصبح هي المحرّك الرَّئيسي للعالم، وتصير تلك القيم هي معيار النَّجاح والتقدم على المستوى الفردي والجماعي والوطني. وأصبحت المنفعة الماديَّة هي المطلق وكل ما حولها نسبي يُقاس مدى فاعليته بمدى إسهامه في تحقيق تلك المنفعة. وبهذا تنتقل العولمة من عولمة “أوراق بنكنوت” إلى عولمة ثقافيَّة تسود فيها المنظومة القيميَّة للقويّ ويضع هو معايير الصّواب والخطأ، والتقدّم والتخلّف، فيصير هو مركز العالم وفي إرضائه يتنافس المتنافسون.

وبذلك تتماهى الهويَّات جميعها وتصير صيرورات تفضي كلّها إلى الهويَّة الأمريكيَّة الحديثة ويُنظر إلى كل الحضارات السابقة كمحاولات ثوريَّة ظلت تسير على خطٍ مستقيم, ولابد أن تبلغ في النهاية النموذج الأمريكي.

وهذا ما طرحه المفكِّر الأمريكيّ “فرانسيس فوكوياما” في كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الخاتم” والذي نشر عام 1992, حيث بشَّرَ بسيادة الديمقراطيَّة الليبراليَّة الأمريكيَّة لتكون هي طريقة الحكم في العالم كله. وينكشف لنا تلقائيًّا ما في هذه النظريَّة من عنصريَّة غربيَّة, و”داروينيَّة” ثقافيَّة وحضاريَّة, تزدري الآخر وتسلب الإنسان خصوصيَّته الثقافيَّة الحضاريَّة وتحوّله إلى مجرّد “كائن حي” أحادي البُعد ماديّ النًَّزعة. ولا ألوم الغرب في ذلك قدر لومي لمن أذعن وتخلَّى عن ذاته وارتضى أن يكون مسخًا حضاريًّا لا معالم له.

المفارقة أيضًا في ذلك النظام العالمي الجديد أنَّ في الوقت الذي تتَّحد فيه قوى الغرب و”يتعولم”، يتفتَّت الشَّرق والجنوب بدعم ومباركة من الغرب وما العراق والسودان عنا ببعيد، ولا يعوز ذا لب مزبد بيان ليعرف الكامن وراء تلك المفارقة.

نظرة إسلاميَّة

قبل أن أبدأ في طرح تلك النَّظرة الإسلاميَّة أودّ أن أبيّن أمرين. الأمر الأوَّل هو أنَّ ما سوف أطرحه وجهة نظري، أبذل جهدي لأدعم أركانها غير أنَّها تحتمل الصواب والخطأ والنقد بل والنقض أيضًا. الأمر الثاني أنَّني أحاول أن أتجاوز في هذا الطرح ما يقع فيه كثير من الناس الآن حينما يتناولون قضايا الفكر الإسلامي، حيث يجعلون نصب أعينهم المواءمة و”تحسين صورة الإسلام عند الغرب”. أحاول أن أتجاوز هذا الفخ وأن أنطلق من منطلق إسلامي خالص عقيدة وحضارة.

يقف الإسلام – في رأيي – في المساحة المتوسّطة بين مفهومي العولمة والقوميَّة, فالقرآن يقرّ وحدة الجنس البشري, واشتراك البشر جميعًا في الأصل الواحد فالله عز وجل يقول: “يا أيَّها النَّاس اتَّقوا ربَّكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلقَ منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونساءً واتَّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنَّ الله كان عليكم رقيبًا”, ويقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تقريرًا لنفس المعنى:”النَّاس بنو آدم وآدم من تراب”, ويقرّ القرآن أيضًا الاختلاف بين بني البشر, حيث يقول الله عز وجل: ” يا أيّها النَّاس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إنَّ الله عليم خبير”.

وبالنَّظر إلى النصوص السابقة، نجد أنَّ الإسلام حين أقرّ المفهومين قيَّد أحدهما بالآخر, فنحن وإن كنّا نشترك في الأصل الأوَّل لابد أن نعترف أنَّ تراكم التاريخ السحيق على كل شعب معيّن عاش في مكان معين اقتضى خصوصية ثقافية واختلافا حضاريا بين كل شعب وآخر. غير أنَّ ذلك الاختلاف لا يستلزم خيريّة لشعب على آخر أو لثقافة على أخرى، فمعيار التَّفاضل الوحيد هو التقوى, والحكم فيها لله عز وجل لا لأحد غيره والجائزة عليها في الحياة الآخرة. وقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: “يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى” خير بيان، فلقد أقر وحدة الأصل (الأب) وأقر أيضًا الاختلاف بين العربي والعجمي والأحمر والأسود وبيـّن معيار التفاضل.

إنَّ دعوة الإسلام دعوة عالميَّة حيث يقول الله عز وجل: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”, وقال ربعي بن عامر – معبِّرًا عن جوهر الرسالة الإسلاميَّة – لرستم قائد الفرس: “إنَّ الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”. فالإسلام – في رأيي – منظومة أخلاقيَّة قيميَّة تسمو على كل الهويات, ولا أرى ما يجب أن نسميّه “هويَّة إسلاميَّة”, فحضارة الإسلام احتوت الهويَّات جميعها من غير أن تفرض عليها نمطًا معيَّنًا تقلده.

ولتبسيط المعنى نشبِّه الهويَّة بالدَّوائر, وأقول أنَّ الهويَّة دائرتان. دائرة صغرى مركزيَّة ودائرة كبرى. الدائرة الصغرى هي الأصل الواحد المشترك بين جنس البشر, وهي الفطرة السليمة التي يشترك فيها الناس جميعًا، والدائرة الكبرى هي ما طرأ على تلك الفطرة وما غلــّـفها من مظاهر – تختلف من شعب لآخر – أورثها تراكم التاريخ.

والقوميَّة والعولمة لا تريان تلك الدائرة المركزيَّة فالقوميَّة تعتمد الاختلاف بين الدوائر وتجعله مسوغًا للفصل التَّام بين الهويَّات بل والتفاضل أيضًا، والعولمة الغربيَّة – مع تجاهلها للدائرة المركزيَّة – لا تعتبر وجود دائرة خارجيَّة مكتملة إلا الدائرة الغربيَّة, وتنظر إلى الدوائر الأخرى على أنها غير مكتملة ولم تكن إلا إرهاصات للدائرة الغربية.

بينما يرى الإسلام الدائرتين، وحين تـَعامل تعامل مع الدائرة الصغرى، فرسالته أن يُرَدَّ الناسُ جميعهم إلى أصلهم الإنساني دون فرض قالب محدد عليهم، لذلك لا يوجد شكل معين لزيّ إسلامي – بعد أن يستر العورة -, ولا يوجد رجال دين أو كهنوت في الإسلام, إنما الاجتهاد في الدين حق لكل مسلم أن يتحصل على متطلباته.

ونظريَّة نهاية التاريخ أرى لها جذورًا في الإسلام, حيث قال صلى الله عليه وسلم: ” ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار, ولا يترك الله بيت وبر ولا مدر إلا دخله هذا الدين, بعز عزيز أو بذل ذليل, عزًا يعز الله به الإسلام, وذلاً يُذل به الكفر”, ولكن الفرق بين “عولمة” الغرب و”عالميَّة” الإسلام هو أنَّ عولمة الغرب نفعيَّة ماديَّة تقتضي سيطرة القوي – الذي يملك رأس المال – على الضعيف, بينما عالمية الإسلام عالمية أخلاقية وقيميّة لا سيادة ولا فضل فيها لأحد على أحد. وكما كانت حروب الغرب حروبا استعمارية احتلاليَّة كانت غزوات دولة الإسلام غزوات تحريرية كما قال د. جمال حمدان في كتابه “استراتيجية الاستعمار والتحرير”.

نسأل الله أن يحرّر عقولنا وقلوبنا وأن يبصّرنا بحقيقتنا..


باسم زكريا السمرجي

27/10/2010

الأحد، ٢٥ يوليو ٢٠١٠

لعنة الفراعنة

إن فهم الحضارات الإنسانية أمر معقد للغاية. فالعوامل التي تؤثر في تلك الحضارات وتتأثر بها متعددة ومتشابكة إلى حد بعيد ، ومن الخلل تسطيح تلك العوامل باستخدام نموذج اختزالي في التفكير لنصل في النهاية إلى حقائق مجتزأة تودي بنا إلى أحد النقيضين ، إما تطرف شوفيني أو عدائي لهذي الحضارة أو تلك. والتطرفان على ما بينهما من تناقض وجهان لعملة واحدة بغيضة هي العنصرية التي تـُـفرِّغ الإنسانية من مضمونها.

وجدير بالذكر هنا أن من أسباب النزعات العنصرية – في رأيي – الضعف والهوان الذي قد يصيب أمة ما – استجابة لسنة تداول الأيام – فلا يجد أبناء هذه الأمة – امتدادا لحالة الخلل التي يعيشونها – إلا الشوفينية طريقا سهلا لإثبات تفوقهم الحتمى المـُـتوهم و لإسقاط تهمة التقصيرعن أنفسهم واتهام الأيام بالظلم ، وهم في سبيلهم لإثبات ذلك ينظرون لتاريخهم نظرة انتقائية تجعلهم يستدعون فقط ما يعضد تلك الأوهام.

إن ما يعنيني هنا هو النظر إلى النعرة العنصرية المصرية التي تنامت كثيرا الفترات الأخيرة والتي كانت قد زُرعت بذورها في فترة السبعينات التي تبنت فيها الأنظمة الرسمية للدولة مشروعا انفصاليا عن النسيج العربي الذي كانت مصر تمثل عروته الوثقى وحبله المتين. ولكي يتم استئصال الشعور القومي العربي نُبشت قبور الفراعنة واستـُـنهضت القومية المصرية الفرعونية.

ولأنني مؤمن أن الفضيلة وسط بين رذيلتين كما قال أرسطو فأنا أكره التطرف أي كان ولإيماني العميق بأن الله خلق البشر سواسية في الحقوق والواجبات فأنا أمقت العنصرية أيما مقت ولهذا أسعى للنظر إلى تاريخ الفراعنة من زاوية أخرى لم يعلمونا إياها في المدارس.

إن الحضارة الفرعونية لم تكن وحيدة كبقعة ضوء في عالم مظلم فلقد تزامنت معها حضارات زراعية أخرى نشأت حول الأنهار في العراق وفي آسيا وفي المكسيك أيضا. وليس مؤكدا أن الإنسان المصري هو الذي علم العالم الزراعة وإنما الزراعة هي اكتشاف شعوبي استدعته الحاجة وقادت إليه الصدفة. فمن اكتشف الزراعة – في رأيي – كمن يَعلق في زحام شارع رئيسي فيكتشف طريقا جانبية ثم ياتي أحد آخر ويكتشف نفس الطريق وهكذا. وكون أحد المارة كتب على إحدى الحوائط اسمه لا يعني بالضرورة كونه أول المارين بهذه الطريق.

إن مما لا شك فيه أن الحضارة الفرعونية حضارة عريقة أسهمت في البشرية إسهاما كبيرا ولكنها – ربما كسمة طبيعية لتلك الحضارات الموغلة في القدم – لم تتمتع بالمرونة التي تجعلها تتفاعل مع الحضارات التي تراكمت عليها فكانت النتيجة الحتمية أن أثرت فيها تلك الحضارات تأثيرا طمس شخصية الحضارة الفرعونية ولم يبق منها إلا بعض العادات والتقاليد المجردة من الانتماء لحضارة بعينها ، ولكنها ذهبت بلغتها وطمست دياناتها و قبرت نظام حكمها – ربما ليس بشكل كامل – كما أن تعاقب الأجناس واختلاطها أيضا ربما يكون أخفى نسل الفراعنة تماما. فمن العبث – في رأيي – أن نتحدث عن هوية فرعونية لمصر.

ولعل ما يثير السخرية ما تعلمناه عن الدين عند الفراعنة. فأنا أذكر – أثناء دراستي للتاريخ في المرحلة الإعدادية – انبهاري بإيمان الفراعنة بالحساب والحياة الآخرة ، و أذكر أيضا ما كانت تقوله لنا المعلمة "دول كان عندهم دين أكتر مننا" وحينما نسأل عن تعدد الآلهة عندهم ببعض الريبة تأتي الإجابة الجاهزة – التي لا أدري أي عبقري اخترعها و أي عبقري صدقها – بأنهم لم يكن عندهم أنبياء. هكذا بمنتهى البساطة ، وكأن الله عز وجل نسى أمة كاملة عاشت أربعة آلاف عاما قبل الميلاد. على الأقل نحن جميعا نعرف أن النبي يوسف والنبي موسى – عليهما السلام – عاشا في مصر الفرعونية ، فلماذا لم تذكرهما الحضارة الفرعونية القديمة؟ ومحاولة أخرى عابثة تخبرنا أن إخناتون هو أول من اكتشف التوحيد فبدلا من عبادة الشمس والقمر والعجل والنيل والجعران .... إلخ اختار الشمس معبودا وحيدا وسموا هذا توحيدا بالإضافة إلى أنه بالقطع ليس أول من نادى بالتوحيد. ومؤخرا أيضا علمت – ولست متأكدا – أن الحساب والحياة الآخرة لم تكن أصلا حقا لعامة الشعب بل كانت حكرا على طبقة الحكام أما عامة الشعب فكانوا يموتون كالحيوانات (حتى في الحياة الآخرة يا فراعنة؟؟؟؟)

لا أدري لماذا لم نفترض زيف الحضارة الفرعونية ولو على سبيل التخيل. إن الآثار الفرعونية التي تركوها "هم" عن أنفسهم هي مصدر المعلومات الوحيد المتوفر لنا. أفـْهم أنهم لم يكونوا لينقلوا لنا إلا ما يدل على عظمتهم ويُسقطون ما يدينهم. ولكن ليس مفهوما على الإطلاق أن نظل نحن أسراء للجزء الذي كشفوا عنه من الحقيقة ولا نسعى لرؤية الحقيقة كاملة. أخشى أن يكون السبب هو إحساسنا بالدونية وسعينا للتعلق "بقشاية" تثبت حقنا في الحياة.


باسم زكريا السمرجي
20/7/2010