الثلاثاء، ٢١ سبتمبر ٢٠١٠

الدعاة الجدد بين تسليع الدين وتغريبه

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أما بعد ،


فلقد تناولت في مقال سابق بإيجاز خلافي مع الوهابية وتأثيرهم على المجتمع المصري. واليوم أتناول بإيجاز أيضا بعضا من خلافي مع تيار آخر من تيارات الدعوة الإسلامية وهو تيار دعاة الحداثة والتجديد في الخطاب الديني، الذين كان ظهورهم وانتشارهم في رأيي استجابة لحاجة للدين عند فئات معينة في المجتمع المصري لم تسدها أفكار دعاة الوهابية؛ فتلك الفئات كانت بحاجة إلى أفكار أكثر مرونة تأتي بالدين "الجينز" إليهم لا تدعوهم إلى الهجرة إلى "جلباب" الدين.

أولا – وقبل الدخول في تفاصيل الموضوع – أود أن أؤكد أني أقر أن في كل تيارات الفكر الإسلامي خير كثير، ومن الإنصاف ألا نتغافل عن ذلك إما بدافع الكره أو الحب، وهذا للأسف ما وقعت فيه حين تكلمت عن الوهابية في المقال السابق وأحب أن أتداركه الآن فأقول أن أفكار الوهابية – وإن كانت لا تــُـصلح الأمة – فهي الطريق الآمن للنجاة الفردية فلا أيسر من أن يشغل المرء نفسه لا بشئ سوى بإصلاح وضوئه وصلاته وصيامه واتباع أحد الآراء المعتبرة دون الدخول في معمعة الأهداف الكبرى من إصلاح ونهضة الأمة وما إلى ذلك. كذلك فإن الدعاة الجدد ما يحسب لهم أنهم غيروا صورة الداعية التي ثبتت في أذهان كثير من الناس، فنزعوا عنه العباءة واللحية وصار الداعية رجلا عاديا يلبس ما يلبسه الناس ويتحدث بلسانهم وهم بذلك أوصلوا الدين إلى فئات من المجتمع لم يكن ليصلها بدونهم.

أما إن تناولنا تلك الدعوة التجديدية بقدر أعمق من التحليل سنجد بعض الملاحظات أهمها أن أغلبهم – إن لم يكن جميعهم – لم يتربوا منذ الصغر تربية "الكتاتيب" ليكونوا دعاة أو علماء، إنما طرأ عليهم الاتجاه إلى مجال الدعوة وهم في شبابهم فانتقلوا إليه يحملون خلفياتهم العملية والعلمية والتربوية والتي – في الغالب – تتمحور حول التجارة و إدارة الأعمال فكان تناولهم للدين كتناولهم للسلعة التي يحاولون تسويقها في أوساط الناس، وهذا المفهوم بدلا من أن يحض الناس على أن يرتقوا في سلم التزكية هبط بالدين من علياء قداسته وأحاطه بكثير مما ليس فيه بحجة تأليف القلوب (الزبون عايز كده) فصار محور الدعوة الفرد/الزبون ورضائه عن الدين بدلا من أن يكون محور الدعوة هو الدين ومدى اتساق ممارسات ذلك الفرد مع تعاليمه. وإن كان تسليع الدين – أي تحويله إلى سلعة – أول العناوين الرئيسية التي سأتحدث عنها اليوم سنجد متفرعا منه بعض العناوين الفرعية التي يستوجبها تطبيق مبدأ "الزبون دايما على حق"

أول تلك العناوين الحب. وهو عنوان له جاذبيته "التجارية" ولذلك نرى أن كثيرا من أفكار برامجهم التليفزيونية وأسمائها تدور حول الحب "قصة حب" و "مدرسة الحب" وما إلى ذلك. والمعاني السامية كالحب حين يتم حوسلتها – أي تحويلها لوسيلة – لجذب الجمهور يتم ابتذالها وإفقادها مصداقيتها وإفراغها من مضمونها بل – نتيجة تلك الحوسلة – يبلى تأثير ذلك المعنى كمن يسرف في ارتداء زيه المميز حتى يفقد تميزه بل ويصير معيوبا أيضا، فنحن نجد الآن من يتحدث عن رومانسية النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقصة حبه والسيدة عائشة رضى الله عنها بطريقة لا يقبلها صاحب نخوة. و نجد أيضا من يتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أنه بدأ دعوته في غار حراء الذي يشبه "الحضن" وانتهت حياته صلى الله عليه وسلم في "حضن" السيدة عائشة رضي الله عنها وهكذا تصير الرسالة رحلة في "أحضان الحبايب".

عنوان فرعي آخر وهو دائم الرواج في جميع لعصور لاعتماده على مخاطبة مشاعر الجماهير التي تتعلق دائما بالغيبيات والروحانيات وذلك العنوان هو الصوفية وأنا لا أقصد هنا الصوفية التي هي الزهد في مظاهر الدنيا والتعلق بالله وحده عز وجل والسعي من أجل الآخرة وهو نهج السلف الصالح جميعهم وإمامهم وقائدهم رسول الله محمد – صلى الله عليه وسلم –

إن الصوفية التي أقصدها هي الصوفية السلبية التي ترضي الأمريكان عنا – ولقد قرأنا في إحدى الجرائد منذ شهر تقريبا عن اجتماع بين سكرتير السفارة الأمريكية بالقاهرة ومشايخ الطرق الصوفية وجاء فيه عن سكرتير السفارة أن نموذج الإسلام الصوفي يمثل الإسلام المقبول والمرحب به في الولايات المتحدة لكونه إسلاما وسطيا ومعتدلا – الصوفية التي أقصدها هي الصوفية التي اعتزلت الحياة والسياسة وانفصلت عن الواقع وخلقت واقعا افتراضيا مَنشؤه بعض شظايا عقيدة وحدة الوجود التي – بإيجاز – هي الإيمان بأن الله موجود في كل شئ في الكون وهو ليس منفصل عن خلقه مما يؤدي إلى نبذ فكرة ثنائية الخير والشر وتحويلها إلى أحادية فالله في كل شئ فكل شئ خير حتى وإن كان ظاهره شر ففي داخله يخفي الله. أنا لا أقول أن دعاة الحداثة من المؤمنين بعقيدة وحدة الوجود فلم يصرح أحد منهم بذلك ولكن دعاواهم فيها كثير من التأثر ببعض شظايا تلك العقيدة وهي باستبعادها لثنائية الخير والشر تبطل دوافع مقاومة الشر – الذي لا يوجد أصلا – بل إنها تدعو إلى التصالح معه.

أما العنون الفرعي الآخر فهو حديث شريف للنبي صلى الله عليه وسلم وهو " الدين يسر" وللأسف استخدمه إخواننا الدعاة في غير موضعه. فبعدما شحنوا الشباب بطاقات دينية كبيرة، وحينما أرادوا الإفراج عن تلك الطاقات تحايلوا على أولويات الأمة والمجتمع واتجهوا للإفراج عن تلك الطاقات في الأعمال التنموية التي تتركز في الغالب على التنمية الاقتصادية والتنمية الذاتية بدلا من الأعمال النهضوية التي تشمل أمور الدين والدنيا جميعها من عبادات وفكر وثقافة وسياسة واقتصاد...إلخ. وللأسف قنع الشباب بأن ما يقومون به هو طريق النهضة الحقيقية وهي ليست إلا نهضة منزوعة الدسم.

أمر آخر يأتي مع "تيسير الدين" وهو كيفية التعامل مع النية التي هي مناط صحة الأعمال جميعها في الإسلام فهم يستخفون بالنية ويتعاملون معها بطريقة برامج الأطفال "هيا بنا نلعب". وفي مسألة النية الحسنة يقول الدكتور محمد راتب النابلسي: "لا تكون تقليدا وهي محصلة معرفة الله، محصلة طاعته محصلة جهاد النفس والهوى محصلة الالتزام بأمره محصلة كل أعماله تتوجها هذه النية الحسنة أما أن نقلد نية حسنة ونحن لا نملك مقوماتها هذا شئ مستحيل"

العنوان الرئيسي الآخر غير تسليع الدين هو تغريب الدين أي محاولة المواءمة بين تعاليم ومظاهر الدين الإسلامي وبين "قيم" ومظاهر الحياة الغربية المتأثرة بحلقات متتالية العلمانية الشاملة. ولعلنا إن رجعنا إلى خلفيات الدعاة – الذين اضطلعوا بهذه الدعوة – التربوية والعلمية والعملية مرة أخرى نجد المسوغ لهذا المنهج وهذه المحاولات للتقريب بين الحياة الإسلامية والحياة الغربية ، فأغلبهم أو جميعهم من الذين تلقوا تعليما أجنبيا لسنوات طوال ومن المنطقي أن يتأثروا بهذا التعليم في دعوتهم.

وكحركة وقائية – حتى لا أتهم بمعاداة الغرب وبث رسائل الكراهية – سأقتبس عبارة من مقال سابق لي بعنوان حرية أم تحرير وهي " أود أن أوضح أنني لست ضد الأخذ من الغرب ولكني ضد التقليد الأعمى فما أتي بثماره في مكان ما ووقت ما، ليس بالضرورة مثمرا في مكان آخر ووقت آخر. كم أنني ضد أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون. فنحن لا نسير – ولا يجوز أن نسير – على نفس طريق الغرب ولكن طرقنا تتقاطع في بعض النقاط وتلك هي نقاط التعاون المثمر وتبادل الخبرات المفيد للطرفين" وللأس فقد اتخذت كثيرا من الدعاوى للتقريب بين الحياة الإسلامية و الحياة الغربية الحياة الغربية مرجعا لها ، فصرنا نأخذ من الغرب ثم نبحث عن المسوغات الإسلامية لما أخذنا بحيث يصير ما أخذنا له صورة إسلامية ترضينا وترضي الغرب في المقام الأول وهكذا صار الغرب نقطة الانطلاق لتلك الدعاوى مما يؤدي إلى فقدان الهوية ومسخها كما نرى الآن.

والإسلام دين احتوائي ليس له هوية فهو أكبر من كل الهويات ورسول الله صلى عليه وسلم وإن كان عربيا بعثه الله في العرب منهم وبلسانهم إلا أنه "رحمة للعالمين" وأرسله الله "للناس كافة" إلا أنه في نفس الوقت يدعو لاحترام اختلاف الثقافات المختلفة والهويات المختلفة طالما ستظل في حدود الديانة ولن تخرج عنها ومن الواجب علينا نحن العرب أن ندرك ذلك ونجعل نقطة انطلاقنا هي هويتنا العربية ولا نزدري الثقافات والهويات الأخرى أيضا.

**************

إن هؤلاء الدعاة وأولئك الوهابيين – على ما بينهم من البون الشاسع في المناهج – ففكريا هما استجابة "لقيم" ما بعد الحداثة ولمنظومة العلمانية الشاملة التي تجتاح العالم الآن فالأولون اختاروا أن يوائموا بين الدين وبين تلك القيم والآخرون اختاروا أن يعتزلوا بالدين كل ذلك ويعودوا به إلى العصور الماضية. فالاثنان يتفقان في أنهما ردة فعل لما هو كائن اتخذا من الغرب مرجعا لنموذجهم الفكري والمعرفي ومقياسا له بدلا من أن ينطلق من تعاليم الدين نفسه وقيمه الأصيلة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والله أعلم

باسم زكريا السمرجي

21/9/2010

الثلاثاء، ٢٤ أغسطس ٢٠١٠

إعلام البرية بخلافي مع الوهابية

هكذا اخترت عنوانا مسجوعا للمقال على شاكلة الأقدمين تلميحا للتيار السلفي الوهابي الذي فهم "التسلـُّـف" على إنه نبذ الحاضر والعودة للماضي تقليدا بدلا من أن يفهموه على أنه إصلاح الحاضر بالعودة لأصول المنهج فهما مع السعي الدائم للتجديد في غير إخلال.

وقبل البدء أود أن أقول أنني حين أتحدث عن التيار الوهابي في فهم "التسلـٌّـف" أتحدث حديث مجرِّب، فلقد كنت أحد المؤمنين بأفكارهم، والمشارك في فعالياتهم لبضع سنين. ومنذ أن انقلبت على هذه الأفكار – بتوفيق من الله – وأنا أخشى أن أنتقدهم، وأقول لنفسي ربما يكون الأصلح لبعض الناس أن ينضموا لهذه المدرسة بدلا من أن تتلقفهم مدارس الانحلال والفساد، غير أني مع استمرار متابعتي لانتشارهم وتأثيره على قطاعات كبيرة من المجتمع خشيت أن يأخذني الله بصمتي على ما أراه حقا، وأرجو من الله أن يعفو عن تجاوزي فما أريد إلا الإصلاح ما استطعت.

منذ ثلاث سنوات و بعد أيام قليلة من انفصالي عن "الإخوة"، حدثني أحدهم حديثا طويلا وعندما أصابني الملل قلت له "يا أخي أنا حر" فأجاب إجابة فورية "لا، انت عبد" حينها لم أتوقف عند الكلمة وحملتها على محمل الحماس الخطابي، ومحاولة التلبس بلباس المنطق فلم تكن بي طاقة للاستمرار في النقاش، ولكني منذ أيام قليلة سمعت أحد كبار مشايخهم لم يكتف بأن يؤكد على أن الإنسان عبد ولكنه أيضا ذكر بيت المتنبي "لا تشتري العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجــاس مناكــيد" هنا انتبهت وصار الربط حتميا بين ما سمعته لتوي وما سمعته في حوار ذلك الأخ معي وبين ما كان يحدث من معاملة خشنة – قد ترتقي إلى صورة مصغرة من صور القمع الفكري – مع كل ذي فكر من الإخوة. إن هذه هي عقيدتهم فالإنسان ليس فقط عبد ولكنه يعامل معاملة العبيد الأنجاس المناكيد الذين لا يصلحهم إلا العصا. لقد نسي ذلك الشيخ أو تناسى أننا وإن كنا عبيدا لله تعالى فالعبودية لله هي الحرية. الحرية التي هي جوهر الدعوة الإسلامية التي فهمها الصحابي الجليل سيدنا ربعي بن عامر حين قال للفرس: "إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" فعبادة الله هي السعة وهي العدل مقابل عبادة العباد التي هي ضيق وجور.

وانطلاقا من هذا المفهوم المهين للإنسان، فالعقل هو باب الشر كله، والأصلح للإنسان ألا يعمله إلا في كيفية طاعة شيخه وكيفية الاحتيال على أهله والهروب من البيت لحضور الدرس. أما أن يعمل عقله في الكون فهذا أول الكفر والعياذ بالله. إن هذا المنطق (أو اللامنطق إن أردنا الدقة) يصل – على أفضل تقدير – بالإنسان إلى أن يأخذ "بالحيطة" ويمتنع عن التفكير والتفكر الذي أمرنا الله تعالى به في غير موضع، ومتى امتنع الإنسان عن التفكير اقتيد إلى حيث يشاء من يفكر بالنيابة عنه وهو شيخه. فالتيار الوهابي ليس تنظيمات وجماعات بل هو مشايخ وأتباع، فأتباع الشيخ الفلاني يتحدثون بلسانه كالببغاوات ولا يجوز أن يخالفونه أو يناقشونه، وقد يكون شيخهم مختلفا مع أحد المشايخ الآخرين، فتجد أتباعه كذلك، وبين يوم ليلة قد يصلح الله ما بين الشيخين فينقلب الأتباع دونما تفسير أو إيضاح. إنهم يتهمون الشيعة بالكفر لأنهم تعصبوا لآل البيت ويتهمون الصوفيين بالكفر لأنهم تعصبوا للأولياء وهم أنفسهم يتعصبون ويتشيعون لمشايخهم.

ليست المشكلة في بضع آلاف يجتمعون على دروس الفقه هنا أو هناك. المشكلة تفاقمت حينما فتحت الفضائيات لهذا التيار على مصراعيها ليحدثوا الملايين بهذا اللسان الديماجوجي المخيف. ونظرا لانتشار الأمية الثقافية فإن هؤلاء يجدون من العقول أراضي خصبة لزراعة أفكارهم دون مراجعة أو تدقيق. فهم لهم مظهر يقولون عنه إسلاميا ويتحدثون فيقولون وهذا الحديث رواه البيهقي وهذا ورد في مسند البزار وصححه الألباني إلى آخر هذا الكلام الذي يفهم منه البسطاء أن المتحدث صاحب علم دون أن تكون تلك حقيقته.

المشكلة أنهم حينما قدموا أنفسهم بهذه الصورة قدموا أنفسهم على أنهم هم الدين وحينما يُسألون يبدأون إجابتهم بـ"رأي الدين......" ويقولون رأيهم هم في الدين ويُغفـِـلون آراء أخرى في الدين أيضا. ثم ينقل تلك الآراء جمهور المشاهدين، وهم – جمهور المشاهدين – حين ينقلون لا ينسون أن ينقلوا أيضا القالب اللغوي الذي يجعل ذلك الناقل وكأنه عالم أو طالب علم نابه، فتجد طبقة نشأت من أنصاف المتعلمين الذين لم يأخذوا من العلم إلا حرفه، تجدهم ضعاف المنطق، شديدوا العصبية، لا يقبلون نقاشا أو خلافا فكريا فهم ليس لهم فكر أصلا. ثم يسير هؤلاء في الناس ليضموا إليهم طبقة أخرى من أرباع المتعلمين أضعف منطقا و أشد تعصبا وهكذا دواليك.

مشكلة أخرى تنشأ من لغة الخطاب الوهابية وهي الاختزالية في التفكير. فهم حولوا الدين إلى معادلات رياضية فهذا حرام محض وهذا حلال محض بغير بحث للظروف المحيطة بهذا الفعل أو ذاك، وليس هذا ما فعله سيدنا عبد الله بن عباس حينماأتاه أحد الرجال ليستفتيه في توبة القاتل فأفتاه أن القاتل ليس له توبة وأتاه بعد ذلك واحدا آخر فسأله نفس السؤال فأفتاه أن القاتل له توبة وحينما سأله أصحابه لم غيّر فتواه أجابهم أن الأول أتى وفي عينيه شرر يريد أن يقتل فأراد سيدنا عبد الله بن عباس أن يردعه عن ذلك بينما الثاني أتى وفي عينه ندم يبدو أنه قتل ويريد التوبة فاراد ألا يغلق باب التوبة في وجهه. هذا هو فهم العلماء نسأل الله أن يزيدنا منهم ويعيذنا من أشباههم الذين نقلواالدين من قلوب العلماء إلى حناجر السفهاء.




باسم زكريا السمرجي
24/8/2010

الثلاثاء، ٣ أغسطس ٢٠١٠

خواطر حول استراتيجيات التغيير .. 1

شاهدت مؤخرا الفيلم الأمريكي “The Shawshank Redemption” أو "الهروب من سجن شاوشانك" وهو يحكي عن "آندي ديفرين" المحاسب الذي سـُـجن ظلما ، ولقد عاش في سجن شاوشانك حياة عادية كسجين مسالم يقضي وقته في التأمل في صور فتيات أحلامه المعلقة على حوائظ زنزانته ، و نحت الأحجار لصنع رقعة شطرنج يقتل بها وقته. كما أن مدير السجن استعان بخبرته المحاسبية لغسيل أمواله القذرة. وتمضي به الحياة مسالما غير مثير للمشاكل حتى حين تعرض لمحاولات تحرش لم يقاوم حتى الموت فالفيلم يحكي أنه كان يقاوم فيمنعهم أحيانا وينالوا منه أحيانا أخرى، حتى نفاجأ بعد عشرين عاما من السجن أنه هرب. وكيف هرب؟ لقد كان يحفر – باستخدام الآلة الدقيقة التي يشكل بها الحجارة – نفقا ويغطيه بصور الفتيات. حتى حانت اللحظة واكتمل الحفر فهرب منه إلى ماسورة الصرف الصحي إلى الحرية.

أثارت تلك القصة خواطري حول استراتيجيات التغيير السياسي. فلقد كان ما فعله "ديفرين" تغييرا تبنـّى استراتيجية طويلة المدى تعتمد في تكتيكاتها على الاستفادة من هامش الواقع و عدم الخروج منه قدر الإمكان، والكمون وعدم الاصطدام المباشر مع قوى النظام بل على العكس تعتمد تلك الاستراتيجية على الانحناء للرياح تفاديا لها. تعتمد تلك الاستراتيجية في البناء على التراكم طويل المدى الذي يشبه تراكم طبقات الصخور حتى يصير البناء من الصلابة بحيث يستعصي على الهدم. وبرغم (سينيمائية) هذه الفكرة إلا أنها نجحت في بلاد مثل تركيا التي استمر فيها مشروع التغيير عقودا وها هو يؤتي ثماره ومازال في الطريق بقية.

الاستراتيجية الأخرى للتغيير تعتمد على الوصول إلى الأهداف بأقصر الطرق وفي سبيل ذلك لا تخشى أن تصطدم مع قوى النظام بشكل مباشر بل وأن تقدم في سبيل ذلك معتلين وضحايا و شهداء. فهي تعتمد في تكتيكاتها على الاختراق الإبداعي ، حيث تحاول اختراق معطيات الواقع بطريقة مبدعة لتصيغ لنفسها معطيات جديدة تنظلق من خلالها، وكلما زاد عنصر الإبداع زادت احتمالات الوصول إلى الهدف. ويسعى متبنوا هذه الفلسفة إلى حشد الجماهير في أقصر وقت ممكن حتى لا تذهب تضحياتها هباء. وقد نجح مثل هذا النموذج مع بلاد مثل صربيا وأغلب دول أوربا الشرقية التي لم تستمر فيها معركة التغيير أكثر من عقد واحد.

وإذا تناولنا بالتحليل السريع الاستراتيجية الأولى نجد أهم مميزاتها:

1. الفرصة التي يتيحها طول الزمان للتهيئة التدريجية لقطاعات واسعة من القاعدة الشعبية مما لا يتيح فقط إدخالها في آتون التغيير ، بل يؤهلهم لاستقبال التغيير وصيانته حال حدوثه

2. يتيح تجنب الاصطدام المباشر مع قوى النظام فرصة لكسب ثقة عوام الشعب وعدم استفزاز مشاعر الخوف لديهم ، كما يعطي الفرصة للمصلحين أن يعملوا على تحقيق رؤاهم دون الحاجة إلى الاستقواء بقوى خارجية قد تخفي مصالحها في مشاريعهم.

3. من أهم ما يحققه طول الزمان للمصلحين صورة من صور الانتخاب الطبيعي الذي يـُبقي فقط على المؤمنين بالقضية المستعدين للتضحية في سبيلها ويقصي الباحثين عن المصالح الشخصية قصيرة المدى أو المندسين الذين حتى وإن دخلوا سرعان ما يخرجوا.

4. يؤدي طول الزمان أيضا إلى تراكم الخبرات وتعدد الإسهامات في الرؤية الإصلاحية كما يتيح أيضا فرصة اختبارها وإعادة صياغتها حتى تصل إلى النضوج الكامل وتترسخ في عقول وقلوب المصلحين تماما.

5. إذا وصل الزخم إلى الكتلة الحرجة يصعب بل يستحيل قمعه أو إثناء عزيمة المصلحين بعد أن ترسخ في قلوبهم وعقولهم الإيمان بالقضية والاستعداد للتضحية في سبيلها.


وعلى الجانب الآخر إذا تناولنا مخاطر هذه الاستراتيجية نجد الآتي:

1. عملية الصهر الأولى للأفكار قد يشوبها بعض االتعسر كما أنه إن حدث فيها انحراف ما قبل أن تندمج كل الأفكار الاندماج التام يؤدي هذا الانحراف إلى الإضرار بالمشروع والانحراف به ككل.

2. إن تنبه له النظام في المراحل الأولى – قبل الوصول إى الحشد الجماهيري المطلوب – يسهل قمعه دون أن يشعر أحد به عن طريق قمع المصلحين أنفسهم.

3. يحتاج إلى صبر و مثابرة من المصلحين وإيمان – غيبي – عميق، فما يسعون لتحقيقه قد لا يتحقق في حياتهم وإنما قد يستغرق عدة أجيال.

4. حتى يحدث التأهيل الاجتماعي للقاعدة الشعبية لابد من تواطؤ الاتجاهات الإصلاحية المختلفة السياسية و الاجتماعية و الثقافية وهذا أمر يصعب تنظيمه

5. مشكلة تعاقب الأجيال وصعوبة امتداد الإيمان الرؤى بين كل جيل والذي يليه ففي الغالب يكون لكل جيل رؤيته المستقلة ومشكلاته المستقلة وسعيه لإثبات ذاته المستقلة.

هذا تحليل سريع لأهم فرص ومخاطر استراتيجيات التغيير طويل المدى وفي مقال قادم إن شاء الله سأتناول فرص ومخاطر استراتيجيات التغيير السريع





باسم زكريا السمرجي

3/8/2010

الأحد، ٢٥ يوليو ٢٠١٠

التعذيب جريمة نظام

قـُـتل خالد سعيد أو عُذب حتى الموت فلم أر جديدا يستدعي أن أكتب عن الحادث فلم أكن لأضيف جديدا عم سوف يُـكتب غير أني منذ بضعة أيام كنت أسير في الشارع ورأيت المشهد الآتي. أحد الشباب "الفتوات" يقبض على آخرٍ تظهر عليه أمارات الضعف والاستكانة والتسليم لم يكيله له الأول من الصفعات واحدة تلو الأخرى ويحذره أن يراه "يعملها تاني" ولم أكن أدري ما كنه تلك "العَملة" التي كان يحذره منها حتى علمت بعد ذلك أن هذا الذي تظهر عليه أمارات الضعف والاستكانة والتسليم ما هو إلا سارق أوقعه حظه العاثر في يد ذلك الشاب الفتوة الذي كال له الصفعات عقابا له على فعلته ثم تركه يرحل لحال سبيله فهو بالتالي شاب "شهم" بمقاييس المجتمع. حرك هذا المشهد هاجسا بداخلي وهو ماذا إن كان ذلك الشاب الفتوة مكان المخبرين؟ أغلب الظن أنه كان سيقوم بم فعله المخبران تماما.

وهنا بدأت أنظر للمخبرين نظرة مختلفة. إن هذين المخبرين ليسا من طبقة غير الطبقة التي ينتمي لها عموم الشعب المصري فلا أظنهما انهالا على خالد بالضرب ثم ذهبا ليحزما حقائبهما كي يلحقا بالطائرة المتوجهة إلى نيس لقضاء الصيف ، ولا أظنهما حين عذباه كانا يدافعان عن امتيازات مادية من تطلعات خالد وأمثاله من عوام الشعب المصري. بل أظنهما من الطبقات الكادحة التي تجاهد أمواج الظروف حتى تتعلق بقشة الحياة – الغير الكريمة غالبا – إذن من المعقول جدا أن يقف المخبران في صف خالد وصف جموع الشعب في مواجهة نظام اضطهدهما مثلهما مثل غيرهما من جموع الشعب. ولكن الحقيقة أنهما لم يقفا في صف ضد صف بل إن ما فعلاه هو جزء من الممارسات التي يقوم بها الشعب فيما بينه وبين نفسه فعلى سبيل المثال موظف الحي أوموظف المرور الذي "يلطعك" أمامه حتى ينتهي من كوب الشاي مثلا، إنما يمارس عليك ما تيسر له من وسائل التعذيب و إثبات السيطرة وإساءة استخدام السلطة. هما مجرمان ويستحقان العقاب طبقا للمعطيات المتاحة لنا – وأرجو أن يكون هذا الحكم هو ما ستسفر عنه القضية – لكن بتحليل الموقف لاستخراج العبر بشكل أعمق يتخطى حدود الموقف الظاهر أمامنا ، نجد أنا ما فعلاه هو انعكاس لحالة غريبة من السادية والعنف و عدم احترام قيمة الإنسان سادت في المجتمع المصري ويكفي أن تعرف بعضا من أحداث المشاجرات التي تحدث في الأحياء الشعبية والعشوائيات لتتأكد من ذلك. وجدير بالذكر هنا أن كل ذلك غريب على الشعب المصري الذي كان دائما ما يوصف بالوداعة والطيبة والتسامح البالغين.

من الممكن أن ندور في دائرة مفرغة و أن نتحدث كثيرا عن علاقة السبب بالنتيجة بين السادية التي تفشت في المجتمع المصري وبين سادية الداخلية ولكن في رأيي أن النظرة الأعمق والأشمل لا بد أن تقودنا إلى اتهام نظام الاستبداد بالمسؤولية عن تلك المنظومة. فنظام يسلب الشعب حقه في الاختيار وحقه في الحياة الكريمة ويستولي على جميع السلطات هو نظام جدير بإدارة غابة يتحول فيها الإنسان إلى حيوان يستخلص لنفسه حقوقا متوهمة اعتمادا على مدى قوته الشخصية والعضلية فبين الموظف الذي يستمد قوته من تملكه قضاء حوائج الناس والمخبر الذي قوته في انتمائه للنظام والفتوة الذي يعتمد على قوته العضلية وربما سمعة عائلته العتيدة في الإجرام تاهت قيمة احترام الإنسانية في المجتمع المصري وهذا للأسف ما وصل إليه المصريون .


باسم زكريا السمرجي
6/7/2010

لعنة الفراعنة

إن فهم الحضارات الإنسانية أمر معقد للغاية. فالعوامل التي تؤثر في تلك الحضارات وتتأثر بها متعددة ومتشابكة إلى حد بعيد ، ومن الخلل تسطيح تلك العوامل باستخدام نموذج اختزالي في التفكير لنصل في النهاية إلى حقائق مجتزأة تودي بنا إلى أحد النقيضين ، إما تطرف شوفيني أو عدائي لهذي الحضارة أو تلك. والتطرفان على ما بينهما من تناقض وجهان لعملة واحدة بغيضة هي العنصرية التي تـُـفرِّغ الإنسانية من مضمونها.

وجدير بالذكر هنا أن من أسباب النزعات العنصرية – في رأيي – الضعف والهوان الذي قد يصيب أمة ما – استجابة لسنة تداول الأيام – فلا يجد أبناء هذه الأمة – امتدادا لحالة الخلل التي يعيشونها – إلا الشوفينية طريقا سهلا لإثبات تفوقهم الحتمى المـُـتوهم و لإسقاط تهمة التقصيرعن أنفسهم واتهام الأيام بالظلم ، وهم في سبيلهم لإثبات ذلك ينظرون لتاريخهم نظرة انتقائية تجعلهم يستدعون فقط ما يعضد تلك الأوهام.

إن ما يعنيني هنا هو النظر إلى النعرة العنصرية المصرية التي تنامت كثيرا الفترات الأخيرة والتي كانت قد زُرعت بذورها في فترة السبعينات التي تبنت فيها الأنظمة الرسمية للدولة مشروعا انفصاليا عن النسيج العربي الذي كانت مصر تمثل عروته الوثقى وحبله المتين. ولكي يتم استئصال الشعور القومي العربي نُبشت قبور الفراعنة واستـُـنهضت القومية المصرية الفرعونية.

ولأنني مؤمن أن الفضيلة وسط بين رذيلتين كما قال أرسطو فأنا أكره التطرف أي كان ولإيماني العميق بأن الله خلق البشر سواسية في الحقوق والواجبات فأنا أمقت العنصرية أيما مقت ولهذا أسعى للنظر إلى تاريخ الفراعنة من زاوية أخرى لم يعلمونا إياها في المدارس.

إن الحضارة الفرعونية لم تكن وحيدة كبقعة ضوء في عالم مظلم فلقد تزامنت معها حضارات زراعية أخرى نشأت حول الأنهار في العراق وفي آسيا وفي المكسيك أيضا. وليس مؤكدا أن الإنسان المصري هو الذي علم العالم الزراعة وإنما الزراعة هي اكتشاف شعوبي استدعته الحاجة وقادت إليه الصدفة. فمن اكتشف الزراعة – في رأيي – كمن يَعلق في زحام شارع رئيسي فيكتشف طريقا جانبية ثم ياتي أحد آخر ويكتشف نفس الطريق وهكذا. وكون أحد المارة كتب على إحدى الحوائط اسمه لا يعني بالضرورة كونه أول المارين بهذه الطريق.

إن مما لا شك فيه أن الحضارة الفرعونية حضارة عريقة أسهمت في البشرية إسهاما كبيرا ولكنها – ربما كسمة طبيعية لتلك الحضارات الموغلة في القدم – لم تتمتع بالمرونة التي تجعلها تتفاعل مع الحضارات التي تراكمت عليها فكانت النتيجة الحتمية أن أثرت فيها تلك الحضارات تأثيرا طمس شخصية الحضارة الفرعونية ولم يبق منها إلا بعض العادات والتقاليد المجردة من الانتماء لحضارة بعينها ، ولكنها ذهبت بلغتها وطمست دياناتها و قبرت نظام حكمها – ربما ليس بشكل كامل – كما أن تعاقب الأجناس واختلاطها أيضا ربما يكون أخفى نسل الفراعنة تماما. فمن العبث – في رأيي – أن نتحدث عن هوية فرعونية لمصر.

ولعل ما يثير السخرية ما تعلمناه عن الدين عند الفراعنة. فأنا أذكر – أثناء دراستي للتاريخ في المرحلة الإعدادية – انبهاري بإيمان الفراعنة بالحساب والحياة الآخرة ، و أذكر أيضا ما كانت تقوله لنا المعلمة "دول كان عندهم دين أكتر مننا" وحينما نسأل عن تعدد الآلهة عندهم ببعض الريبة تأتي الإجابة الجاهزة – التي لا أدري أي عبقري اخترعها و أي عبقري صدقها – بأنهم لم يكن عندهم أنبياء. هكذا بمنتهى البساطة ، وكأن الله عز وجل نسى أمة كاملة عاشت أربعة آلاف عاما قبل الميلاد. على الأقل نحن جميعا نعرف أن النبي يوسف والنبي موسى – عليهما السلام – عاشا في مصر الفرعونية ، فلماذا لم تذكرهما الحضارة الفرعونية القديمة؟ ومحاولة أخرى عابثة تخبرنا أن إخناتون هو أول من اكتشف التوحيد فبدلا من عبادة الشمس والقمر والعجل والنيل والجعران .... إلخ اختار الشمس معبودا وحيدا وسموا هذا توحيدا بالإضافة إلى أنه بالقطع ليس أول من نادى بالتوحيد. ومؤخرا أيضا علمت – ولست متأكدا – أن الحساب والحياة الآخرة لم تكن أصلا حقا لعامة الشعب بل كانت حكرا على طبقة الحكام أما عامة الشعب فكانوا يموتون كالحيوانات (حتى في الحياة الآخرة يا فراعنة؟؟؟؟)

لا أدري لماذا لم نفترض زيف الحضارة الفرعونية ولو على سبيل التخيل. إن الآثار الفرعونية التي تركوها "هم" عن أنفسهم هي مصدر المعلومات الوحيد المتوفر لنا. أفـْهم أنهم لم يكونوا لينقلوا لنا إلا ما يدل على عظمتهم ويُسقطون ما يدينهم. ولكن ليس مفهوما على الإطلاق أن نظل نحن أسراء للجزء الذي كشفوا عنه من الحقيقة ولا نسعى لرؤية الحقيقة كاملة. أخشى أن يكون السبب هو إحساسنا بالدونية وسعينا للتعلق "بقشاية" تثبت حقنا في الحياة.


باسم زكريا السمرجي
20/7/2010