‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، ١٩ أكتوبر ٢٠١١

الثورة ... "الفن المصراوي بجد" الذي بحث عنه حسن أرابيسك

قد أقرأ كلمة فلا تتجاوز عيني صورة حروفها، وقد يستحسن عقلي بعض المعاني فيها، غير أنها قليلة تلك المرات التي أجدني أتجاوز حروف الكلمة ومعانيها إلى روحها، وتتجاوز هي عيني وعقلي إلى روحي. وهذا ما حدث معي منذ يومين عندما صادفت الحلقة الأخيرة من مسلسل "أرابيسك" للكاتب المبدع أسامة أنور عكاشة، تُذاع على التليفزيون المصري .. ربما وافق السؤال الذي أرّق روح الكاتب المبدع رحمه الله وهو يكتب تلك الحلقة السؤال الذي كان يؤرّق روحي وأنا أشاهدها.


والمسلسل لمن لا يعرفه يحكي باختصار مخلّ عن "حسن أرابيسك" فنان الأرابيسك الشعبي الذي يتولى مسؤولية تنفيذ أعمال التشطيبات الخاصة بفيلا الدكتور برهان العالم المصري الذي عاد لتوّه من الولايات المتحدة ويريد أن يبني فيلا أراد لها أن تكون تحفة فنية بأن تمثل تاريخ مصر كله، وهذا ما حيّر حسن ثم اعترض عليه بعد ذلك وكانت وسيلة اعتراضه هي القيام بأعمال تخريبية في الفيلا حتى وهن أساسها ولم تستطع أن تصمد لأحد توابع الزلزال الشهير فانهارت.


والمشهد الذي أعنيه هو لحسن في السجن – بعد أن اتُهم واعترف بتعمّده هدم الفيلا – يخطب في المساجين مفسّرا حتمية انهيار الفيلا باستحالة تنفيذ رغبة صاحب الفيلا لأن "الترقيع ما ينفعش، البزرميط ماينفعش، والفن الحقيقي مش طبيخ" وأننا لكي نمثل تاريخ مصر الحقيقي الطويل الحائر بين الفرعوني والروماني والقبطي والإسلامي ... إلخ لابد أن نعرف متى كانت مصر هي "مصر بذات نفسها"، "مصر بحق وحقيق"، وحين نعرف ذلك سنعرف من نحن "ولمّا نعرف احنا مين هنعرف احنا عايزين ايه". ثم يستطرد ويصل إلى الجملة التي استوقفتني وهي "مفيش حاجة جت عَجَنت ده كله في بعضه وطلعت فن نقدر نقول عليه هو ده الفن المصراوي اللي بجد" ثم ينهي خطابه بـ "إنما المهم، المهم أوي، نعرف احنا مين وأصلنا ايه. ساعة ما نعرف احنا مين، هنعرف احنا عايزين ايه ونبدأ ونتَكّل على الله"


وددت لو أن الكاتب الراحل حيّ بيننا الآن ليشهد الثورة، فلربما وجد فيها ضالته، ربما وجد "الفن المصراوي اللي بجد" في لوحة الموزاييك التحريرية التي كان الكل فيها متديّنون، فوقت الصلاة ينقسم الناس إلى مصلّين أو حماة لهم، والكل فيها اشتراكيون يتشاركون الخيام والطعام دون تمييز أو تصنيف، والكل فيها ليبراليون لا يبحث أحد لأحد عن تصنيف أو عنوان فالسيدة القبطية تصب ماء الوضوء للشيخ الملتحي، والشاب السلفي يشارك في حلقة للغناء مع الفتاة السافرة .. ذلك هو الفن المصراوي اللي بجد الذي كان يبحث عنه الراحل أسامة أنور عكاشة فنا يحتوي كل العناصر التي تاه بينها الدكتور برهّان وحيّر معه حسن أرابيسك، فنا يحتوي كل تلك العناصر دون أن يضطر أن يكون واحدا منها.


وننتقل من حكاية حسن أرابيسك، أو ننتقل بها إلى الثورة وننتقل بالثورة إلى الدولة بل وإلى أصل فكرة "العلوم الاجتماعية" والتي أعترض عليها ابتداء وأحب أن أسميها "دراسات" بدلا من "علوم"، لأن العلم لكي يكون علما لابد أن يتسم بأكبر قدر من الموضوعية والحياد، وأقول "أكبر قدر" لأن الحياد التام والموضوعية الكاملة هي محض خرافات كما تعلّمنا من أستاذنا د. عبد الوهاب المسيري، وأكبر قدر من الحياد أقصد به ما يتوّفر في قاعدة أن الماء يغلي عند درجة حرارة 100 دون اعتبار للموطن الذي اكُتشف فيه ذلك الاكتشاف، ولا للغة التي كُتب بها أول مرة. ولا يهم إن كان ذلك الماء في كوب من الحديد أو من الزجاج أو من الورق المقوى، ما إن تصل درجة حرارة الماء إلى 100 سيتحول إلى بخار. وذلك القدر من الحياد والموضوعية لا يتوافر في الدراسات الاجتماعية، فلا يُمكن تجريد أي نظرية وُضعت في هذا المجال من واضعها ولغته وجنسيته، ففي الغالب كانت تلك النظرية جوابا لسؤال مُجتمعي مخصوص بمجتمع ما في ظرف مكاني وزماني ما، ويصعب بل يستحيل تجريد النظرية من كل تلك التحيّزات المتشابكة، فتلك التحيّزات المجتمعية هي التي تُنشئ النظرية بالأساس وتفريغ النظرية منها لا يبقي في أيدينا إلا جسدا أجوفا لا أكثر. وكلامي ليس بهدف التقليل من شأن العلوم الاجتماعية وإنزالها من مرتبة العلم إلى مرتبة أدنى منها بل على العكس فالتأكيد على الجانب الذاتي في الدراسات الاجتماعية هو للتأكيد على عبقرية منظّروا ذلك المجال وتفرّدهم عن أقرانهم، وذلك التأكيد أيضا هو ما يُمكننا من الاعتراف بحاجتنا لإنتاج أفكار جديدة وهو ما يحول بيننا وبين السقوط في فخ استهلاك الأفكار والانسحاب من ميدان إنتاجها.


والثورة المصرية خير دليل على ذلك، فهي كما أراها لم تكن ثورة سياسية اقتصادية فقط كما يبدو لنا من الوهلة الأولى، بل هي تحمل بداخلها ثورة معرفية على نسق معرفي حداثي عالمي حاكم منذ قرون، ثار المصريون عليه وأعلنوا حاجتهم لنسق جديد، فكرة جديدة، تحل محل الفراغ المعرفي الذي ولّدته الثورة، ونقطة البداية لإنتاج الأفكار أو النماذج هي الرجوع إلى المقاصد. وإن كنا بصدد الحديث عن إنتاج الأفكار عن شكل الدولة فلابد أن نتذكر مقصد الدولة وسبب نشأتها وهو في أبسط صوره إدارة العلاقات المجتمعية على الوجه الذي يحقق استدامة العدل والحرية والكرامة لكل أفراد المجتمع. كان ذلك مقصد الدولة على مر العصور كما أراه، مهما تطوّرت وسائل اقتفائه بداية من القبيلة انتهاء بالدولة القومية الحديثة وكان ذلك التطور من نموذج لآخر يُنشئه تطوّر المجتمعات واختلاف حاجاتها، وإن كان قديما يُسمح بتواجد عدة نماذج للدولة في نفس الوقت إلا أن التقدم التقني في مجال الاتصال الذي حوّل العالم إلى قرية صغيرة سهّل عولمة الدولة القومية الحديثة كنموذج وحيد مُعترف به عالميا لإدارة شؤون المجتمع. ودون الخوض في التفاصيل، فالدولة القومية الحديثة وما يرتبط بها من مفاهيم كالمواطنة والديمقراطية والأيدولوجيا هي مُنتج غربي بالأساس أنشأته طبيعة المجتمع الغربي، وفي الحقيقة لا يهمني كونه غربيا أم غير ذلك، فالشاهد أنه مجتمع مخصوص له طبيعة مخصوصة وحاجات مخصوصة أنشأت نموذجا مخصوصا لإدارة العلاقات لا يجوز تعميمه على مجتمعات أخرى مخصوصة بخصوصيات أخرى، فذلك التعميم للنماذج المخصوصة واتخاذها مصدرا للمعايير هو مدخل تغلّب مجتمع على آخر, فالذي أنشأ تلك المعايير هو الوحيد القادر على الوفاء بها. والآخرون مهما لهثوا وراءها لن يقتربوا من استيفاء استحقاقاتها إلا بقدر اقتراب الظمآن من السراب.


والمجتمع المصري الحديث لم يُعط فرصة لأن يُتم تفاعله ويُنتج نموذجه الخاص المخاطب لحاجاته المستجيب لتساؤلاته إنتاجا قاعديا، بل كانت النماذج تُفرض عليه فرضا من أعلى، حيث أن المصريين لم يكادوا يفيقون من احتلال عسكري حتى وقعوا أسر احتلال معرفي لم يتحرروا منه بشكل كامل حتى الآن، وانسحب المثقفون من ميدان إنتاج الأفكار واكتفوا – إلا من رحم ربي – بدور المستهلك لأفكار أنتجها الغرب أو الشرق. فلجأ المصريون إلى مقاومة تلك النماذج المفروضة عليه بالمراوغة والحيلة أحيانا والنكتة أحيانا أخرى، حتى أتت الثورة فخرج المصريون يعبّروا عن تلك المقاومة وذلك الرفض تعبيرا صريحا، خرج المصريون يثورون لا على سلطة تنفيذية غاشمة مستبدة فقط، بل خرجوا يثورون على سلطة معرفية تفرض تصورا معيّنا لما هو صحيح وما هو غير ذلك، خرج المصريون يعيدون التعريفات ويصيغون المفاهيم لما يرونه صحيحا وما يرونه غير ذلك ممارسة لا تنظيرا، فقد سبق الفعل في هذه الثورة الفكر. وإن كان المثقفون والنخب فاتهم استشراف الثورة والتنظير لها، وهو ليس عيبا – فعوام المصريون دائما مدهشون – أقول إن كان فات المثقفين استشراف الثورة والتنظير لها فلا أقل من أن يقوموا بدورهم الآن في صياغتها، صياغة، تجمع تلك القطع من الموزاييك في لوحة واحدة متكاملة تمثل "الفن المصراوي اللي بجد" الذي حيّر حسن أرابيسك.


ولا أدّعي لنفسي الإحاطة بأطراف الصياغة الصحيحة للنموذج الصحيح الأكثر اقترابا من التعبير عن حقيقة الثورة، غير أني على الأقل أعرف أن نقطة البداية هي الناس، آحاد الناس، وليس المؤسسات، ففكرة المؤسسية في مصر خاصة في السياسة من الأفكار التي لم تثبت نجاحا، وذلك ليس لعيب في المجتمع المصري ولكن لأنها ببساطة أفكار غريبة عنه يرفض الانصياع لها قد تحتاج بعد التعديل قبل أن يتبنّاها، وخير دليل على ذلك ما حدث من توقيع بعض الأحزاب على بيان تأييد المجلس العسكري منذ أسابيع قليلة، فمن المفترض أن الموقعون هم ممثلون عن الأحزاب، لكننا شهدنا كوميديا مؤسسية بالغة في العبث، فتوقيع، ثم تراجع، ثم إنكار، ثم تراجع عن التراجع، ثم اعتذار عن التراجع، ثم انسحاب عن الاعتذار ... إلخ دون أدنى انضباط مؤسسي يُذكر.


وأذكر هنا محادثة دارت بيني وبين أحد أصدقائي حيث كان يقول لي أنه يقف على مسافة واحدة من كل الآراء السياسية ولا يعرف ماذا يفعل، وكان ردّي عليه أنه على حق، فالقليل الذي عرفته من السياسة دلّني على أن كل الخيارات السياسية يمكن أن تكون صحيحة وكلها يمكن أن تكون خاطئة، فمعيار الحكم ليس في الخيار السياسي نفسه لكن في طريق الوصول إليه، وإن الطريق الذي يمر بالناس هو الطريق الذي يُفضي بالضرورة إلى الخيار السياسي الأكثر شرعية، حيث سيستمد شرعيته من مشاركة الناس في صياغته.


أعود إلى مشهد "أرابيسك" حيث كنت جالسا بين أمي وأبي، وقلت لأمي أتعلمين انهيار فيلا برهان يشبه ماذا؟ قالت لي الثورة. ثم بعد ذلك المشهد، المشهد الأخير وفيه مجذوب الحي كان يجري في الشوارع يهتف "حسن رااااااااجع ... حسن رااااااااجع" فالتفت لي أبي قائلا: حسن هو مصر ... مصر راجعة.



باسم زكريا السمرجي
16/10/2011

السبت، ٢٤ سبتمبر ٢٠١١

عن الثورة والمجتمع ... خواطر من حي عشوائي

قديما كانت إحدى الحيل التي تستخدمها الجيوش لتخيف أعداءها كانت أن يتحرك الفرسان بخيولهم ليثيروا الغبار فيرتفع التقدير العددي للجيش في عيون العدو، ذلك التقدير الذي قد لا يكون إلا محض خيال.

وبعد مرور ثمانية أشهر على الثورة نستطيع أن ندّعي أن الغبار الثوري قد سكن الآن بم يسمح لنا أن نرى حقيقة المشهد. فقد ذهب أوان السكرة وحضر أوان الفكرة ومن التقصير أن نظل سكارى في أوان توجّب فيه حضور الفكرة.

إن أردنا تطوير الثورة أو استثمارها أو البناء عليها فلابد أن نعلم أن منبت الثورة الذي نبتت منه ومقصدها الذي يجب أن تتوجه إليه هو المجتمع المصري. وإن كان الأمر كذلك فلابد أن تبدأ فكرتنا منه "المجتمع المصري" بغية فهمه واستنطاقة بنموذجه الذي يرضاه لنفسه لا أن تبدأ من نقل نموذج مُنبتّ الصلة عن المجتمع والتمركز حوله معيارا للنجاح ومحاولة إخضاع المجتمع له. فتلك المحاولة مصيرها الفشل ولن تعود على المتصدّين لها إلا بالإحباط الذي يحوّلهم في نهاية الأمر إلى اتّهام المجتمع بالتخلف عن الحضارة بدلا من اتّهام أنفسهم بالتخلف عن المجتمع وانحراف بوصلتهم عنه.

وأجدني وأنا أحاول النظر في طبيعة السلوك الثوري المصري غير قادر على فك الارتباط بين هذا السلوك وبين فيضان النهر, النهر الذي يسري مختلطا بالدماء في عروق كل مصري نبت من طينة ذلك البلد، فالنهر يفيض في موسمه فيضانا عارما يمتزج فيه الهدير بالأهازيج بالغرق بالخصوبة بالمياه التي تغمر الأرض ثم يعود إلى سكونه، وتقصير الناس في الاستفادة من تلك المياه التي غمرت أراضيهم وتقاعسهم عن توجيهها لري أراضيهم وإنماء محاصيلهم لن يكون سببا كافيا لأن يرتد النهر إلى الفيضان في غير موعده ليجبر ذلك التقصير.

وإن كنت أتحدث عن أوان الفكرة فأنا أتحدث عن أوان ترشيد الفيضان الثوري الذي استكان وانفض زخمه ولكنه ترك المياه التي غمرت الأراضي دفقات من المجتمع اندفعت إلى شغل الحيز العام ولكنها كغمرات المياه، ساكنة في انتظار أن يحرّكها القائمون على الزراعة ترشيدا وتوجيها والقائمون على الزراعة هم النخب التي تصدّت للقيام على أمر المجتمع وإصلاحه، ولكي يحدث ذلك الترشيد لابد أن نُطوّر معرفتنا بذلك المجتمع بتنوعاته وبمنظوماته القيمية التي يرى العالم ويتفاعل معه منطلفا منها. فنهضة مجتمع ما لا تكون بأن يتابع ذلك المجتمع "المعايير العالمية" للنهضة والتقدّم فالمعايير العالمية تلك هي بالأساس معايير المتغلّب وهي خاصة به لا تُلزم غيره بل إن إلزام غيره بها هو تكريس لتغلبه، أما النهضة الحقيقية لمجتمع ما تكون باستنطاق ذلك المجتمع بخصوصيته الثقافية والحضارية كمكوّنات للهوية، الهوية التي توجّه طريق النهضة والتقدم الخاصين بذلك المجتمع.

إن الثورة كحلقة من حلقات التدافع والتنازع الأزليين بين الناس والسلطة على شغل الحيز العام، هي ثورة الناس على مؤسسات "الدولة" بغية إسقاطها واستبدالها أو تطهيرها. فمؤسسات الدولة وهي تحتكر القوة يثور الناس عليها حين يصل التدافع إلى نقطة ما قبل اختلال ميزان القوة، ويرتبط استمرار الثورة بمدى قدرة الناس على الدفع في اتجاه قلب ميزان القوة لصالحهم، ويُحكم على الثورة بالنجاح حينما تنجح في تطهير تلك المؤسسات أو إسقاطها وبناء مؤسسات بديلة، أي في بناء معادلة جديدة للقوة. وفي الحالة المصرية لم تكن الثورة على نظام مبارك ثورة على مؤسسات الدولة، فمصر في عهد مبارك كانت "لا دولة". ففكرة المؤسسية في الدولة المصرية تحتضر منذ بداية تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي التي وصف حقيقتها الأستاذ أحمد بهاء الدين حين أسماها "السداح مداح". فالسداح مداح هو عكس فكرة المؤسسية تماما التي تقوم على توحيد معايير القياس التي يُقاس عليها إنتاج الأفراد في خلال تلك المؤسسة ويُقاس عليها أيضا ترقي الأشخاص وتوزيع القوة بينهم داخل المؤسسة على معيار كفاءة ما، والمفترض أن تقترب تلك المعايير من الموضوعية وتبتعد عن الذاتية قدر الإمكان حيث أن الفكرة الأساسية في المؤسسات هي تجاوز التقلبات المزاجية للأشخاص بغية تحقيق استدامة الإنجاز المنوط بهذه المؤسسة أو تلك تحقيقه، غير أن انفتاح "السداح مداح" كان ضد ذلك كله، فمعايير قياس النجاح والترقي لم تكن إلا معيارا واحدا وهو مراكمة الثروة، وهو معيار ليس بحاجة إلى بيان فساده وتأثيره السلبي على منظومة المجتمع القيمية بأكملها، ويكفينا أن نتابع نوعية الإنتاج الفني مثلا في هذه الفترة وعلاقته بنوعية الإنتاج الفني قبلها. وهكذا فقد بدأت فكرة المؤسسات في الدولة في التهاوي منذ بداية تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي ووصل ذلك التهاوي إلى ذروته مع صعود نجم رجال الفكر الجديد في الحزب الوطني الديمقراطي وتمكّنهم من الاستئثار بمراكز القوى في "الدولة" استئثارا جعلهم على رأس المنظومة القيمية في البلاد، وكان كل ذلك يتم بالطبع برعاية ومباركة العائلة الحاكمة لمصر. والأمر لم يتوقف عند فساد المنظومة القيمية والأخلاقية لدى هؤلاء الذين استأثروا بمراكز القوى بل من البديهي أن ينسحب ذلك الفساد على كل من أراد أن يحقق نجاحا في إطار تلك المنظومة.

وحقيقة ما أنجزته الثورة في ذلك الأمر هو تفكيك تلك الكتلة الصلبة الموجودة في أعلى هرم المنظومة القيمية التي تؤول إليها المصالح والقوى. ولكن ليس هذا بكاف، فشبكات المصالح وتوازنات القوى أكثر تعقيدا من ذلك، وطول التعامل مع الفساد أدى إلى تماهي كثير من الناس معه ومع منظومته القيمية، وهؤلاء الذين تماهوا مع الفساد هم العقبة في طريق تقدّم الثورة وسيظلون كذلك حتى يتم تفكيك وإعادة بناء منظومتهم القيمية الخاصة.

ومن هذا المنطلق أتناول حالة تناقشت فيها مع أحد الأصدقاء وهو د. عمرو صلاح ودفعني لتدوينها أستاذتنا د. هبة رؤوف عزت والحالة هي حالة الأحياء الشعبية التي أسكن أحدها وهو حي "المطرية" بالقاهرة. فالحي نشأ أصلا من زحف الريف عليه، حيث يقترب جدا من القليوبية. وكان الحي قديما لا يوجد به سوى قصور الباشوات ومزراعهم، غير أن ماحدث هو زحف من الريف عليه بغية البحث عن الرزق، فتآكلت الزراعة حتى اختفت تماما وحلّت محلّها علب الكبريت الخرسانية، التي لا تشي إلا بأن من بناها يبحث فقط عن أعلى عائد مادي دون النظر لأي اعتبار آخر. وتم هجر القصور والفيلات وتم هدم بعضها واستبدال الأبراج الخرسانية بها. ولسنا في حاجة إلى أن نقول أن كل عمليات التعمير والبناء تلك (وهي في حقيقة الأمر تخريب وهدم) كانت تتم بمعزل عن القانون، القانون الذي يمثله ويقوم على تطبيقه قسم الشرطة، وتناول العلاقة بين قسم الشرطة وبين المجتمع يؤكد لنا على طبيعة مؤسسات "اللادولة" المصرية حيث نستطيع أن نرى شبكة المصالح تلك واضحة جلية في العلاقات التي كان يقيمها قسم الشرطة مع مراكز القوى في المنطقة التي تكون في الأغلب خارجة عن القانون المنوط بقسم الشرطة أن يقوم عليه، فتتحول وظيفة قسم الشرطة من تمثيل الدولة وحماية القانون إلى محاولة إيجاد مكان لنفسه داخل شبكة المصالح المجتمعية في هذه المنطقة أو تلك، ويتحول ضباط الشرطة من ممثلين للدولة قائمين على حمايتها إلى مجرد مجموعة من الأفراد لا يختلفون عن باقي أفراد المنطقة سوى في الزي، يحاولون أن (يمشّوا حالهم) بأن يوجدوا لأنفسهم مكانا في شبكة علاقات القوى في المجتمع الموجودين فيه. والتفاصيل في تجليّات ذلك المسلك كثيرة.

والتفكير التقليدي لإصلاح المناطق الشبيهة، يوجّه الفعل نحو طريقين لا ثالث لهما وهو إخلاء تلك المناطق وتسكين أهلها في تجمّعات سكنية جديدة، تجمّعات سكنية تتشابه وحداتها حد التطابق وكأننا نتعامل مع قطيع لا مع مجموعة من البشر، وهذا الطريق – إن تجاوزنا عن مسألة التنميط تلك – يغفل حقيقة مهمة جدا وهي أن هؤلاء القوم هم من صنعوا بيئتهم ولم تصنعهم البيئة فلا جدوى على الإطلاق من أن تنقلهم في بيئة أو في سياق مختلف، فالذي سيحدث هو أن هؤلاء القوم سينتقلون (هذا إن حدث) بمنظومتهم القيمية إلى المكان الجديد فلا يلبثوا إلا أن يُغيّروا بيئتهم الجديدة لتتوافق ومنظومتهم المعيارية المتجذرة في نفوسهم.

الطريق الثاني يكون بإدخال الخدمات أو تحسينها في تلك المناطق دون نقل أهل المنطقة وهو أيضا طريق يتوجّه إلى إصلاح البيئة ويتجاهل الإنسان، فلا يؤدي إلا إلى إصلاح ظاهري غير متجذّر لا ضمانة لاستدامته.

المشكل أنك إن أردت إصلاح تلك المناطق فلابد أن تُدخل إليهم مؤسسة بمعايير واضحة لقياس النجاح، غير أن هؤلاء القوم ضد المؤسسات، ولم تُفلح أي مؤسسة في الدخول بينهم بل على العكس هم يفككون المؤسسات ويُخضعونها لمعاييرهم هم (فما ينطبق على قسم الشرطة ينطبق على المدارس وباقي المؤسسات بأشكال مختلفة). الحل في أن يتبنّوا هم مؤسسة ما تخاطب بمعاييرها فطرتهم، تلك الفطرة التي لا يزالون على اتصال بها حتى مع ما بالمنظومة القيمية من فساد، فهم قوم يكرمون الضيف ويوقرّون الكبير ويعطفون على الصغير ويتعاونون فيما بينهم. لذلك فإن المؤسسة الوحيدة التي يُمكن أن يتقبلها القوم ويعتبروا بها هي مؤسسة تنبت من تلك الفطرة وتتوجه إليها. والمؤسسة التي تستطيع القيام بذلك هي مؤسسة المسجد.

مؤسسة المسجد التي تحوّلت للأسف من مؤسسة مركزية في المجتمع، إلى دكّان يُمارس فيه النشاط الروحي فقط وتنحّت تلك المؤسسة تماما عن مكانها في مركز الحيّز العام. وعن دورها في ضبطه واكتفت بكونها دكانا وتحوّل إمام المسجد من قيـّم على منظومة القيم في مجتمع المسجد إلى موظّف بساعات عمل / ورديات محددة، هو يأتي ليفتح الدكّان/المسجد. يقضي ورديّته/الصلاة ثم يغلق الدكان/المسجد وينصرف، ويكون في الغالب ذلك الشيخ ليس من سكان المنطقة، وقد يكون من سكان الريف مثلا فلا يستطيع أن يقيم كل الصلوات، فيوكل لأحد أهل المنطقة أمر إقامة الصلوات ويكتفي هو بإمامة صلاة الجمعة ويقضى بضعة شهور ثم تأتي حركة التنقلات لتنقله إلى مكان آخر وتأتي بغيره. وتوجهي الآن إلى الإسلاميين الذين ينشدون أناشيد النصر أو الشهادة وينذرون أنفسهم لمحاربة العلمانية وتطبيق الشريعة ويفدون المادة الثانية بأرواحهم ويبارزون بعضهم البعض بالتقعر بالمصطلحات، أقول لهم يا أصدقائي الأعزاء إن انسحاب مؤسسة المسجد من شغل الحيّز العام واكتفاءها بدور الدكّان يُمارس فيه النشاط الروحي هو جوهر العلمانية وحقيقتها حتى وإن لم تتسمّى بذلك، فالعبرة ليست بالمصطلح إنما العبرة بالحقيقة على الأرض.

الحل أن يعود للمسجد دوره المركزي في مثل تلك المجتمعات، وهو أمر ليس بالعسير خاصة في ظل ارتخاء القبضة الأمنية للدولة التي كان لها دور كبير في الحيلولة بين المسجد وبين ممارسة دوره الحقيقي. وبم أن الإخوان منشغلون بالانتخابات والسلفيون مشنغلون بمليونية اللحية، فالمسؤولية تقع على عاتق المجتهدين من المسلمين الذين يحملون همّ بناء المجتمع المسلم. عليهم أن يتواجدوا هم في المساجد ويعمّروها بأن يكون المسجد هو منطلق إقامة مختلف الأنشطة الطقوسية وغير الطقوسية بغية إعادة الناس للمسجد وإعادة المسجد للناس دارا للعبادة، والعلم، والتثقيف والاجتماع، والترفيه أيضا.




باسم زكريا السمرجي
24/9/2011

الثلاثاء، ١٣ سبتمبر ٢٠١١

أنا متفائل

أحسب أن اليأس والإحباط لا يغزو أي منهما قلبي إلا بعد أن يطمأن أن الإيمان فيه هزلت جنده وارتعشت دعائمه. فكيف يُحبط من آمن بالله وأسلم له؟! أليس الإسلام استسلاما لله يُسلّم المسلم فيه نفسه لخالقه الذي بيده كل شيء تسليما يحرره من كل تعلّق بمن وبما لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا؟ أليس الإسلام استسلاما لربّ هو في قدرته رحيم، وفي عدله حليم؟ أليس الإسلام استسلاما لربّ خلق فأبدع، وكلّف فأعان, وعُصي فأمهل؟ أليس الإسلام استسلاما لربّ وعد بالدفاع عن المؤمنين، وتوعّد من عادى من عباده الأولياء المحسنين؟ أليس الإسلام استسلاما يحرّر العبد من التعلّق بالأشياء والتوقف عند المباني ويطلق روحه لتحلّق في فضاء المعاني، لتنساب في عالم متجاوز للزمان والمكان، حيث لا هناك ولا هنا لا أين لا كيف لا متى, عالم المقصد فيه سعيٌ والسعيُ فيه اقتفاء لمقصد لا تكتمل حلقته إلا حين يرى الإنسان اليقين رأي العين ملائكة – نرجوها ملائكة رحمة – تصحب الروح في رحلة العودة إلى حيث تنتمي، إلى السماء.



يجتهد الأب – مستدعيا كل قوّة مستنفرا كل سلطة – في تربية ابن واحد، فكم أب سار ابنه حقا على المسار الذي رسمه له أبوه مسارا واحدا "صحيحا" واجتهد كي لا تحيد قدم ابنه عنه ولا ترى عينه سواه؟! فكيف بمن ارتضوا لأنفسهم موقع المسؤولية عن مجتمع, وليس لهم سلطان عليه إلا بقدر ما أراد ذلك المجتمع؟ إن كان عمل هؤلاء الذين احتملوا على أنفسهم مثل تلك المسؤولية للمجتمع فقد اختاروا لأنفسهم أن يسابقوا الريح والأغلال تكبّل أياديهم وأرجلهم، أما إن كان عملهم لرب المجتمع وربهم انطلقوا وحلّقوا وتخففوا، والله إما أن يُريهم نصرا دنيويا يثلج صدورهم، أو يحبس عنهم ذلك لآخرة لا يفنى فيها النعيم، ولنتذكر أن من الأنبياء من لم يؤمن به أحد ويأتي يوم القيامة وليس معه أحد، وهو نبي أي من أفضل الخلق.



كيف كانت مصر قبل الثورة؟ هل نبالغ إن قلنا أن انسداد الأفق كان حالنا وحالها؟ كنا جيلا عاش ولم يرَ سوى مبارك رئيسا، وكنا نتصوّر أننا سنموت جميعا وهو ما زال رئيسا، وكأن له مهمّة مقدّسة تتعلق بالإشراف على صعود أرواح جيل من المصريين إلى باريها. كثير منّا نحن الشباب كان يفتّش في "أهرام الجمعة" عن أي فرصة للعمل خارج البلاد. وشبكة المصالح العنكبوتية تقف حائلا بين المرء وبين الوصول إلى فرصة عمل تكفل حياة كريمة. كثير منّا كان يحاول أن يتكيّف مع فكرة أننا تحوّلنا إلى أشياء توّرث. كثير منّا كان يخجل أن يجاهر بمصريته ويضع مكان صورته الشخصية على "الفايس بوك" صورة العلم المصري والنسر فيه يتوسّط نجمتي داوود في إشارة لمواقف الدولة المصرية المخزية من القضية الفلسطينية. كثير منّا كانت تختلط عليه مشاعر الغثيان والتوجس حين المرور أمام قسم شرطة.



وأين نحن الآن؟ مبارك ونجليه محبوسان، حبيب العادلي ومعاونوه في القفص. تولّت مؤسسة القوات المسلّحة المهيبة إدارة شؤون البلاد ويكفي أن نسمع اهتزاز نبرات أصواتهم – حتى وإن بدا فيها تماسكا عسكريا مُتكلّفا – حتى نعلّم أين اتجاه ميزان القوة الحقيقي. قمنا بعمل "نمرة مصرية" بدون الدخول في التفاصيل لم تتعد "شوية لبش" عند السفارة الإسرائيلية قد أختلف مع بعض تفاصيل أحداثها غير أن نتيجتها كانت أن تسابق كبار القادة الصهاينة على إعلان أن السلام مع مصر خيار استراتيجي، ذلك التسابق الذي وإن كان قال المنبطحون أمام نظرية المؤامرة أن ذلك التسابق هو جزء من المؤامرة الكونية التي يديرها مجموعة من البشر في قبو سرّي على أضواء الشموع وأن تلك اللغة الرقيقة من الصهاينة هي محض ادعاء فنرد عليهم بكلام قال مثله د. عزمي بشارة ونقول أن في السياسة لا يوجد ادّعاء فأنت ما تدّعيه.



لم يكن يتحقق ذلك إلا حين خرجنا ممتطين أرواحنا شاهرين إيماننا بالله، بوطننا، بأنه لا نصف حياة، فالحياة إما أن تكون حياة بحرية .. بعدل .. بكرامة وإما أن تكون لا حياة.



نحن منتصرون، ومتقدّمون نسير بل نعدو صاعدين، ننكفئ على وجوههنا فتقيمنا مرة أخرى عناية الله طالما اقتفيناها، ركونا إلى قدرة خالق رحيم بعباده المقتفين ركونا غير مقعد عن العمل بل محفّزا له، متجاوزا لمحاولات القائمين على إدارة شؤون البلاد أن يغرقونا في التفاصيل إغراقا يعظم أمام أعيننا أمورا صغارا تعمينا عن رؤية صورة مجملة بديعة تحفّز على العمل على التفاصيل.



الإحباط واليأس يكون لمن تعلّق بالنتائج لا بالسعي، يكون لمن تعلّق بالدولة لا بالوطن، يكون لمن تعلّق بالوسائل لا بالمقاصد.

وأنسحب هنا لأفسح المجال لأستاذ أساتذتي علي عزت بيجوفتش وأقتبس من كلامه البديع عن التسليم لله من كتاب الإسلام بين الشرق والغرب حيث يقول رحمه الله:


" من المؤكد أن واجب الإنسان هو أن يبذل جهده لتحسين كل شيء في هذا العالم بمقدوره أن يحسّنه. ومع ذلك، فسيظل أطفال يموتون بطريقة مأساوية حتى في أكثر المجتمعات كمالا. والإنسان على أحسن الفروض قد يستطيع أن يقلل من كم المعاناة في هذا العالم. ومع ذلك، سيبقى الظلم والألم مستمرين، ومهما كانا محدودين، فلن يتوقفا عن أن يكونا سببا للتجديف والانحراف ... التسليم لله أو التمرّد – إجابتان مختلفتان للسؤال نفسه

الاعتراف بالقدر، استجابة مثيرة للقضية الإنسانية الكبيرة التي تنطوي في جوهرها على المعاناة التي لا مردّ لها .. إنه اعتراف بالحياة على ما هي عليه، وقرار واع بالتحمّل والصمود والتجمّل بالصبر.

ذلك لأن التسليم لله هو ضوء يانع يخترق التشاؤم ويتجاوزه."


قد تكون الصورة ضبابية ولا نعرف ماذا نعمل، ولكن المهم أن نعمل، وبالثقة والأمل ومن قبلهم التوكّل على الله والإخلاض له نستدلّ على ما نفعل. ونضع أمام أعيننا قول الشيخ أحمد بن عطاء الله السكندري: "من علامة الاعتماد العمل: نقصان الرجاء عند وجود الزلل"




أنا متفائل J




باسم زكريا السمرجي

13/9/2011

السبت، ١٠ سبتمبر ٢٠١١

خواطر مُحبَط

لا أحب ولا أؤمن بم يسمى بالانقطاع التاريخي، فالتراكم التاريخي حقيقة لا يُمكن الفكاك منها، ولا أقصد هنا أن يُسجن الإنسان في مسارات مستقيمة تُفضي إلى حتميات مُحددة تحددها الخبرات التاريخية السابقة، فهذا يُنافي تماما ما أومن به من إقرار لمبدأ الحرية الإنسانية التي هي مناط الاستخلاف والمسؤولية والمحاسبة. غير أنه حتى وحين يتخّذ الإنسان أكثر القرارات راديكالية ويُقرر أن يغيّر ما يُتصوّر أنه مصير حتميّ لابد أن تُفضي إليه خبراته التاريخية السابقة فإن هذه القرارات الراديكالية تنصبغ على بعض المستويات بصبغة التراكم التاريخي.

وفي رأيي، نستطيع بالنظر في التراكم التاريخي المصري أن نُفسّر السلوك "الثوري" المصري. وأنا لا أستطيع أن أتجاوز عن قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وما لاقاه من قومه "الشعب المصري" الذي فاق كثيرا ما لاقاه من فرعون "السلطة المصرية". ولا أستطيع أنا أتجاوز عن التشابه الذي يصل حد التطابق بين سلوك قوم موسى بعد أن نصرهم الله على فرهون وبين سلوك الشعب المصري بعد أن نصرهم الله على مبارك.

فبعد أن منّ الله على الذين استُضعفوا في الأرض ونصرهم على الذين استكبروا وأراهم آياته ومعجزاته (كما أرانا في الثورة المعجزات التي لا يملك أحد ادّعاء أنه تنبأ بها أو قادها) بعد كل ذلك، وبعد أن أذن الله لبني إسرائيل في عبور البحر وأراهم فرعون غريقا (مبارك محبوسا) – آية من الله تعالى – وصلوا للصحراء وجاعوا وعطشوا، فطلبوا من موسى عليه الصلاة والسلام أن يحضر لهم ماء، فدعا الله أن يسقيهم فأوحى له الله أن يضرب بعصاه الحجر فانفجر لهم من الحجر اثنا عشر عينا يشربوا منها كما أرسل عليهم طعاما من السماء "طيور السمّان والعسل" كانت تنزل عليهم من السماء يأكلونها دون تعب. ولكنهم سئموا فطلبوا من موسى عليه الصلاة والسلام أن يأكلوا عدسا وفولا وبصلا وثوما فاستعجب موسى أن يطلب قومه الأدنى بديلا عما هو خير وأمرهم أن ذلك في الأرض فليزرعوا وليأكلوا. ثم مرّوا على قوم مشركين يعبدون أصناما فطلبوا من موسى عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم إلها كما أن لهؤلاء القوم آلهة (ومازالت عصا موسى التي غلب بها سحرة فرعون أمامهم في يده، ومازال منظر فرعون وجنوده غريقا منطبعا في أذهانهم، ومازالت أقدامهم لم تجف من أثر البحر الذي عبروه!!) فغضب موسى عليه الصلاة والسلام من شدة جهلهم واحتدّ عليهم وبيّن لهم ما في ذلك من كفر.

ثم الطامّة الكبرى حين واعد الله موسى عليه الصلاة والسلام ليلقي إليه الألواح ويبيّن له الحلال والحرام، فذهب موسى لميقات ربه وترك قومه وأقام هارون أخيه عليه السلام فيهم. فماذا فعل بنو إسرائيل في غياب موسى عليه الصلاة والسلام؟ .. قام من بينهم رجل يُدعى "السامري" صنع عجلا من الذهب الذي خرجوا به من مصر، وكان العجل مجوّفا ووجهه تجاه الريح حيث إذا جاءت الريح أحدثت فيه صوتا يشبه صوت العجل الحقيقي، وقال لهم السامري أن هذا إلهم وإله موسى فأعجبوا به واتخذوه إلها (شوف الخيابة!!!!!) ولم يستطع هارون عليه السلام أن يردّهم وخشي أن يأخذهم بالشدة فيتفرّقوا. ثم عاد موسى عليه الصلاة والسلام فغضب أيّما غضب وأحرق العجل وألقاه في اليم وعوقب بنو إسرائيل ثم عفا الله عنهم بعد ذلك ولم يتوقفوا عند ذلك بل توالت حلقات مسلسل حمق بني إسرائيل وجهلهم على أنبيائهم وحلم الله عليهم، غير أني اخترت تلك الحكاية لأنها قريبة الشبه بما حدث في الثورة عقب تنحّي مبارك/غرق فرعون.

المشكل أن مصر لم تكن دولة، خاصة في الثلاثين سنة الأخيرة. بل كانت شبكة علاقات ومصالح بين مجموعة أفراد تتكامل علاقاتهم لتتكامل أطراف القوة التي يمتلكونها، ونستطيع أن نرى شبكة العلاقات تلك واضحة جلية في قسم الشرطة (رمز الدولة) خاصة في المناطق الشعبية والعلاقات التي يقيمها مع مراكز القوى في المنطقة حتى لو كانوا خارجين عن القانون (بل يكونون أصلا خارجين عن القانون) القانون المنوط بقسم الشرطة أن يقوم عليه، فتتحول وظيفة قسم الشرطة من تمثيل الدولة وحماية القانون إلى محاولة إيجاد مكان لنفسه داخل شبكة العلاقات المجتمعية في هذه المنطقة أو تلك، ويتحول ضباط الشرطة من ممثلين للدولة قائمين على حمايتها إلى مجرد مجموعة من الأفراد يحاولون أن (يمشّوا حالهم) بأن يوجدوا لأنفسهم مكانا في شبكة علاقات القوى في المجتمع الموجودين فيه.

ومن الطبيعي أن ينتج عن تلك الرخاوة التي كانت عليها "الدولة" المصرية أن يستشري الفساد الإنساني (ليس فقط الفساد المالي أو الإداري أو السياسي) في عروق أغلب المصريين، فنظرا لتشابك العلاقات وتشعّبها وقيامها على أساس الأفراد وليس المؤسسات، فإن الفساد لم يتوقف عند حدود مؤسسة يمكن استئصال الفاسد منها أو حتى إحلالها إحلالا تامّا وإنما كلّ منّا طاله خبث ذلك الفساد إلا من رحم الله، وصار إصلاحه إصلاحا شاملا عصيّا على طاقة البشر، والثورة وما حدث فيها من معجزات تخرج عن التخطيط البشري خير دليل. وحتى وإن تحدثنا عن عبقرية العقل الجمعي المصري وتفاعله مع الثورة فلا يجب أن نغفل أن "المليونيات" كانت حافلة بالموضات والتقليعات ومحاولات جذب الكاميرا من "الثوّار". وذلك يفسّر ما حدث بعد الثورة من الذين ارتضوا العجل إلها، وهو لم يكن عجلا واحدا بل كل مجموعة اتخذت عجلا يحدث خوارا مبهرا لهم يجعلهم يقولون هذا إلهنا وإله الثورة. فالدستور أولا، الانتخابات أولا، السفير الإسرائيلي، حد أدنى للأجور، الجيش والشعب إيد واحدة ... إلخ ويلتف كل مجموعة حول مطلب من المطالب أو رؤية مجتزأة ويدّعون أن تلك هي الثورة وأنهم هم الثوار، ولا أحد يعلم حقيقة الثورة وأنها أشمل من كل ذلك وتحتوي كل ذلك ولا تكتمل إلا باكتمال كل ذلك.

حينما أنهيت دراستي الجامعية منذ عامين تقريبا كان المجال مفتوحا للبحث عن فرصة عمل في إحدى دول الخليج غير أني أعلم عن نفسي أنني لن أستطيع أن أحيا خارج مصر، فالسمك لا يعرف أن يعيش خارج المياه حتى ولو كانت "مياه مجاري" وهذا لم يتغيّرغير أني ربما أكون وصلت الآن لتصوّر وهو أن الثورة سيُنجزها الله إلى الحد الذي أراده، وليس في طاقة أحدنا أن يحدد كيف تُنجز ويقوم على تحقيق تلك الكيفية. لذلك فمن الأفضل لي ألا أقيّد نفسي بوجوب العمل من أجل الثورة أو ما شابه، بل علي أن أعمل من أجل نفسي تحقيقا لمراد الله مني وللمدخل الذي كتبه الله علي لتحقيق الاستخلاف وإعمار الأرض، ذلك المدخل الذي إن تقاطع مع مسار الثورة فبها ونعمة، وإن لم يتقاطع فهذا قضاء الله. ذلك المسار الذي إن تطلّب سفرا خارج البلاد – دون هجرة – وإن لم يتطلّب فهذا أو ذاك أمر الله.

أحب مصر وأحب المصريين إجمالا دون تفصيل وأحمد الله أني أحيا في ذلك البلد الذي يحيا قصة الإنسان بتقلباته وتركيباته وتعقيداته، ذلك البلد الذي نظرا لما يحمله من تركيبات وتعقيدات ومضحكات مبكيات مؤهَّل لأن يكون مؤهِّلا لإنبات الشعراء والمفكرّين والمتأملّين.


رحم الله العبقري جمال حمدان



باسم زكريا

10/9/2011

الثلاثاء، ٢٣ أغسطس ٢٠١١

عن التيار الرئيسي المصري

خلقنا الله شعوبا وقبائل لنتعارف، والتعارف ليس مقصورا على تبادل بطاقات التعارف، بل هو عملية تفاعل إنساني بين أطراف إنسانية مختلفة تتفاعل في إطار التعارف الذي يُنتج اتزانا إيجابيا يدفع الأطراف المختلفة – التي اقتنعت بامتلاك كل منها لطرف من أطراف الحقيقة لا الحقيقة كاملة – دفعا إلى الأمام نحو تكوين تصورات أكثر اكتمالا عن العالم. والنقاش كصورة من صور التفاعل الإنساني ليس الهدف منه الانتصار لطرف على آخر لأن "الحقيقة المطلقة" هي ليست جزء من الحياة بل هي متجاوزة للحياة وليس لأحد الحق في احتكارها فكل إنسان يحيا تجربته الإنسانية الخاصة جدا التي لا تتكرر ولا يصح أن تُعمم، لذلك فإن هدف النقاش والحوار وكل صور التفاعل الإنساني ليس إنتاج اتزانا صفريا (إما ... أو ...) إنما هدف التفاعل الإنساني بشتى صوره هو الإثراء المتبادل بين التجارب الإنسانية الذي يُفضي إلى اتزان إيجابي يدفع نحو تكوين رؤى أكثر اكتمالا عن العالم والحياة.

كتب المهندس طارق سعد مقالا بعنوان " التيار الرئيسي ،والمصري. خطوات نحو طمس التعددية السياسية المصرية" على هذا الرابط (http://tinyurl.com/3q6kscu) يهاجم فيه فكرة مبادرة إعادة إحياء التيار الرئيسي المصري التي أطلقها بشكلها الحالي نفر من المفكرين المصريين الذين كانوا يعملون في نفس الإطار قبل الثورة، ولكن – بالطبع – كان مجهودا غير منظور كونه كان مجهودا في مساحة التحريك. أما بعد الثورة وما بدأته من انتقال من مساحة التحريك إلى مساحة تحرير تكتمل أشواطها يوما بعد يوم لتسلّمنا إلى مساحة البناء، رأى هؤلاء المفكرون المصريون أن إطلاق مثل تلك المبادرة بهذا الشكل وفي هذا السياق هو الحل الأكثر اتساقا مع الفطرة الإنسانية، وهو الطريق الأكثر اقترابا من مسار الثورة الإنسانية المصرية البديعة. وأنا حين أكتب عن المبادرة لا أكتب من موقع المسؤول عنها، وإن كنت لا أخفي اقترابي منها أيام الثورة وما بعدها. ولا أكتب لأهاجم المهندس طارق سعد هجوما مضادا، وإنما أكتب من موقع الراصد المتابع، أحاول أن أتفاعل مع طرح المهندس طارق حتى نقدم معا تصورا أكثر اكتمالا عن المبادرة.

أولا: طرح التيار الرئيسي كما أفهمه ليس طرحا "بعد أيدولوجي" يتنكّر للأيدولوجيا ويراها مرحلة من مراحل "التطور الدارويني" للفكر الإنساني التي ولّى زمنها وأفضت جميعها إلى النموذج الأكثر اكتمالا وهو النموذج الأمريكي في أغلب الأحوال. ولكنه طرح " قبل أيدولوجي" أو ما أسميه "فوق أيدولوجي" فهو طرح لا يقف عند الأيدولوجيات كرؤى كونية مقدّسة في ذاتها بل يعود بها خطوة إلى الوراء نحو النموذج المعرفي الكامن وراءها والمُستبطن فيها، يستلهم رحيقها ويُقرّ بما حملته كل الأيدولوجيات من بحث عن تحقيق السعادة الإنسانية، ويرفض ما لحقها من خَبَث المعايير المادية المرتبطة بالنسق المعرفي المهيمن على الفكر الإنساني الآن منذ النهضة الصناعية، تلك المعايير المادية التي حوّلت الإنسان إلى شيء والكون إلى مادة استعمالية. يحرر الطرح الفوق أيدولوجي الفكر الإنساني من التمترس خلف المصطلحات والأيدولوجيات الوضعية دخيلة الصنعة على نفسه، وينطلق به إلى رحابة المقاصد الكبرى والفطرة الإنسانية أصيلة الخلق في روحه الربّانية، وهذا – فيما أفهم – ما يتبنّاه التيار الرئيسي من طرح فكري.

ثانيا: يظن المهندس طارق أن المبادرة تحاول استغلال فكرة المستشار البشري والتي كتبها منذ سنوات في كتاب نُشر مؤخرا تحت عنوان "نحو تيار أساسي للأمة" استغلالا إعلاميا، وبالتالي هو يحاول مخلص النية صادق القصد أن يُدافع عن فكرة المستشار البشري. غير أن فكرة المستشار البشري، وهو أستاذ أساتذتي، ليست المنبع الوحيد الذي استلهم منه القائمون على المبادرة أفكارهم وحركتهم. فالمستشار البشري يُقدّم طرحا فكريا سياسيا نخبويا يُحاول فيه أن يلمّ شتات الاستقطاب والتناحر الفكري ليتشكل في النهاية تيارا فكريا أساسيا للأمة.

بينما مبادرة التيار الرئيسي هي بالأساس حركة شعبية اجتماعية أو ما يمكن أن نسميها Grassroots Movement تبدأ من البناء المجتمعي الشعبي نحو بناء نخبة جديدة مرنة تنبت من المجتمع، تُرشّد حركته، تحل محل النخبة الصلبة المؤدلجة التي هبطت على المجتمع من سماء نظريات صمّاء تحاول إرشاد حركة المجتمع في إطارها الضيق الخانق لإنسانية المجتمع.

ليست الأزمة المصرية أزمة نخبة، بل إنها أكثر تعقيدا وتشابكا، فعقود طويلة من تفريغ المصري من إنسانيته لم يزل أثرها بالكلية بلحظة الثورة وفورتها، بل إن الثورة كانت لحظة إيقاظ مفاجئ لجوهر إنسانية استعصى على التغييب، وتلك اللحظة لابد أن تٌستثمر ويُبنى عليها فهي لا تعدو كونها فتحت الباب للبناء وأزالت عوائقه، وبالتالي فمبادرة التيار الرئيسي المصري ليست مبادرة تهدف لخلق "تيار" جديد بل تهدف إلى تمكين المجتمع ليس فقط من اختيار تيارا مطروحا أمامه، بل ترمي إلى أبعد من ذلك حيث تهدف إلى تمكين المجتمع من خلق تياره، تيارا مصريا أصيلا ذو مرجعية شعبية خالصة. فليس التيار الرئيسي تيارا سياسيا بالأساس – وإن كان لا يغفل أهمية السياسة وضرورة تواجد الوجه السياسي له – وليس من أهدافه تطييب الخواطر وتقبيل الرؤوس مع الاحتفاظ بالخناجر في أماكنها التقليدية خلف الظهور، وليس من أهدافه إبرام الصفقات السياسية أو الانتخابية, وليس التيار الرئيسي طريقا يسير فيه المجتمع بل هو الشعلة والنبراس الذي يهتدي بضوءه المجتمع في أكثر الطرق وعورة، وفي هذا يتبنى التيار الرئيسي طرح "الديمقراطية التشاركية" Participatory Democracy حيث لا تتوقف علاقة المواطن بالوطن عند صندوق الانتخاب أو عند دفع الضرائب، بل تستمر مراقبة ومحاسبة ومشاركة في صنع القرار، وهذا هو ما أراه الاستلهام الحقيقي لروح الثورة حيث كان الشعب حاضرا متجاوزا لنخبه وقيّما عليها.

ثالثا: يوجه المهندس طارق النقد لفكرة أن يتصدى بعض الأفراد لمثل فكرة التيار الرئيسي، ويرى أن مثل تلك الأفكار الفطرية لا يجب إلا أن تنمو نموا عضويا تلقائيا وإلا فقدت صفة الفطرية ولم تكن إلا محاولة من المحاولات لتوجيه الشعب في اتجاه بعينه. وأنا أتفق جزئيا مع تلك الفكرة فالأفكار الإنسانية الفطرية تنمو نموا عضويا، بشرط التيقظ لوجود البذرة وريّها، وهذه هي وظيفة المفكرين الحقيقيين، أن يتيقظوا للبذرة ويرشدوا الناس عليها ويروونها ريّا. ولهذا بعث الله الأنبياء والرسل يردّوا الناس لفطرة الله التي فطر الناس عليها، ووظيفة التذكير والرعاية تلك لم تنته عند الأنبياء بل امتدت بعد ذلك إلى العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين هم الطائفة التي نفرت من كل فرقة تتفقه في الدين وتنذر قومها إذا رجعوا إليهم. والداعون لمبادرة التيار الرئيسي المصري بتصدّيهم لهذا العمل هم يرفعون سقف توقعات المجتمع منهم إلى منتهاه، وهم ارتضوا حمل أمانة التحقق بحقيقة المفكر التي لا تقف عند إنتاج الأفكار والنظريات بل تمتد إلى ترشيد الأفعال في اتجاه الأفكار الإنسانية الفطرية. هم لم يدّعوا تمثيل التيار الرئيسي المصري ولم يدّعوا لأنفسهم حق القوامة على الناس، فالتيار الرئيسي هو "المنظم و المراقب لنشاطات المجتمع السياسي" وهو حال تكوينه سيكون القيّم عليهم وعلى غيرهم وقد يستبدلهم ويأتي بغيرهم. الأمر فقط كان بحاجة لمن ينبه الناس لمكان البذرة ويدفع ثمن أول ريّة.

رابعا: إن مبادرة التيار الرئيسي المصري ليست مبادرة تنفيذية تقليدية مركزية ولا هي فكرة هائمة في فراغ الأفكار بل إنها مظلة مبادئية يعمل تحتها تنفيذيا عدد من المبادرات والأفراد، وحقيقتها على الأرض في المبادرات والأفراد المؤمنين والمتصلين بها أعلى مما يظهر في قنوات الاتصال المختلفة بكثير. فالقائمون على المبادرة يؤمنون بما أورده المهندس طارق في مقاله بأن "المجهود الحقيقي المطلوب لإنعاش التيار الأساسي في أي مجتمع هو العمل الجاد على تصحيح بنية الحياة السياسية ، ومتابعتها بإزالة شوائب الفساد والممارسات غير النزيهة، ثم ترك الأمور تسير في مجراها الطبيعي." (غير أني أود أن أضيف أن المجهود الحقيقي ليس مطلوبا في الحياة السياسية، بل هو مطلوب بالأساس في الحياة المجتمعية، في الحياة عموما التي إحدى تجلياتها الحياة السياسة) لذلك كان اختيار القائمين على المبادرة ألا يتم إغفال الوسائل الإعلامية لكن ألا يُتوقف عندها، فلابد أن تظل الوسائل الإعلامية وسائل لا غايات، فالغاية هي العمل على الأرض والتغيير على الأرض وهو ما يحدث من خلال الأفراد والمبادرات المتبنّين لأفكار ومبادئ التيار الرئيسي المصري.

في النهاية أشكر المهندس طارق على تفاعله مع الحالة وأعذره على هجومه بصدقه وحرصه على التيار الرئيسي للوطن.



باسم زكريا
باحث بمركز المربع للدراسات الإنسانية والاستراتيجية
23/8/2011

الأحد، ٢١ أغسطس ٢٠١١

عن التوحيد ... طريق الحرية

يقول الله تعالى في أول سورة النحل: "أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" وهي آية مُعجزة، تعجز اللغة عن ريّ ظمئي لاكتشاف معناها الحقيقي، فأمر الله تكلم فيه المفسرون أنه "القيامة"، غير أن القيامة عندي ليست مجرد نهاية العالم، وليست مجرد اليوم العظيم الذي يُحاسب فيه الناس على ما قدّموا، فالقيامة هي الأبد الذي ينتمي إليه الإنسان أصلا. هي الحقيقة، كما كان الخلق حقيقة. فالإنسان مخلوق خلقا متجاوزا للزمان والمكان، حين قال الله لملائكته "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" وحين نفخ الله الروح في آدم وحين أخذ الله الميثاق من بني آدم "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا" فالخلق لم يكن "عملية صناعية" نرصد خطواتها ونتائجها. وما ورد في القرآن عن مراحل تطور الجنين ليس مراحل خلق بل مراحل تطور الشكل البرّاني لهذا الكائن الإنساني، أما الخلق، فهو حيث نفخ الله الروح في هذا الكائن في الأزل، وكرّمه ورفعه من كائن حي إلى كائن إنساني باختياره للخلافة التي مناطها المسؤولية الإنسانية التي لا تستقيم إلا بالاعتراف بالحرية الإنسانية، الحرية التي هي الأمانة التي اختار الإنسان أن يحملها. فكان أمر الخلق بين الكاف والنون، كما أن أمر الله الذي "أتى" هو بين الكاف والنون أيضا لا يخضع لحساباتنا المحدودة بقدراتنا التي حين لا نرى العالم إلا من خلالها "نستعجل" ما قد أتى بالفعل.

تثير هذه الآية من سورة النحل في نفسي التساؤل أكثر من أن تقدم لي أجوبة، إنها آية تفتح القلب للدهشة والتساؤل، تساؤل لا يُرشد إلى إجابة تنهيه بل تساؤل يفتح آفاق القلب والعقل للتحليق في مساحة تتوحد فيها الأسئلة والأجوبة وتتصل، أسئلة عن حقيقة الحياة الدنيا وعن مدى دناءتها، وعن الحياة ذاتها وكنهها، وعن الرحلة وأين بدأت وأين تنتهي، وهل هي رحلة على خط مستقيم نبدأ فيها من مكان لننتهي إلى آخر، أم أنها رحلة دائرية ننتهي فيها حيث بدأنا، أم أنها رحلة ساكنة نظن فيها أننا نتحرك بينما الحقيقة أننا غفونا فظننا أننا نتحرك وسنفيق لنجد أنفسنا لم نفارق ما بدأنا منه، لذلك دلّنا رسول الله صلى عليه وسلم على الكياسة حين قال: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" فالكيّس هو الذي علم الحقيقة وعمل لها حتى وإن كان جسده يحيا في الوهم فروحه مُحررة تحيا في الحقيقة وتسعى إليها، حتى لا يكون كالعاجز الذي أتبع نفسه هواها وسلّم روحه السماوية التي تنتمي إلى عالم الحقيقة لنفسه الأرضية التي تنتمي إلى عالم الوهم فيستيقظ حين يستيقظ لتفجؤه غفلته ويُذهل من مدى التفاوت بين الوهم والحقيقة.

ترشدنا تلك الآية وما يحيط بها من معانٍ إلى جوهر التوحيد فلا إله إلا الله، ولا حق إلا الله، ولا حقيقة إلا ما عند الله. ولا تحرير إلا في تعبيد النفس لله، فنحن حين نبدأ شهادة التوحيد نبدأها بالرفض، نرفض الواقع، نرفض الوهم، نتخلص من الشوائب، نتحرر من الأثقال لنحلّق في فضاء التوحيد حيث الله وحده ربّنا، متساوون جميعا أمامه، لسنا بحاجة لأن نسأل من سواه ولسنا بحاجة لأن نتعلق بما دونه. هو الله الحق الذي حجب الحق عن إدراك الخلق، فلا مبرر لأن يستبد أحد برأيه على أحد ولا أن يستعبد أحد أحدا، هو الله الذي خلقنا وجعل معيار التفاضل بين الخلق هو "التقوى"، تلك التقوى التي لا يعلم حقيقتها إلا المطّلع على خفايا النوايا وأسرار القلوب سبحانه. حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" فالقلب هو محل نظر الرب وهو مناط الإخلاص، الإخلاص الذي لايدرك حقيقته إلا الله سبحانه وتعالى حتى أن في الأثر ما معناه أنك إن ظننت في نفسك الإخلاص فاتهم إخلاصك، فلا إله إلا الله لا تحررنا من المخلوقات فقط، بل تحررنا حتى من أنفسنا ومن هوانا، فالحكم على الناس وحتى على أنفسنا ليس في استطاعتنا لاحتجاب الحق عنا، وما أَمِرنا إلا بحسن الظن في الخلق حيث ورد في الأثر: "لنا الظاهر والله يتولى السرائر". ويصح في هذا المقام أن نذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم حيث قال: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألى عليّ أني لا أغفر لفلان، قد غفرت لفلان وأحبطت عمله" وفي بعض روايات الحديث أن ذلك الرجل الذي تألى على الله "أنه لن يغفر لفلان" كان من العبّاد وذلك "الفلان" كان من العصاة، وأن العابد اشتد على العاصي في النصيحة حتى قال له العاصي "دعني وربي" فرد عليه ذلك العابد بالرد الوارد في الحديث. وفي الحديث فائدة لطيفة، فكيف أن كلمة واحدة أحبطت عمل ذلك العابد وكلمة واحدة غفرت لذلك العاصي دون حتى أن يستغفر أو يطلب التوبة، فكأن الله نظر إلى قلب ذلك العاصي فوجده يئن منكسرا لله يطلب العفو والمغفرة (حتى وإن لم ينطق لسانه إلا بـ "دعني وربي" وهي على بساطتها وتلقائيتها إلا أنها تحمل جوهر المعنى). ونظر إلى قلب ذلك العابد فوجده خاويا متكبرا يعبد الله عبادة ميكانيكية اعتاد عليها دونما انكسار في القلب. وفي هذا يأتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكدا حيث يقول: "والذي نفسي بيده لا يدخلن الجنة أحدكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسولالله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" في دعوة صريحة للتعلق التام بالله والانكسار التام لله ولله وحده والتحرر التام من ربق عبودية للمخلوقين وحتى للنفس تحررا في سبيل الحرية التي لا تبدأ إلا بالعبودية لله.

إن النفس سجن، حتى الذين يظنون أنهم أحرار بتمركزهم في ذواتهم وعبادتهم لأنفسهم هم في حقيقة الأمر ارتضوا الدنيّة في أنفسهم، هم في الحقيقة ابتذلوا أنفسهم بأن رضوا بالتنزل من علياء التعلق بالله المطلق المتجاوز المفارق للطبيعة والكون، إلى النسبية الأرضية التي لا ترقب فيهم إلّا ولا ذمة، فهم سلّموا أنفسهم لمعترك نسبية المعايير الذي يفوز فيه من تملّك أدوات الخداع والوهم، وهو حين يفوز يفرض معاييره ويعبئ تلك السيولة النسبية، ومن ارتضى أن يُسلّم نفسه لتياراتها، في قنينته لتأخذ شكلها دونما إرادة. ثم إذا أفاق الناس من الوهم تبرّأ الذين اتُبعوا من الذين اتَبعوا ولقوا العذاب جميعا. لذلك كان من دعاء د. علي شريعتي: "اللهم حررني من سجن "الطبيعة" و"التاريخ" و"المجتمع" و"النفس" حتى أستطيع أن أعيد اكتشاف نفسي على الصورة الأصلية التي خلقتني عليها، ليس كحيوان يحاول أن يواكب بيئته التي يحيا فيها ولكن كإنسان أصنع البيئة التي تناسبني"

إن تلك الآية من سورة النحل تكشف عن التباين بين العالمين الذين يحيا فيهما الإنسان، العالم الجوّاني الذي يعلم فيه الإنسان علم اليقين أن أمر الله "أتى" والعالم البرّاني الذي ما زال فيه الإنسان "يستعجل". ونستطيع أن نقرأ في ضوء ذلك التباين كلام مولانا علي عزت بيجوفتش عن الثنائية الإسلامية وعن الصلة بين العالم الجوّاني (عالم النيّة) والعالم البرّاني (عالم الفعل) حيث يقول رحمه الله: "في العالم البرّاني نفعل ما يجب علينا أن نفعله. في هذا العالم يوجد الغني والفقير، الذكي والغبي، المتعلم والجاهل، القوي والضغيف (وجميع تلك الاشياء لا تتوقف على إرادتنا ولا تعبّر عن ذواتنا الأصلية) في مقابل هذا العالم يوجد عالمنا الجواني، وهو عالم قوامه الحرية والاختيارات المتساوية وهي حرية كاملة حيث لا تحدها حدود مادية أو طبيعية." وقد يُتصوّر أن للمرء خياران، الخيار الأول أن يقف عند حدود العالم البرّاني وفقط ويفسّر من خلاله العالم. والخيار الثاني هو أن يقف عند حدود العالم الجوّاني وفقط ويفسّر من خلاله العالم. غير أن الخيارين كلاهما سجن. فالذي يقرر أن يرتهن نفسه في العالم البرّاني وفقط يسلّم قدرته على الاختيار لآخر يختار له، والذي يرتهن نفسه في العالم الجوّاني فقط يسلّم قدرته على إحداث الفعل لآخر يقوم بالفعل عنه. وهنا يطرح الإسلام الخيار الثالث، الخيار الإنساني الذي يراه الماديّون مفرطا في الروحانية ويراه الروحانيون مفرطا في المادية ويراه العاقلون مفرطا في الإنسانية، هو خيار تتصل فيه الروح بالجسد، يتصل فيه العمل بالنية، فالله لا ينظر إلى قلوبنا فقط ولا إلى أعمالنا فقط بل كما قال الصادق صلى الله عليه وسلّم: "ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، هو خيار من أراد أن يحيا جسدا أرضيا حلّت فيه روحٌ سماوية فصار إنسانا، فالإنسان كما قالد عنه د. عزمي بشارة: " الأقدام ثابتة على الأرض، ولكن الأقدام فقط على الأرض، لا الصدور ولا الرؤوس وإلا تحولنا إلى زواحف. والرأس في السماء، ولكن الرأس فقط في السماء، وليس الأقدام، وإلا حلّقنا كالطيور. والطيور ليست حرّة، بل هي كالزواحف عبيدة غرائزها، ولكنها تمارسها في الفضاء تحليقا.

الإنسان فقط هو الذي أهّلته الطبيعة أو العناية الإلهية أن يمشي منتصبا محرر اليدين، وأن يفكر بحرية. الحرية والواقعية النقدية خياران متلازمان شرطهما الإنسانية الواقعة بين السماء والأرض" لذلك فنحن نجد للإسلام طقوسا جسدية برّانية ذات مقاصد قلبية ومعانٍ جوّانية، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام لعلة التقوى، والزكاة للتطهير والتزكية وهكذا كل العبادات الإسلامية، فكفانا الله بذلك شر الوقوع في أسر الأرض أو السماء، فله الحمد أن بيّن لنا الطريق وأكمل لنا ديننا وأتمم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا وجعل الحرية عليه دليلا.

وفي النهاية أقول أن كل حرية لم تبدأ بالعبودية لله ليست حرية ولا يُعوّل عليها، وكل عبودية لم تبدأ بالحرية ليست لله بل للخلق ولا يُعوّل عليها.


والله أسأل أن يُنوّر بصائرنا حتى نرى الحقّ حقا ونتبعه ونرى الباطل باطلا ونجتنبه.



باسم زكريا

باحث بمركز المربع للدراسات الإنسانية والاستراتيجية

21-8-2011

السبت، ٦ أغسطس ٢٠١١

مصر بين الإصلاح و الاصطلاح...بقلم د. المصطفى حجازي



السجن تأديب و تهذيب و إصطلاح

...


صخب و حشد .. حناجر تعلو بالصراخ .. احتقان و استقطاب .. ترصد بالأخر و بحث عن الضد..بل و خلق للأخر و الضد إن لم يكن حقا كذلك .. ألسنة مرسلة .. عواطف مشتعلة .. و عقول متوارية .. غائبة أو مغيبة.. أو بالأحرى مسجونة

هذا هو ملمح الركن الأكثر ظهورا فى المجتمع المصرى الآن ..

اقتحام لقدسية المشهد المصرى الوطنى الإنسانى و الملتحم فى ثورة ٢٥ يناير.. اقتحام له بالمصالح السياسية الضيقة .. وبالأحلام المؤجلة للمشاركة فى الحكم مع يقين بمحدودية الكفاءة .. و بإرث نفسى حقيقى من المعاناة و الألم لمجموعات من أبناء المجتمع .. يريد كل من هؤلاء أن يدفع عموم المصريين - صانعو مشهد الثورة و من نزعوا المستبد - ثمن مصالح هذا و أحلام ذاك و معاناة الثالث .. أن يدفعوها قبولا باستبداد جديد .. و إن لم يكن استبداد

حاكم قاهر فهو استبداد .. رعونة .. أو جموح الطموح .. أو حماقة فى الوعى السياسى أو الإنسانى.

كل جلادى المشهد من أصحاب الحناجر و صانعى الاحتقان و الاستقطاب و المترصدين بالأخر أى أخر هم أيضا ضحايا بلاشك.

هم ضحايا أربعين سنة من تململ الهوية و ستون سنة من الأسر فى المصطلح و قرابة خمسمائة سنة أو أكثر من غياب مجتمعاتهم عن المشاركة الحقيقية فى الأنتاج الفكرى الإنسانى.

أربعون سنة أو أكثر .. تسحق هويتهم المصرية المنشئة لمجتعمهم و الضامنة لدولتهم بل و إنسانيتهم قبل كل شئ ..و يراد لهم أن يكونوا شراذم فى مجتمعات بديلة مفتتة ليس لها حظ من المصرية، إلا الوجود فى الحيز الجغرافى المصرى أما من حيث الهوية فحبذا لو كان هذا مجتمع "مسلم" و هذا "مسيحى" و هذا "حضرى" و هذا "قبلى" و منها يصنع "الضد

و أولى خطوات صناعة الضد هى التصنيف و أنجح وسائل التصنيف هى صناعة الاصطلاح ثم الشعار و التنادى ثم التنابذ به و تقديمه و تغييب المفهوم. أول قاعدة لسور الفرقة بين الشركاء هو المصطلح أو المبنى دون المفهوم أو المعنى والذى يتم التصنيف على خلفيته, و يحال التصنيف تمييزا و ينبنى سور العنصرية. و يبدأ التنادى فهذا "إسلامي و هذا "ليبرالى" و هذا "علمانى" و هذا "حداثى" و هذا "سلفى" و يكون التكريس هنا هو لمعنى "الضد

من ضد من؟ واقعيا الكل ضد الكل بل و ضد نفسه دون أن يشعر. فمن تحدث عن شخص كونه أسلامى من موقعة كليبرالى على أنه ضده فقد نزع عن ليبراليته ضمير الدين و الذى هو جوهر الانسانية فى كل حرية. و من تحدث عن حداثى أو ليبرالى من موقعه كسلفى أنه "الضد" فقد نزع عن نفسه واجب اقتفاء الحكمة و التى هى ضالة المؤمن بجمود أسره فى مصطلح الحداثة و يتجاوز قاعدته الفقهية الملزمة بأنه "لا مشاحة فى الاصطلاح". و هكذا الأسر فى المصطلح يبدأ بحجب المعنى و المفهوم و ينتهى بالإعراض عن الحكمة و التى قال فيها ربنا تعالى "و من يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا

يبدأ الأسر فى المصطلح بتغليب المبنى على المعنى فكرا .. و ينتهى بالتغنى بالمبنى شعارا و ينتهى أن الكل فى معرض رغبة الترقى أو التزكية أو الأصلاح للنفس أو المجتمع قد سجن نفسه فى الاصطلاح فصار الزام النفس بما من شأنه التأديب و التهذيب و التزكية و الاصلاح عقلا إلى استدعاء للتنميط و التغييب و السجن فى الاصطلاح.

أى يترك المعنى إلى المبنى و يترك المبنى الى المغنى و يكون الانحدار من مجتمع من البشر يعقل و يفكر الى مجتمع من الببغاوات يسمع و يردد فالباحث عن المعنى و المفهوم يفكر بعقله.. و المستغرق فى المصطلح و المبنى يفكر بعاطفته .. و المسجون فى الشعار و المغنى يفكر بأذنيه

و كأن أحمد شوقى فى رائعته مصرع كليوباترا يصف مشهدا نعيشه و آن لنا أن ننهيه حين يقول واصفا الحشود المستقبله للبطالمة الوافدين على لسان ملوك البطالمة


إسمع الشعب )ديون) كيف يوحون إليه

ملأ الجو هتافا بحياة قاتليه

أثر البهتان فيه و إنطلى الزور عليه

ياله من ببغاء عقله فى أذنيه!!


مانقوله لكل فئة أو حشد أو جماعة أرادت لنفسها مكانا فى مصر القادمة .. هو أن الشعب المصرى صاحب مشهد ٢٥ يناير باختلافه و تنوعه هو وحده صاحب المشهد. كل فئة أو حشد أو جماعة أرادت لنفسها نمطا تحيا به فهذا حقها و تلك حريتها و ذاك شأنها..

و لكن من أراد أن يحيا ويحيى مجتمعا مصريا صحيحا و دولة مصرية راعية و قادرة فعليك أن تعى أنك جزء من كل و لم تكن أبدا كل المشهد فى يوم ما و لن تكون. .. ووجودك فى المشهد المصرى مشروطا بدرجة رغبتك و جديتك فى أن تثرى المشهد باختلافك عن غيرك و إقرارك بهذا الاختلاف ضرورة حياة و حقيقة حياة. و خروجك من المشهد سيكون مقرونا بكفرك بفكرة الشراكة فى المجتمع و طموحك غير المشروع فى التغول على المشهد بنمطك أو بمحاولة الاستبداد به بأى طريقة كانت.

الشعب المصرى صاحب مشهد ٢٥ يناير باختلافه و تنوعه هو وحده صاحب المشهد .. سيتعاطف مع الطموح المؤهل و مع صاحب المعاناة و النضال المخلص (حتى و إن غابت عنه الفطنة) ..و لكن لن يقبل بالطامح غير المؤهل أو صاحب تاريخ المعاناة على خلفية المن بالنضال و لن يقبل فى كل حال من أى أحد أى استبدادا أى كانت مسوغاته أو ادعاءات حضوره .

ياكل طامح أو صاحب حلم سياسى من أى المشارب أتيت و فى أى المصطلحات أسرت نفسك اعلم يقينا أن الشعب المصرى صاحب مشهد ٢٥ يناير الذى صنف فيه المصرى "إنسانا" حرا" قبل و بعد كل شئ ..هو السيد و هو صاحب الحل و العقد و الأمر و النهى هو بكل ألوان اختلافاته و حق لكل أبنائة بكل اختلافاتهم طالما اتفقوا فى إنسانيتهم و حريتهم ومصريتهم و لا يوجد شعب آخر و لن يوجد شعب آخر

و لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها و لكن أحلام الرجال تضيق


فكروا تصحوا..

مصطفي حجازى

يوليو 2011

http://www.facebook.com/Dr.Higazy